عبدالرحمن حسن الشامسي شخصية ثرية بملكاتها الإبداعية الخلاقة على مستوى التفكير العلمي والعملي، يحادثك في شتى المجالات لتخلص انه متخصص في كل شيء، قراءاته الممتدة إلى أيام الطفولة الأولى زودته بخزين لا ينضب من المعلومات، لبق في حديثه لا تعييه المفردات، حذر.. يراعي موضع كل مفردة في عباراته، حنكته التجارب وأضفت على شخصيته رزانة تعكس ثقته بنفسه، عاصر «صفحة» من صفحات الزمن الجميل، واستلهم شتات الأفكار المتناثرة في فترة مهمة من فترات المد القومي، واستطاع أن يكون وجهة نظره الخاصة في السنوات اللاحقة.

درس وتخرج من جامعة بغداد من كلية الإدارة تخصص اقتصاد، وتولى مهام ومناصب في مؤسسات عدة. بدأت بوزارة الخارجية، جريدة الاتحاد، ثم رئيساً لقسم الشؤون الإعلامية بالديوان الأميري بالشارقة، ومديراً عاماً لدائرة الثقافة والإعلام فيها، واختير عضواً بالمجلس الوطني إلى أن تفرّغ لأعماله الخاصة.

منتصف الخمسينات في منطقة الحيرة بين الشارقة وعجمان ولد عبدالرحمن حسن، كان معظم السكان يزاولون صيد الأسماك واللؤلؤ بحكم إقامتهم بالقرب من شاطئ البحر، ووسط مجتمع بسيط في معيشته عاش سنوات طفولته الأولى، وتأثر بذكريات مجالس الشعراء ومنتدياتهم أمثال الشاعر خلفان مصبح وسالم بن علي العويس وغيرهما، وعن الذكريات التي علقت بذهنه عن تلك الفترة يقول عبدالرحمن: تلك أيام جميلة وغنية بأناسها الطيبين البسطاء، كانوا متماسكين ومتعاضدين في الأفراح والأتراح.

أذكر سنة الجراد التي شهدتها البلاد آنذاك، فقد كنّا نركض ونصطاده ونجمعه ونعود به إلى البيوت، فالجراد كان يؤكل وقتها، وأذكر أيضاً تجمعنا نحن الصغار في بيت المطوعة لنحفظ القرآن، لكن حدث أن شرع معظم الناس في الرحيل من منطقة الحيرة إلى منطقة شرق.. مقابل «أندية الفتيات الآن»، وكانت عائلات العويس أول من بدأت في الانتقال، حينها انتقلت مع الأسرة إلى قطر.

حيث فرص العمل هناك كانت أكبر بالنسبة للوالد، والحق انني انبهرت بما رأيته في قطر، حيث كانت قد دخلت بالفعل في إطار المدينة الحضرية، وكانت أكثر تطوراً مما كان عندنا بحكم اكتشاف البترول هناك، كانت الشوارع مرصوفة ورأيت لأول مرة إشارات المرور الضوئية، كذلك كانت الخدمات الصحية والمستشفيات والمدارس موجودة، كذلك المواصلات، غير أن نظام التعليم كان متقدماً جداً عندهم، وشاملاً الرعاية الصحية والوجبات الغذائية للتلاميذ، وفي قطر التحقت بمدرسة أبوبكر الصديق الابتدائية، وقضيت فيها عامين فقط، عدنا بعدها إلى الشارقة واستقرينا في منطقة شرق، وسرعان ما التحقت بمدرسة حطين الصف الثاني الابتدائي، وحصلت منها على شهادة المتوسط.

هؤلاء علموني

مع عودتي إلى الشارقة مجدداً بدأ تشكيل وعيي بصورة أوضح، وأصبحت المدرسة بالنسبة لي وكأنها حياتي، هكذا يصف عبد الرحمن حسن سنوات الدراسة الأولى وحبه للتعليم، ويرجع أسباب تعلقه بالدراسة إلى طاقم التدريس الذي كان يدرسهم آنذاك، يقول: أنا هنا أتحدث عن فترة السيتنات وما واكبها من تفاعلات للمواطن العربي من المشرق إلى المغرب مع القضايا العربية، في ذلك الوقت كانت البعثات التعليمية تأتينا من الكويت وقطر والبحرين ومصر، كنت تضم أساتذة مهمومين بالقضايا التربوية والتعليمية، ولديهم قناعات كاملة في نقل خبراتهم إلى الأجيال الجديدة.

