إعلامية تتوقف كثيراً عند التفاصيل الصغيرة، فهي خريجة سياسة وإعلام من جامعة الإمارات، وانخرطت في العمل الصحافي منذ منتصف الثمانيات ومازالت، كاميرتها لا تفارقها أبداً، وهي تبدع في التقاط الصورة كما أنها مبدعة في سرد التفاصيل فتضعك في قلب المشهد، رحلاتها كثيرة ويصعب على المرء أن يتناولها في مساحة ضيقة خصوصا أن لكل صورة من كل رحلة حكاية بحد ذاتها.
السفر في قاموس حليمة الملا ليس مجرد هروب من أجواء صيف حار، أو ترف للتباهي، إنما حسابات تؤدي لاستمتاع الإنسان بإجازته، واستفادته على المستوى الثقافي والمعرفي، فهي صحافية أحبت السفر منذ صغرها، ومع أن معظم سفراتها كانت ضمن عملها، إلا أنها لا تعترف بمفهوم رحلات العمل، وتتشبث بكل فرصة متاحة للتعرف على معالم البلدان التي تزورها، وتحرص على مد جسور الصداقة مع الآخرين، وتحرص على استكشاف الريف في كل بلد تزوره. إضافة إلى ميلها الشديد لزيارة الأقطار العربية، فزيارتها للمدن الأوروبية لم تترك في نفسها أثرا كالذي انطبع في ذاكرتها من الجماليات العربية، فعندما تستعيد صلالة مثلا، لا تتوانى في أن تعطيها أفضلية على سويسرا المشهورة بمناظرها الطبيعية الخلابة، أبلغ من ذلك بكثير أنا أذهب إليها بصفة دائمة، وأقضي فيها أياماً جميلة مع العائلة، وهي منطقة تكتظ بالسائحين ابتداءً من شهر يونيو وحتى سبتمبر، لا نشعر فيها أبداً بحرارة الصيف، ففي هذه الفترة تكون الجبال مكتسية بالخضرة، وشلالات الماء لا تتوقف أبداً.
ويكفي أن أقول بأن خمسين ألفاً يذهبون إليها من الإمارات فقط سنوياً، فأصبحت تحتاج إلى اهتمام أكبر من حيث الفنادق والمنتجعات والمطاعم لاستيعاب الأعداد المتزايدة، وموسم الصيف يمثل لأهل صلالة موسوماً سياحياً يستفيدون منه، فمنهم من يخلي بيته ويؤجره، وهذا يقودنا إلى أسعار السكن المرتفعة هناك، وكل شيء جميل في صلالة، وفي شهر أغسطس لا يتوقف المطر والرذاذ الخفيف عن الهطول على مدار 24 ساعة، وتتناول الفاكهة من على الأشجار. وهناك اللبان العماني مشهور جداً، ويتناوله العمانيون كمشروب ودواء لآلام البطن ويستعملونه كدخون لطرد الأرواح الشريرة، وفي ظفار يوجد السوق الشعبي ويحتوي على جميع المنتوجات العمانية، وهذه السلع تحظى بإقبال كبير من المتسوقين الزائرين، أما المزارات في عمان فهي كثيرة، وقد زرت ضريح النبي هود وعمران وأيوب وناقة صالح.
واستمتعت بعيون الماء مثل عين رزات وعين حمران وعين زرمات وجرزيز، وفي مسقط تشعر باهتمام العمانيين بالتراث، وحفاظهم على الهوية، ويتضح ذلك في الطراز المعماري للبيوت والزي والعادات كما أن النظافة والاهتمام بالبيئة هي سلوك شعبي عند العمانيين، وهم شعب يعرف كيف يحتفي بضيوفه ويرحب بهم، وهم أيضاً شعب منتج يحب العمل، ولا يترفع على مهنته مهما كانت، وقد رأيت بنفسي كيف تعمل الفتاة العمانية في مهن متواضعة جداً. - فيلمان في برنامج واحد: وأنا ضد أن يضيق الإنسان على نفسه من أجل السفر، ليقترض مثلاً، أو يؤجل أشياء مهمة في حياته الشخصية، السفر يعني متعة واستجماما وليس انشغالاً بالأعباء المالية المترتبة عليه، ولهذا أحسب حساباتي جيداً قبل أن أختار وجهتي السياحية، وأوظف ميزانيتي بما يحقق لي المتعة وراحة البال.أول سفرة كانت إلى القاهرة في عام 1986 مع جمعية المرشدات الإماراتية، كانت مهمة صحافية أدانها أسبوعان لتغطية المخيم الكشفي التاسع، وكان برنامج الزيارة مليئاً بالرحلات إلى المناطق الأثرية، والمتاحف والمعالم الحضارية في بعض مناطق مصر، وزرنا سيناء وخط بارليف، وهذه الزيارة فتحت شهيتي تجاه مصر ولا أبالغ إذا قلت أنني أذهب إليها مرتين كل عام.
