منال علي بن عمرو، تكتب وتصور وتصمم وترسم ولها تجربتها في الأفلام القصيرة.. مفعمة بالنشاط والطاقة الإبداعية والتعبيرية.. لا تقدم نفسها في سياق منعزل عن مشاهداتها اليومية ورغبتها في التعبير عما تراه وتشعر به.
وتعمل ضمن رؤية متكاملة للحياة ولا يمكن فهم نتاجها الفني والإبداعي بشكل منفصل عن باقي الأشكال التي تمارسها.. إنها لا تقدم نفسها إلا كتجربة متكاملة ولا ترتهن لصفة محددة قدر حرصها على التعبير عن نفسها بدقة وصدق وبالوسيلة التي تقتضيها كل حالة، وفي مقاربة لهذه التجربة المتعددة المواهب والميول أضاء تقديمها لأحد معارضها الفوتوغرافية جانباً من رؤيتها تجاه العالم وطريقة التعبير: «عشقي للكتابة والصور والملصقات أخذني لعالم التصوير الفوتوغرافي وتصميم المطبوعات والرسم، وفي جامعة الإمارات كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تخصصت «اتصال جماهيري» بعد قناعة أنه أقرب تخصص أستطيع أن أجمع فيه هذه الاهتمامات.
الكتابة بالنسبة لي متنفس لأفكاري ومعتقداتي وكل تجاربي الواقعية والخيالية، من خلالها أحاول أيضا صناعة صور، وأهم من ذلك خلق روابط لتلك الصور، روابط لها القدرة على الرقص.. القفز وأحياناً التحليق لمعانقة السماء. في التصوير الفوتوغرافي أعتني بالفكرة قدر المستطاع والإعداد الكامل لمتطلبات العمل، كتوفير عارضين، ملابس، ماكياج إكسسوارات.. الخ. قناعة مني أن برامج المعالجة مهما كان لها أثر كبير في تجميل الصورة وإضافة رونق لها إلا أن الصور لو لم تكن معدة بشكل جيد فإن النتيجة أبداً لن تكون مرضية، في أغلب أعمالي هناك في ذهني أحياناً تكون واضحة وأحياناً يتوشحها ضباب اللاوضوح عن قصد، لذا في مجموعات الأعمال جموح لا محدود حيث لا أتقيد بعمل تجاري في هذه الأعمال. التصميم للمطبوعات فرصة لإبراز قدرات فنية ظلت لزمن لا بأس به محدودة في عالم الانترنيت كالتصميم للمواقع والجهات، برنات وبطاقات الكترونية، ساعدني في تطوير ذلك تخصصي الجامعي وتدريبي في عدد من الشركات الإعلانية والمطابع، بالإضافة للدورات التدريبية المتعددة في هذا المجال.
وتراكم الخبرات المتواصلة في عالم التصميم يزيد من أفق الإبداع، ذلك أن عملية الطباعة نفسها توسع مدارك المصمم لأمور كان يجهلها في السابق يسهل عليه فهم طبيعة كمراحل العمل المطبوع من بدايته كمادة نص وصور إلى فكرة تصميم وتنفيذ وإنتاج. لا حدود في مجال أرى أنني قادرة على الإنتاج فيه بشكل مناسب ومرض فهذا يضيف لعالمي المليء بالكلمات الصور والألوان كثيراً من المتعة التي نفتقدها في ظل الروتين الذي يحاول أحياناً التعمق في أيام. لدي إصرار على إنجاز عمل كنت قد أعددت له مهما كانت الظروف التي تعيق إنجازه فكلما زادت هذه الظروف كلما زادني ذلك حاجة إلى إتمام العمل ويتحول الموضوع إلى تحدٍّ ذاتي وهنا تكمن نشوة السعادة. وبعدد ما سيكون هناك مشجعون لخطوات الحرية سنجد المثبطين لها يجرون وراءنا لنرتدي رداء الإحباط، هؤلاء وكنصيحة مني يفضل أن نقابلهم بابتسامة باردة لا ملامح لها ونتابع المسير حيث هناك تزداد خطواتنا تجربة وثقة».