من هنا أحببت المدرسة وأحببت المدرسين، وبدأت بالفعل تتشكل شخصيتي وتتسع مداركي لاستوعب الأفكار المختلفة والقضايا المصيرية، إضافة إلى النشاطات الرياضية والثقافية والفنية التي كانت تجتذبنا جميعاً، ولهذا نادراً ما نجد أحداً من جيلنا قد تخلف عن الدراسة أو صد عنها، والمدرسة لم تكن مكاناً للتعلم فقط، بل كانت أيضاً ساحة للاحتفالات بالمناسبات الوطنية والدينية وتحتضن الفعاليات الاجتماعية، والجميل أن إدارة المدرسة اتبعت نهجاً لتكوين جماعات في مناحٍ مختلفة، وكل جماعة يرأسها مدرس.

فكانت هناك جماعة اللغة العربية، والدينية، والرياضية، وجماعة التاريخ والجغرافيا والتربية الوطنية، وكانت هناك فرقة موسيقية تشارك في المناسبات وتقدم المسرحيات والعروض الفنية سواء داخل المدرسة أو في نادي العروبة، ولأنني كنت مهتماً بالقراءة والاطلاع فقد كنت واحداً من جماعة اللغة العربية، وكنت أكتب مجلة الحائط بخط جميل، وكنت عضواً في الغرفة الموسيقية وأعزف على آلة الاكسلفون، وأذكر أيضاً أن الدكتور محمد خليفة المعلا كان يدرس معي وكان أيضاً يعزف على آلة الاكسلفون في الفرقة.

وهكذا كانت المدرسة بالنسبة لي عالماً مبهجاً في مختلف النواحي، وكانت جاذبة للتلاميذ وليست طاردة أو منفرة، وأيضاً كان التعاون بينها وبين الأسرة متواصلاً، وقد أعطاها أولياء الأمور الصلاحية الكاملة لتهذيبنا وتعليمنا، وكانت العبارة الشهيرة التي تتردد على ألسنة الآباء «افعلوا به أي شيء وابقوا على عينيه فقط»، في إشارة لإطلاق يد المدرسة دون مراجعة من الآباء.

كان المعلم بشكل عام قدوة لنا في كل شيء، وكل واحد منا يتمنى أن يصبح مثله، وزاد هذا التأسي بهم عندما تتلمذنا على يد معلمين إماراتيين، محمد سفر مدرس التربية الرياضية، وعبيد الهاجري تربية فنية، وخلفان الرومي تاريخ وجغرافيا وتربية وطنية، وهذه الأسماء ساهمت كثيراً في بلورة أفكارنا وتشكيل شخصياتنا في مرحلة الستينات التي شهدت تحرر الأقطار العربية من الاستعمار، وكنا نستقي الأخبار من الراديو ومن المدرسين.

وفيما بعد من تلفزيون الكويت وتلفزيون أرامكو من السعودية، إلى أن أنشأت الكويت تلفزيون دبي، وبدأت مساحة الوعي تزداد عندي مع هذه الينابيع الإخبارية، زد على ذلك اهتمامي بالقراءة والاطلاع، فوجدت ضالتي في مكتبة النادي العماني التي أحببتها ورحت أقضي فيها أطول فترات يومي، كان عمري وقتها 12 عاماً فقط، لكن مداركي كانت تسبق عمري بكثير.

كنت من هواة لعبة كرة القدم وكرة الطائرة وتنس الطاولة وألعاب الجمباز، لكن كرة الطائرة استحوذت على اهتماماتي، وأصبحت لاعباً بالنادي العماني، وعندما وصلت إلى سن السادسة عشرة كنت أصغر عضو مجلس إدارة في النادي، والحق أن النادي له فضل كبير في تشكيل وعيي، فالاهتمام كان موجوداً بالثقافة والفن، وكنا ننظم مسابقات ثقافية بكثرة، أما الرياضة فما زلت أمارسها حتى الآن ولكن في السباحة فقط وعلى فترات متقطعة، لكن الشيء الذي لم يتغير حتى وقتنا هذا هو القراءة ومتابعة أحدث الإصدارات.