ومن إعجابي الشديد بها اشتريت شقتين في القاهرة، واحدة في فيصل والأخرى في الرحاب، زحام مدن مصر، شعبها، ثقافتها، شوارعها، تستهويني روائح المأكولات الشعبية، حتى خضرواتها لها روائح زكية مختلفة، في منطقة الأهرامات شعرت بأجواء رومانسية، وأسقطت قراءتي في التاريخ الفرعوني على المشهد، ولم أستمتع بمشاهدة فيلم سينمائي كما استمتعت في دور العرض المصرية، فجمهور القاعة وحده فيلم سينمائي، تسمع التعليقات والنكات وكأنك تتابع فيلمين في وقت واحد، ودائماً ما يكون برنامجنا اليومي في القاهرة مقسماً إلى قسمين، فترة النهار وفيها تزور المعالم السياحية والأسواق والمتاحف.
أما الليل فهو للسينما والمسرح والرحلات النيلية أو الذهاب إلى المناطق الشعبية مثل الحسين وخان الخليلي وحضور أيضاً جلسات المثقفين والأدباء، ومن كثرة ترددي على مصر أصبح لي فيها صديقات ومعارف أعتبرهم مثل الأهل، ومع هذه المعارف ذهبت إلى الزقازيق وطنطا، وأقمت لفترة في أجواء الريف المصري ولبست الجلباب والطرحة الفلاحي، صنعت الخبز مع النساء وطهيت معهن، في الريف المصري متعة أخرى وسط الحقول والأجواء الهادئة.
شعم التايلاندية
بين دول شرق آسيا تنقلت حليمة الملا وهي تقضي شهر العسل مع زوجها، البداية كانت إلى سنغافورة، ثم إلى ماليزيا، وأخيراً إلى تايلاند، تقول: هذه الرحلة مرتبطة بذكريات جميلة مطبوعة في ذهني حتى الآن، فقد كانت الرحلة في شهر ديسمبر وبالتحديد 19/12/1987، كنت اقضي شهر العسل هناك، ولان زواجي كان تقليديا فقد بدأت رحلة التعرف على زوجي عن قرب في هذه البلدان الثلاثة، والمفارقة السعيدة ان احتفالنا بالزواج كان مواكبا احتفالات أعياد الميلاد ورأس السنة، فبدت الاحتفالات هناك وكأنها احتفاء بزواجنا.
وكانت محطتنا الأولى في سنغافورة، وهي بلد صغير جداً من حيث الراحة، تستطيع ان تجوبه من أقصاه إلى أقصاه في فترة وجيزة، فهي بلد منظم ونظيف وشعبها في غاية الرقي، وأجمل شيء أعجبني فيها هو النباتات المنحدرة على جدران الأبنية، فلا يخلو جدار بيت أو شرفة من الأعشاب والنباتات المتسلقة، وفيها أماكن سياحية كثيرة، واهم ما يميزها الحديقة الصينية، اما ماليزيا فهي بلد مريح للغاية، تشعر بالطابع الإسلامي يغلفها، وشعبها ودود وتتميز بمصانع المشغولات اليدوية وأسواق السمك، ومطبخهم شهي جداً، وماليزيا تهتم كثيراً بالسياحة.
وفيها خدمات راقية وفي تايلاند أعجبني كثيرا البيوت والأسواق داخل البحر، فهم يسكنون في أماكن يحيطها الماء من كل صوب، وينتقلون بالقوارب الصغيرة، كذلك أسواقهم المقامة فوق الماء، وقد أدهشني هذا المشهد ووقفت أمامه متأملة لفترة طويلة، كيف يتأقلم هؤلاء الناس مع هذه المعطيات، وعموماً تايلاند بلد سياحي من الدرجة الأولى، قضيت أسبوعاً في العاصمة بانكوك، وأسبوع أخر في الأرياف.