الدلع في كنف الجدة
تداخل البيئة الاجتماعية والثقافية التي شكلت النسيج الروحي والإبداعي لمنال، منحها جرأة في الطرح وفي اقتحام مختلف الأشكال التعبيرية معتبرة أن روحها هي الأداة التي تنعجن فيها المادة الأساسية للتعبير وبالتالي يأتي نصها البصري أو الكتابي محاكاة لتلك الروح وصورة لها.
ولدت في أبوظبي وعاشت عند جدتها في دبي وهناك تشرّبت الحنان وهي تتقافز في ردهات المنزل. وعن تلك الطفولة تقول: كانت جدتي وحيدة وهي التي ربتني بحكم أن أبناءها تزوجوا ولم يبق عندها أحد، وقد تفرغت لي تماماً وركزت علي من مختلف الجوانب فقد عشت بجو من الرعاية الكبيرة و(الدلع) وكانت جدتي بمقام الوالدة، وفي أمسيات الطفولة البعيدة كانت تقص علي (الخراريف) التي كنت أحب سماعها والقصص التراثية التي أمدتني بعالم تخييلي ومفردات ظهرت في نتاجي فيما بعد وأسهمت بتكوين ذاكرتي وذائقتي.
إلى جانب ذلك كنت أهتم بالقراءة بشكل خاص وأشاهد أفلام الفيديو وكنت أحب قراءة القصص البوليسية والمجلات الأجنبية ومن أوائل الكتب التي قرأتها كتاباً عن جمال عبد الناصر، حيث كنت أتسلل إلى الغرفة وأطالع صفحاته رغم أني لم اكن أفهم شيئاً والحقيقة أن الكتاب أغواني من ناحية الصور التي يضمها بين دفتيه بالأسود والأبيض، وتضيف بأنها لم تقرأ روايات عبير فقد انصبت قراءتها على أمور أكثر قيمة وأهمية والتي ظهرت فيما بعد في مجموعة القصص والكتابات النثرية التي كانت تقوم بكتابتها دون أن تتمكن من إصدارها في كتاب مستقل إلا أنها قامت بنشرها في أماكن متعددة، وكان لديها زاوية أسبوعية صحفية بعنوان «إطلالة» استمرت طوال فترة دراستها الجامعية، وتلك الإطلالة كانت ذات طبيعة أدبية وجدانية ذاتية.
قبل ذلك كانت قد اشتركت في المدرسة بالعديد من الأنشطة في اللغة والمسرح وعن تلك المرحلة تقول: كنت أتمنى لو تشربت اللغة العربية بشكل أكبر رغم أني كنت اذهب صيفاً إلى المدرسة الدينية التي ساهمت بصقل لغتي لكن للأسف لدينا مشكلة تتعلق باللغة العربية في المناهج التعليمية..لدينا إنكار للغة العربية، وهذه مشكلة تنعكس على مفهوم الهوية وآلية التعبير وتفهم مختلف القيم وحيثيات الحياة التي نعيشها.
شباب بلا هوية
شاركت برسومها في المسابقات المدرسية والمعارض، كما أن أول مسابقة لها على مستوى الكتابة كانت عن طريق جريدة البيان، حيث شاركت بمقال بعنوان «شباب بلاهوية» وهو عمل عن الجيل الذي ولد في فترة السبعينات والثمانينات، وعن الجائزة التي حصلت عليها في تلك المسابقة تقول: كانت الجائزة عبارة عن مجموعة من الكتب السياسية التي لم أفهم منها شيئاً، فقد كان عمري 14 سنة.