زخم بغداد

في ثانوية العروبة بدأت أتعرف على إطار مختلف في طريقة التعامل مع الناس، فمرحلتي الابتدائية والمتوسط كنت أدرس مع أصدقاء وجيرة لي من نفس المنطقة، لكن في الثانوية جاءنا طلبة جدد من مختلف إمارات الدولة، وهنا أخذت جانب الحذر، وأسميه الحذر الجميل الذي يبعدك عن المشاكل وأنت تستكشف عوالم أناس لا تعرفهم من قبل، وفي مرحلة الثانوية لم يتغير شيء، سوى أن قراءاتي تعددت وانفتحت على مجالات أوسع، وكانت الأفكار السياسية مطروحة بشكل قوي في نهاية الستينات وبداية السبعينات، فازداد وعيي بالمكان وبالشكل الاجتماعي، إلى جاء العام 1973 وتخرجت من الثانوية وبدأت رحلة التعليم في الخارج، بغداد كانت وجهتي، ودراسة العلوم السياسية أمل كان يراودني، لكن في جامعة بغداد قبلت في كلية الإدارة والاقتصاد، لا بأس.

فقد وجدت ان الاقتصاد جزء لا يتجزأ من العملية السياسية وهو المحرك المؤثر فيها، وهناك بدأت الأفكار تتبلور وسط احتكاكات بالحراك الطلابي، والمنتديات العربية، فقد كانت جامعة بغداد قبلة للكثيرين من الطلبة العرب من مختلف الدول العربية، ولكل طالب فكره الذي يدافع عنه، وهناك تعرفت على أصدقاء من مختلف الدول العربية ومن الإمارات أيضاً.

وشكلنا مع الطلبة العمانيين مجموعة تنظم أسبوع عمان والخليج العربي، وكنا ندعو إليه الأساتذة والمفكرين ليلقوا محاضراتهم، وكنا ننظم أيضاً فعاليات ثقافية ودينية، أما مكتبات بغداد الكبيرة والكثيرة فقد كانت مصدراً لقراءاتي، ووسط هذه الأجواء بدأت بمراجعة بعض أفكاري، ومثلت هزيمة 1967 نقطة لهذه المراجعات، واتضح لي أننا كنا قوميين بالسلفية مندفعين بالعواطف، غير أنني لم أتخل عن المبدأ، ولكن بدأت أنظر للأمور بشكل أكبر تفحصاً وبقناعات تحمل وجهة نظري الخالصة.

خطوات العمل

بعد عودتي خريجاً في العام 1987 تم تعييني في وزارة الخارجية ـ الدائرة السياسية قسم الخليج والجزيرة العربية ـ وكانت مهمتنا متابعة الأحداث السياسية وانعكاساتها على منطقة الخليج، في تلك الفترة كانت المنطقة مقبلة على تغيرات سياسية وفكرية انطلاقاً عما كان يحدث في إيران، عام واحد قضيته في هذه المهمة لكنه كان عاماً ثرياً جعلني أتعايش مع أحداث يومية لها انعكاساتها الدولية والإقليمية، وكان أيضاً محطة مهمة لترجمة الأفكار والدراسة والتجارب المجردة إلى تحليل وتوقع للأحداث، بعد هذا العام تم ابتعاثي إلى أميركا ـ جامعة بنسلفانيا ـ لدراسة اللغة الانجليزية والقانون الدولي وغيرهما من الأمور السياسية.

عدت بعدها وأمضيت عاماً آخر في وزارة الخارجية، وفي عام 1981 التحقت بالعمل في جريدة «الاتحاد» مديراً لمركز الدراسات والبحوث أمضيت فيها أربع سنوات، والحق أن العمل في المجال الصحافي أضاف إلى تجربتي، وكنا ننظم ندوة شهرية بشكل منتظم، وأصبحت أكثر قرباً من القضايا المحلية والتحولات الاجتماعية والاقتصادية، وكونت علاقات وصداقات جيدة مع عدد من الصحافيين.