وذهبت إلى منطقة جبلية مطلة على البحر اسمها «شأم»، ونطقها مطابق لشعم وهي منطقة إماراتية وتعجبت لهذا الاسم ان أجده لمنطقة في تايلاند، وهذه المنطقة يرتادها محبو الهدوء والاستجمام، فهي هادئة جداً، وفيها مناظر جبلية وبحرية في غاية الروعة، وزرت سوق الأحد، وهو سوق كبير تحتاج لوقت طويل لكي تنتهي من التجول فيه كاملاً، وقضيت ست ساعات ولم انته من زيارة محلاته وهو مشهور بالمشغولات اليدوية للأسر الفقيرة، وهي منتجات في غاية الجمال، وفي تايلاند ركبت الفيل واستمتعت بزيارة المعابد التي تبهر الناظر بزركشتها وألوانها الزاهية.
تقاليد ما نشستر
زرت بريطانيا ثلاث مرات، وعرفتها في زيارتي الأولى اثناء اقامتي في الفندق من خلال العمال والمسؤولين وأحاديثهم الودودة. وشخصياتهم المحببة، وبالمناسبة انا ضد الحكم على الشعوب من خلال التجارب الشخصية الفردية، البريطانيون أناس منظمون يحترمون الوقت والناس وعملهم وكل شيء يختص بهم كأفراد أو مجتمع، وهناك زرت متحف الفنون ومتحف الشمع والتقطت مجموعة قيمة من الصور مع تماثيل المشاهير والشخصيات السياسية والرياضية والثقافية.
ولأنني كنت ضمن وفد لسيدات الأعمال المشاركات في مؤتمر لتغطية الحدث، فقد زرنا وحسب البرنامج الموضوع إستاد مانشستر وهو عبارة عن مدينة رياضية ومركز تسوق تابع للنادي، وأعجبني اهتمامهم بكل الشخصيات واللاعبين الذين خدموا النادي، وفي متحف خاص يوجد صورة كل لاعب مارس الرياضة في النادي إلى جانب نبذة عن إسهاماته، وهذا تقليد أتمنى أن يوجد في أنديتنا، أيضاً زرت متحف لوري للفنون التشكيلية.
وزرت المتحف الحربي، وشدني الطراز المعماري القديم لأبنية مدينة لندن، وعندما زرت المدينة في مرتين لاحقتين كنت قد ألفت الأمكنة وعرفت كيف أتحرك دون الالتزام ببرنامج ومجموعة، فزرت «عين لندن» والتقطت صورة من مكان مرتفع، كما أنني تحادثت مع كبار السن وتحاورت معهم في شتى الأمور الاجتماعية، وبهرتني ثقافتهم ومعرفتهم بالمجتمعات العربية وتماسكها.
كان أحدهم يحكي عن تجربته في تربية أولاده حتى جعلهم يرتبطون به ويزورونه باستمرار، لافتاً انتباهي إلى التفكك الأسري الذي تشهده المجتمعات الغربية، لكن في النهاية لم أنبهر بشيء في أي مدينة أوروبية، وأكاد أجزم أن الحضارة الشرقية والعربية على وجه الخصوص ثرية وتفوق ما رأيته في أوروبا، وهنا أربط بين مشاهداتي للطبيعة في صلالة وبين زيارتي لسويسرا.
فالأخيرة بلد جميل يتمتع بمناظر طبيعية خلابة وخدمات سياحية من أفضل ما يكون، لكن عندما أقارنها بصلالة أجد الفارق ليس كبيراً، بل الأفضلية عندي تذهب إلى صلالة حيث الارتباط النفسي والثقافي، وسويسرا مشهود لها بالنظام وشعبها راق جداً، وفيها سياحة علمية وثقافية وترفيهية وطبيعية، ويوجد بها منتجعات علاجية ومراكز صحية ومراكز تجميل على أعلى مستوى، لكنها في نفس الوقت غالية جداً، ولا يذهب إليها إلا المتندرون، وهي مشهورة بالشوكولاته بأنواعها المتعددة وأشكالها المختلفة، وتوجد محلات ومقاه مختصة بتقديمها.
