لم يكن الماضي جميلا كما يردد البعض دائما، بل عانى اهل الإمارات الكثير من صعوبة الحياة وكيف لاتكون الحياة صعبة وكان الأجداد يعيشون في صحراء قاحلة تمطرهم حرا وبردا ورملا وعواصف؟ وكيف تكون الحياة جميلة في ظل سيادة ظلمات الجهل والتخلف وندرة المال؟ فلا مدارس تعلم وتنير العقول ولا مستشفيات تعالج المرضى وتأخذ بيدهم الى الشفاء ولاطرق ممهدة تجعل السفر آمنا، وندرة في الماء العذب وقلة طعام وغيرها من الأسباب التي تحول بين الإنسان وقدرته على مواصلة الحياة الكريمة التي توفر له سبل المعيشة الهانئة.

زايد سعيد المنصوري إماراتي لايتذكر تاريخ ولادته لكنه يؤكد انه تفتح على الدنيا في عصر الشيخ شخبوط رحمه الله وكان وقتها يعمل في رعي الإبل مع عائلته التي كانت تعيش في ليوا واشار الى ما كان يعانيه ابناء الإمارات من شظف العيش ووصف لنا مشاعر الرعب التي اعترته عندما شاهد السيارة لأول مرة وكيف انه لم يصدق ان يتكلم الحديد الذي عرف فيما بعد انه جهاز الراديو؟ الا انه ايضا يؤكد أن الله سبحانه وتعالى جعلهم يشاهدون قفزة التطور الهائلة التي أتت على يد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، ومن رعي الإبل في الصحراء إلى مدرب في نادي التراث في أبوظبي قفزت حياة زايد المنصوري الذي لا تفارق وجهه الابتسامة عندما تحدث. يطعم كلامه بالدعابات الجميلة، ويؤكد أنه رغم كبر سنه يشعر بأنه مازال شابا صغيراً في مقتبل العمر.

يقول زايد المنصوري نحن بدو رحل، عشنا في واحة ليوا القريبة من مدينة أبوظبي، ولم أعرف لوالدي مهنة عمل بها، إلا أنني عملت في رعي الإبل، وكنا نعيش في بيت الشعر، الذي تكون من جزأين القطبة الشرقية للرجل والغربية للحريم، ولدينا مجوعة من الإبل تذهب لترعى نفسها وتبحث عن الطعام لتأكل ثم تعود إلينا ثانية. وصممت الخيام التي عشنا فيها بطريقة تخفف عنا حرارة الطقس، وتقينا من حرارة الشمس الحارقة، كذلك تقينا من المطر والعواصف الرملية، فلم نكن نشعر بصعوبة الطقس وقتها، إلا أنه بالطبع لم تكن جميلة كالبيوت التي نعيش فيها الآن والمجهزة بكل سبل الراحة من كهرباء وماء ومكيفات وأرضيات وغيرها.

للموسم فوائد عديدة

وللإبل أهمية كبيرة في حياتنا حينذاك، نستفيد من حليبها ونأكل لحمها ونبيعها، ونسافر عليها، فقد كانت الوسيلة الوحيدة التي تنقلنا من مكان إلى آخر، فهي بحق سفينة الصحراء، وكانت تشيلنا وتحمل طعامنا وماءنا وأغطيتنا وتنقلنا ونسافر عليها بالأسابيع والشهور من خلال قوافل نسير فيها من مكان إلى آخر، وكان ثمن الجمل في ذلك الوقت لا يتجاوز 600 روبية، وهو أيضا مبلغ كبير لأننا لم نكن نمتلك المال بسهولة.

كذلك كنا نقيم سباقات للهجن، وسبحان الله لقد خلقها الله ولديها قدرة كبيرة على التكيف والتحمل والصبر على جميع ظروف البيئة القاسية، كالعطش الشديد والعواصف والبرد والحر، كما لديها سنام أعلى ظهرها مليء بالشحوم والدهور التي تتغذى منها في حالة تعذر وجود طعام، كذلك لديها أماكن في جسمها لحفظ الماء وقت العطش الشديد، وخلقها الله بخفين في أقدامها يجعلاها تسير في الرمال بسهولة.

واهتم العرب بعملية الوسم وهو علامة مميزة توضع على جزء معين من الناقة أو الجمل عن طريق الكي وذلك بإحماء قطعة من الحديد ثم وضعها على المكان المراد وضع الوسم فيه، وللوسم فوائد كثيرة وهو شيء متعارف عليه منذ قديم الزمن وحتى الوقت الحاضر وأهم تلك الفوائد هو حفظها من الضياع أو السرقة كما أنه علامة واضحة للدلالة على أصحابها لتمييزها والتعرف عليها، ولكل قوم وسم متعارف عليه لا يخالطهم فيه أحد بالإضافة للشاهد وهو علامة تضاف للوسم للتفريق بين القوم الواحد أو أبناء العمومة أنفسهم.