بعد ذلك انتقلت للعمل كرئيس لقسم الشؤون الإعلامية بالديوان الأميري بالشارقة، ومن ثم عملت مديراً لدائرة الثقافة والإعلام، وتلك فترة متميزة جداً في حياتي المهنية، اذ كنت مسؤولاً عن وعاء ثقافي كبير ومؤسسة رائدة على الساحة المحلية، وفترة عملي في الدائرة واكبت تحولات عالمية في تقنية الاتصال وزحف الثقافة الغربية بشكل مباشر، كذلك المنتج الإعلامي الذي بدأ يؤثر في الشباب إلى أن سادت مفاهيم ثقافية محلية تقترب كثيراً من الثقافة الاستهلاكية، كنا في مواجهة حقيقية مع حراك ثقافي وبرامج يجب تحديثها، وعلاقات ثقافية بين الدول بدأت تأخذ إطاراً مختلفاً.

وكان لابد من إيجاد وسائل للتعامل مع هذه المستجدات، كذلك إعادة الروح لأيام الشارقة المسرحية التي توقفت فأعدناها في شكل جديد، والحق أنني استفدت من هذه التجربة ثقافياً ومعرفياً وتواصلاً مع الأدباء والمفكرين من جميع أنحاء الوطن العربي، ومن خلال عملي في الدائرة تعرفت عن كثب عما يحمله صاحب السمو الدكتور سلطان بن محمد القاسمي من ثقافة واهتمامه بالمثقفين.

مؤسسة للموسيقى

أربع سنوات قضاها عبدالرحمن حسن مديراً لدائرة الثقافة والإعلام، بعدها تم اختياره من قبل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لعضوية المجلس الوطني عن إمارة الشارقة، ليعمل في لجنة التربية والثقافة والإعلام، وبعد انتهاء الدورة تفرغ لأعماله الخاصة التي يقول عنها: أنا مهتم بالموسيقى منذ صغري، وأحب التراث الموسيقي أينما وجد، وعلى هذه الخلفية أسست مؤسسة موسيقية، ولدينا مشاريع مستقبلية مع وزارة التربية والتعليم.

لكننا بدأنا بالفعل في تنظيم حفلات موسيقية قدمنا فيها مقطوعات سيمفونية عالمية وأدخلنا عليها آلة العود، وهي تجربة نالت استحسان الجميع في مهرجان الدوحة، كذلك نحن بصدد إدخال الموسيقى في المنهج الدراسي كتجربة أولى مع تدريس مادة التربية القومية، وزودنا الشعراء بكلمات لأغان وطنية تساعد التلميذ على فهم معنى الوطن في كلمات بسيطة، وأظن أننا بحاجة ماسة لأن نتعامل مع الموسيقى بشكل جدي وبعيداً عن ضغوط السوق وحسابات الربح والخسارة.

وهنا نعود مع عبدالرحمن إلى جانب اجتماعي من حياته قبل أن نسأله عن هواياته المختلفة، يقول: الزواج محطة مهمة في حياة الإنسان، ولابد أن تتقابل الميول والثقافة بين الزوجين لضمان حياة أسرية هادئة وناجحة، والحمد لله الذي وهبني زوجة تشاركني نفس الميول، فهي صحافية متمرسة، ومثقفة واعية التقيتها في مناسبة ثقافية فتقاربت أفكارنا وتزوجنا في عام 1982، أما الأبناء فقد رزقني الله بولدين وبنت، فراس الأكبر، تخرج من الجامعة الأميركية مهندساً ميكانيكياً، والآن يعمل، والثاني غيث وهو طالب يدرس الهندسة المدنية، أما نوار فيبدو أنها تأثرت بي وبوالدتها فهي تدرس الإعلام بكلية التقنية.

عبدالرحمن حسن.. محب للرحلات البرية والبحرية، ويحب التواجد في الأماكن المفتوحة هرباً من الحواجز والجدران، ولديه تقليد أسبوعي إذ يخرج مع الأصدقاء إلى البر ليستمتع بالمدينة عن بعد، وفي تلك الأثناء يمارس الرياضة، وسماع الموسيقى، ولديه مجموعة من المقطوعات الموسيقية التراثية لكل الشعوب، متابع جيد للأفلام السينمائية، ويحرص على مشاهدة فيلم كل أسبوع مع الأصدقاء، في بيت أحدهم، حيث توجد قاعة عرض، وآخر فيلم عربي شاهده هو «عمارة يعقوبيان».