رقة أهل شمال إيران
دعتنا الخطوط الجوية القطرية لتغطية احتفالها بتدشين محطتها إلى المغرب، وذهبت مع مجموعة من الصحافيين من مختلف الدول الخليجية، كانت رحلة ممتعة للغاية، تعرفت فيها على ثقافظظظة بلد عربي عزيز، وزرت مسجد محمد الخامس وهو مسجد كبير جداً، وزرت مدينة كازابلانكا وهي سياحية من طراز فريد، وتجولت في الأسواق الشعبية وانتقيت بالطبع مجموعة من العباءات المغربية والمشغولات اليدوية الجميلة.
كما زرت إيران بدعوة من أخي الذي يعمل في سفارة الإمارات بطهران، ونصحنا بالذهاب إلى شمال إيران المشهور بأماكنه السياحية والأجواء الطبيعية هناك، ومن شدة إعجابي بالمناظر الطبيعية ومزارع الفواكه والخضروات المنتشرة بكثرة، ووجود شلالات الماء، ايقنت أن الطبيعة الجميلة والخلابة تؤثر على سلوك البشر، فالناس هناك في غاية الرقة والأخلاق، والأسعار رخيصة جداً خصوصاً فيما يتعلق بالمواد الغذائية والمكسرات، ولكن تظل عربة التنقل هناك صعبة للغاية، فالطرق ضيقة جدا، ولا أعرف كيف يقود السائقون الشاحنات والباصات عبر منحنيات جبلية مرتفعة وخطيرة.
الصلاة في مغارة جعيته
ذهبت مع العائلة إلى الأردن بالطائرة، وقمنا بشحن سيارتنا الخاصة إلى هناك، حيث خططنا للذهاب إلى سوريا ولبنان ايضا وأظن ان وجود السيارة افادنا كثيرا، اذ كانت حركتنا لمشاهدة الكثير من المعالم السياحيظظظة البعيدة، خصصا تلك التي توجد في المناطق الجبلية الوعرة وزرنا الآثار في منطقة عجلون واربد بطابعها البدوي وذهبنا إلى خليج العقبة والبحر الميت واليرموك وذهبنا الى المسرح الروماني ولاحظت في زيارتي للأردن ذلك التقارب الكبير في العادات والتقاليد بين شعبي الأردن والإمارات.
بعدها ذهبنا إلى سوريا وزرنا منطقة زبداني والشام وسوق الحميدية والمسجد الأموي وزرنا قبري هابيل وقابيل اما لبنان فقد أعجبني فيه مغارة جعيته وهي مغارة من صنع الطبيعة، فيها تشكل الصخر على هيئة عناقيد متدلية من السقف أما الأرضية فهي ينابيع مياه جارية وتمتاز هذه المياه ببرودتها وعذوبتها الشديدة وأمام هذه المغارة بتشكيلاتها الهندسية تمنيت أن أصلي ركعتين شكراً لله على هذا الجمال، لولا كثرة السائحين المتواجدين في المكان، كذلك أعجبني منظر البيوت على قمم الجبال والمطعم اللبناني المشهور بالمقبلات والأكلات اللذيذة.
غير ان السياحة تتطلب اهتماما أكبر من الدولة والخدمات السياحية ضعيفة ويعود ذلك للحروب المتتالية التي مر بها. أنا حريصة على أن آخذ معي هدايا إلى أي بلد انوي زيارته فالأصدقاء موجودون في كل مكان واحرص على إقامة علاقات الصداقة في أي مكان اذهب إليه كذلك احرص على وجود الكاميرا معظظظي وغالبا ما أسافر بحقيبة واحدة وأعود بأربع حقائب كبيرة، فأنا أيضاً أحب التسوق، واشتري لنفسي وللأهل وللأصدقاء.
الهدايا التذكارية ضرورية جدا، ومع خبراتي في السفر أكون حذرة وأتجنب ضياع الحقائب، ولا أضع فيها الأشياء الثمينة. وايطاليا هي البلد الذي لم أزره وأتمنى الذهاب إليها، كذلك العراق هذا البلد الأصيل الضارب بحضارته وثقافته في عمق التاريخ، أما أجمل مطار رأيته فهو مطار دبي الدولي فهو في تطور مستمر دون توقف.
عزالدين الأسواني