أما في مجال التصوير الفوتوغرافي الذي مارسته منال باقتدار وبرؤية بصرية خاصة، وساهمت من خلاله في العديد من الأنشطة والمعارض الفنية، فقد جاء عشقها للكاميرا منذ طفولتها أيضا، تقول: دائماً كان في يدي كاميرا وكنت أصور ألعابي والأشياء المحيطة بي، وعندما كبرت رحت أصور زملائي في المدرسة، وفي البدء كان الأمر مجرد تسلية، ثم أصبح جدياً مع مرور الوقت وانتهى إلى وجود الجانب الاحترافي بعد أن تعمقت الخبرة حيث شاركت بمعرضين الأول كان برعاية مجلس دبي الثقافي مع أحمد بلهول، والثاني معرض فردي في المجمع الثقافي في أبو ظبي بعنوان «تأملات».
وتضيف: أحب تصوير البورتريه وأحب أن تكون صوري حافلة بالبشر، وأحياناً أدخل أماكن غريبة لتصويرها، فقد كنت أصور أماكن العمال ومساكنهم ومرة قضيت يوماً كاملاً مع العمال وأخذت مجموعة صور لهم وقد أسميت مجموعتهم (الذين يحفرون القبور). ومع بداية دخول الانترنيت بدأت بالتعرف على برامج التصميم ففتحت عيني على الإخراج ومن هنا بدأ اهتمامي بالتصميم الغرافيكي وساعدتني معرفتي بالتصوير كثيراً فقد كنت ألتقط صوراً خاصة بأعمالي الغرافيكية والإخراجية.
وجه عالق وروح متحررة
الأفلام السينمائية القصيرة هي جزء من الأنشطة التي مارستها منال وأبدعت فيها وضمنتها رؤيتها الخاصة وخبرتها في مجال الفنون الأخرى، وعن هذا الجانب تقول: جاءتني الفرصة عن طريق مسعود أمر الله آل علي الذي يمكن تسميته بعراب السينما في الإمارات وهو مؤسس مهرجان الإمارات السينمائي فقد عملت فيلمين الأول بعنوان «الحذاء» 2006.
وكانت مشاركتي ضمن العروض الخاصة وخارج المسابقة لأنني كنت أعمل وقتها في المجمع الثقافي ولا يحق لي الاشتراك ضمن المتسابقين والفيلم الثاني بعنوان «وجه عالق» عام،2007 وهو عبارة عن قصيدة كتبتها ثم حولتها بعد ذلك إلى سيناريو وقد استشرت مجموعة من الأصدقاء منهم المخرج عبد الله حسن أحمد ومديرة الإنتاج هيفاء راشد عجيل وبالتشاور استقرينا على المشاهد ونفذت في الجزيرة الحمراء في رأس الخيمة وكل الكادر ساعدني دون مقابل وفزت بجائزة مهرجان دبي السينمائي لأفضل موهبة سينمائية إماراتية.
والآن أعمل على سيناريوهات أخرى لإنتاج فيلمين وهناك أيضا فكرة نص مسرحي، وأعتقد أن التكنيك يجب أن لا يشكل عائقاً، فأنا لا أعتقد أن هنالك احتكارا للإنتاج، فما أريده هو التعبير عن نفسي بأية طريقة وأنا أسعى إلى تثبيت الحالات التي تطرأ علي، ولدي قناعة أنني حين أعبر عن ذاتي إبداعياً هذا يعني أنني حرة ولست معنية بما يقوله الآخر ومن لديه موهبة يجب أن لا يقف ضدها. في التشكيل تدربت على يد الفنان العراقي (صلاح الحيثاني) تعلمت المنمنمات وأنتجت العديد من الأعمال، أحب أن أثبت أني أستطيع القيام بمجموعة من الأعمال وإذا لم يكن لدي شغف كبير في العمل لا أستمر فيه كما لدي اهتمام في الماكياج والملبس حتى في المسرح المدرسي كنت مسؤولة عن الماكياج.
في ثنايا الكلام والتفاصيل التي تسوقها منال في حديثها، ثمة روح مستعرة تلامس تخوم الحياة على اختلاف أوجهها، وقلب ينبض بهاجس البحث والمغايرة والرغبة في التعبير عن تفاصيل الكائن في وحدته وفي صخبه، إنها طاقة الخلق تتفجر هكذا دون أن تقف عند حد أو ترتهن لشكل.
إسماعيل الرفاعي