أما المتعة الحقيقية فيجدها في السفر ليتعرف على ثقافات الشعوب، وفي المطبخ يجد ضالته مع جماليات الطبخ على حد قوله، فالطبخ فن قائم بذاته، فإذا استطعت أن تشكل من عناصر مختلفة وجبة شهية فهذا فن، وحبه للمطبخ كان انعكاساً لقربه الشديد من والدته، فقد تعلم على يديها منذ الصغر، وأصبحت لديه معرفة بإعداد الوجبات والأكلات الشعبية وعدة أطباق في المطبخ العالمي.

قدرة على احتواء الآخرين

يقول جمال مطر: في البداية أشعر بحرج بالغ وأنا أدلي بشهادتي في إنسان عزيز على قلبي، وأظن أن شهادتي مجروحة تماماً في عبدالرحمن، هذا الإنسان الخلوق الصادق مع نفسه ومع الآخرين، تراه ودوداً عطوفاً على المقربين منه، ويقدم المساعدة للجميع، وعبدالرحمن رجل مثقف وواع ولبق إلى أقصى الحدود، وهذه اللباقة عنده لم تأت من فراغ أبداً، وإنما هي حصيلة قراءات تبلورت عنده في أفكار ناضجة ليعبر عنها بكل ثقة واقتدار، وهو من الشخصيات التي تتمتع بسمات قيادية، وهو أهل لأن يكون في أبرز المواقع القيادية.

أضف إلى ذلك أنه طوال مسيرته كان ملتصقاً بهموم وطنه الاجتماعية، وقاتل كثيراً في سبيل تشخيص قضية التركيبة السكانية، والمشاكل الاجتماعية، وعبدالرحمن لديه قدرة فائقة على احتواء الآخرين، وخصوصاً المثقفين على اختلاف اتجاهاتهم الفكرية، وهو أيضاً مهتم بأسرته بشكل متفان، وكثيراً ما أراه يمازح أولاده ويناقشهم كصديق، وهو بحق شخصية تراجيدية كوميدية قادرة على إجادة الأدوار.

فهو جاد جداً عن اللزوم وخصوصاً في العمل، ومرح للغاية مع أصدقائه وأولاده، أما الجانب الجميل في شخصيته، فهو هذا الصدق والالتزام بالمواعيد، ويغضب كثيراً إذا ما أخلف موعده معه، بقي القول ان عبدالرحمن طباخ لا يشق له غبار، ويجيد طهي الأكلات الشعبية بكل اقتدار، وكثيراً ما تمنيت عليه أن يعد لنا وجبة شهية من يديه، وكان يلبي طلبنا بمحبة وعطف.

.. وانتزاع الابتسامة

الدكتور علي قاسم يقول: في اللحظة التي يذكر فيها عبدالرحمن تنداح الذكريات وتكون بغداد حاضرة في الوجدان حيث تزاملنا في الدراسة هناك، ويأتيك طيف هذا الرجل وكأنه بلسم على الجراح، واثق من خطواته ومتسق مع ذاته، واضح في اختيار صداقاته، يضمك إلى الضلوع، ويحتضن فيك الفرح والحزن، وعلى مدى الأعوام تمنيت أن أراه غاضباً أو عابساً، لكنه كان دائماً لديه القدرة على انتزاع الابتسامة وتحويلها إلى مشروع فرح.

وهو إنسان مثقف من الطراز الأول، وقارئ محلل وشاهد على تكوين جيل من المثقفين الإماراتيين وكان هاجسه دائماً الفعل الثقافي، وهو إن تحدث تشتم اللباقة في كلامه وقاموسه ثري بالمفردات الجميلة، وكلماته دقيقة جداً وتتسابق الحروف من بين شفتيه لتكون بعضاً من زهور في حديقة التواصل، يمكنك أن تعتمد عليه في الأوقات العصيبة ولا يخذلك أبداً، إن اختلفت معه فهو قادر على أن يكون صدراً رحباً وإنساناً باتساع المعنى ليمنحك محيطات من الأمان.

عزالدين الأسواني