تقول عن نفسها إنها مولودة قبل رصد التاريخ، بمعنى أنها ولدت في زمن لم تكن دفاتر المواليد قد ولجت حيز العمل بها، لذلك لم يعرف الناس تواريخ ميلادهم، ورغم أنها عاشت الزمن الصعب الا انها تتذكره بحب لأنه جزء من حياتها.
وتتحدث عن الحاضر بفخر وتشكر الله سبحانه وتعالى على نعمه الكثيرة التي منحها إلى أهل الإمارات وتشكر الشيوخ «أطال الله في أعمارهم» الذين لم يقصروا في حق الوطن وأبنائه، وغلوة سالم الرميثي والتي تعمل حالياً في نادي التراث في أبوظبي لم تترك هي وعائلتها أبوظبي يوماً إلى بلد آخر بحثاً عن الرزق وسهولة المعيشة، بل ظلوا صامدين يجابهون صعوبة الحياة في الوطن الذي لم يعرفوا غيره، وصبروا صبرا جميلاً حتى حدثت الطفرة الاقتصادية، وقفزت الإمارات قفزة هائلة نحو التطور في شتى مناحي الحياة، وانعكس ذلك على المواطن الذي تمتع بالخير. وتتذكر غلوة الرميثي مكان بيتها القديم أيام الطفولة قائلة كان بيتنا بالقرب من السوق القديم في أبوظبي، وهو عبارة عن خيمة مثل كل البيوت الموجودة في المدينة آنذاك، وغالباً ما تكون الخيمة كبيرة تضم الجد والجدة والأعمام والزوجات والأبناء.
ولم تكن هناك كهرباء ولا صنابير مياه، وكنا نحفر الأرض ليظهر لنا مياه الآبار، نشرب منها بعد أن نضعها في الخرس (الزير) ونغسل منها ملابسنا. وكنا في الحر نخرج من الخيمة نتلمس نسمة هواة باردة، والعكس يكون في أوقات البرد فندخل الخيمة لنحتمي بها، وكانت الخيام مصنوعة من سعف وخوص النخيل، ونضع على سقفها طرابيل لتحمينا من سقوط الأمطار. وكانت البراجيل نظام التهوية في البيوت فهو مثل شراع المركب يسقط الهواء. - من صبر النساء: وتضيف غلوة قائلة وعشنا نأكل السمك والعيش واللبن المخضوض، وعندما تطورنا عرفنا أكل الدجاج، وعشنا نرعي الجمال والبقر والماعز، والخرفان، وكنا نذبح منها في الأعياد أو للترحيب بضيف عزيز، وبلغ ثمن المعزة ايامها روبيتين والجمل عشر روبيات، ويعد الجمل من أهم الحيوانات في ذلك الوقت حيث نستخدمه في السفر والترحال، وكانت الرحلة من العين إلى أبوظبي تستغرق 15 يوماً تقريباً، ونقوم قبلها بتحضير أنفسنا من عيش وطعام وتمر نأكله أثناء الرحلة، وخشب ونار ونوقده للطهي أو نتدفأ به أو نلتف حوله لينينير لنا الظلمة.
وننام في الطريق، ومن يمرض منا يعالج بالأساليب الشعبية، وإذا اشتد عليه المرض ومات ندفنه في الرمال ونكمل الرحلة، وتقول غلوة كانت النساء صابرات ينتظرن عودة الرجال من رحلات الغوص التي تدوم شهوراً طويلة، وكن يحفرن الرمال بحثاً عن الماء، وكان المجتمع صغيراً إلا أنه كان متماسكاً، وكان الناس يعرفون بعضهم بعضاً، ويساعدون بعضهم البعض، ولم يكن لدينا الكثير لنفعله، فوالدي لم يكن يعمل لأنه لا يوجد له عمل يشغله، وكان يحضر السمك ويبيعه للناس أحياناً. وتؤكد غلوة أنها ذهبت لتتعلم القرآن عند المطوعة إلا أنها لم تستطع أن تحفظه، إلا أنها حرصت على تعليم أولادها، ورغم زحف التكنولوجيا وغزو القنوات الفضائية لبيوتنا ترفض غلوة مشاهدة التلفزيون مطلقاً ولها أسبابها التي رفضت ذكرها إلينا. وتتذكر الزواج أيام زمان قائلة كان العريس لا يرى عروسه إلا يوم الزفاف، ويكتفي بأن تشاهدها أمه ونساء العائلة ليقلن رأيهن فيها، وتعيش العروس في خيمة أهل العريس وتقوم على خدمة العائلة بأكملها، وعندما تحمل تلد على يد نساء العائلة.