وتحمل الإبل مسميات عمرية متعارفا عليها عند أهل البادية فهي عند الولادة يطلق عليها (حوار/حوارة) يليه (مفرود/مفرودة) ثم (حق/ حقة) ثم (لقي/ لقية) ثم (جذع/ جذعة) ثم (ثني/ثنية) ثم (رباع) ثم (سدس/سديس) ثم (جمل/ناقة) ثم (هرش/فاطر). ومعدل حياة الجمل أو الناقة ما بين 25 ـ 30 سنة تقريباً. لقد كانت الإبل كل حياتنا نأكل منها ونشرب حليبها ونأخذ وبرها لصناعة الملابس والبشوت والخيام والحبال وجلودها لصناعة قرب المياه والأحذية والزنابير.

ويضيف المنصوري ولم يكن لدينا مستشفيات بها أطباء يصرفون لنا الأدوية في حالة المرض، بل كنا كرعاة إبل نعتمد على الإبل في معالجة الأمراض، فاستخدمنا حليبها في الشفاء من أمراض أوجاع البطن والمعدة، وأمراض التنفس ونزلات البرد، وعلاج السموم. وإذا مرض احدنا فهناك من يأخذه ويداويه اما بالحجامة أو بالكي، أو الحلول لتنظيف البطن.

أتذكر تلك الأيام الصعبة، وأقارن بين الماضي والحاضر أجد أننا قفزنا فوق المستحيل، لم يكن لدينا طعام سوى الأرز والطحين والقهوة، وليس كما هو الآن لدينا خضروات وفاكهة من جميع بلدان العالم، ولدينا أيضا مزارع محلية تنتج لنا ما لذ وطاب، ولا مطاعم من مختلف بلدان العالم، ولا شيء يذكر. وكنا نحصل القمح ونجرشه في الرحي ثم نستخدمه في طعامنا فيما بعد، واعتمدنا بشكل كبير على اكل البلح من النخل، ونأكل أحيانا لحم البقر إذا توفر، وأيضا السمك.

كذلك اعتمد الناس على الصيد بالصقور، فكل بدوي لديه صقر يخرج به للصيد، فكنا نصطاد الغزلان والأرانب لنأكلها. وكنا نحفر الآبار حتى نجد ماء نشرب منه ونستخدمه في حياتنا اليومية، ولم يكن وجود الماء سهلا كما هو حاليا، ما علينا إلا فتح الصنبور لتغرقنا المياه العذبة التي تأتينا نقية ونظيفة. لم نعرف يوما ان هناك مدارس يتعلم فيها الناس حتى يعرفوا ماذا يدور في هذا العالم الذي يحيط بنا، لذلك لم أدخل في حياتي مدرسة، بل تعلمت القرآن الكريم على يد رجل من الناس الذين وهبوا أنفسهم لخدمة الآخرين، وتعليمهم القرآن الكريم والصلاة.

وعندما نحب شراء بعض السلع علينا النزول من ليوا إلى أبوظبي حيث تتواجد بعض الدكاكين التي تبيع تلك الأغراض التي نحتاجها. ويتذكر زايد المنصور رؤيته للسيارة لأول مرة في حياته في أبوظبي قائلا كدت أموت رعبا من منظرها، وكيف أنها تسير على الأرض، وظننت أنها (وحش) سيأكل العرب ولم نعرفه من قبل، واختبأت خلف الشجرة حتى سارت بعيد واختفت عن عيني.

وتعجبت كثيرا عندما سمعت الراديو وتساءلت كيف للحديد أن يتكلم؟ ويترحم المنصوري على المغفور له بإذن الله الشيخ زايد قائلا عندما أتى زايد أتى معه الخير كله، وفي سنوات قليلة منحنا كل شيء، وجعلنا نعيش في رخاء لم نكن نصدق أننا سنعيشه يوما. أما عن عمله حالياً كمدرب في نادي التراث في أبوظبي يقول أُعلم الشباب فنون عمل القهوة، حيث تمثل القهوة معنى خاصا في مجتمع الإمارات، حيث تعد رمزاً لكرم الضيافة، ويزداد شربها في الأفراح والمناسبات الرسمية والزيارات الاجتماعية.

ويحمص البن أولا في المحماص حتى يتغير لونه ويميل إلى الاصفرار، ثم إلى السواد، ثم يدق في المنحاس أي الهاون بالرشاد، ثم تدق حبوب البن أولا في (المنحاز) بالرشاد، ثم تطهى على النار مع الماء والهيل، ثم توضع في الدلة وتقدم للضيوف.

إيمان قنديل