وتزوجت غلوة بمهر يعادل روبيتين، وتكلف فرحها بأكمله 200 روبية، وهي ثمن لأثواب العروس والحنة، وطعام المعازيم، وكانت الناس تساعد العروس والعريس بمنحهم طعاماً أو ملابس كهدايا ومساعدة منهم في العرس.
وتضيف غلوة أن ليلة الحناء مهمة عند العروس، ويتم تحضير الحناء بعجن مقدار منها مع الماء المغلي مع الليمون اليابس، مع تركها لتتخمر حتى تعطي اللون المطلوب، وتعددت أسماء النقوش القديمة مثل القصة، البيطان، الغمسة، الكازوة، وأبوتيلة.
وتقوم الحناية بتقميع الأصابع، وتضع عجينة الحناء أسفل قدم العروس مع تقميع أصابع القدم أيضاً، وتغطي العروس قدميها بقطعة من القماش حتى اليوم الثاني حتى تكتسب الحناء اللون البني. وتستعيد غلوة الماضي قائلة كانت المرأة تفعل كل شيء بنفسها، ولم يكن لديها خدم و«بشاكير» تستعين بهم كما هي المرأة حالياً، بل تنظف البيت وتطحن الحبوب في الرحى، وترعى أولادها وزوجها وتطبخ على الفحم والحطب وداخل التنور وتقوم بكافة الأعمال المطلوبة منها دون ملل أو كلل. كانت قائدة البيت في غياب الرجال.
وتشير غلوة إلى أن المرأة إذا خرجت من بيتها تلبس ملابس خاصة تخفي شخصيتها فلا أحد يعرفها، فترتدي عباءة سمكية جداً، وتضع على وجهها البرقع ثم الغشوة وهي شيلة تغطي الرأس والوجه فلا يظهر منها أي شيء. ونادراً ما تخرج النساء من بيوتهن إلا للضرورة، وكانت البائعات تحضر إلى البيوت حتى تتمكن النساء من شراء احتياجاتهن. والوشم والحجامة والأعشاب التي تنبت في الصحراء هي العلاج الأمثل لكافة الأمراض التي يصاب بها الناس في ذلك الوقت.
نقل التراث للأجيال
وتعمل غلوة الرميثي في قرية التراث في أبوظبي في (السدو) النسج ويعد نسج الساحة من الأشغال اليدوية المعروفة خاصة لدى البدو قديماً، وتقوم بداية بغزل الصوف بواسطة المغازل اليدوية أو الدواليب القديمة، غير التي تستخدم في عصرنا الحالي حيث المغازل الحديثة والسريعة سهلة الاستعمال، وتغزل الخيوط من صوف الماعز والخراف ووبر الجمال، وتصبغ تلك الخيوط بألوان زاهية، والهدف من هذا النسيج استخدامه في صنع الأحزمة المزركشة للجمال والسجاد والشنط وعمل الحواجز في الخيمة القديمة، وخرج لوضع الأكل فيه ونماذج من الخرج المزركشة لوضع الملابس فيه وأسرحة الجمال.
وتقول غلوة كذلك يصنع من النسيج شنط حديثة وأحزمة مجدلة ومناظر مزركشة، ومناظر تمثل البادية، وكنا نعتمد على نسج الصوف في عمل جميع مستلزماتنا الأساسية، والآن أقوم بتعليمه للأجيال الحديثة والتي لا تعرف شيئاً عن النسج بالنول، كذلك يأتي إلى القرية الزوار من العرب والأجانب الذين يرون كيف كنا نصنع نسيجنا أيام زمان.
إيمان قنديل



