التعرف على عزت عمر ومقاربة عوالمه الإبداعية والنقدية، تضعنا على تخوم سيرة حافلة بالعطاء والاشتغال الدائم على مشاريع إبداعية ذات صلة عميقة بالمشهد الثقافي في دولة الإمارات وفي سياق المشهد الثقافي العربي بوجه عام، وضمن مشروع تأسس على أرضية معرفية أكاديمية، وذائقة تنامت وتجذرت عبر اطلاعه الدائم على جديد النتاجات الأدبية والفكرية، وعلى مختلف المدارس والتيارات النقدية الحديثة.
وسيرته الأدبية لا تفترق عن سيرته الإنسانية وطبائعه الشخصية التي تكونت على الأرضية ذاتها كأحد الذين تحدروا من مدينة «منبج» ذات العراقة والعمق التاريخي، والتي شهدت تفتحه ونموه، فتنفس أول ما تنفس هواءها الذي مازال يزفره نصاً ونقداً وإبداعاً، بين الرواية وقصص الأطفال ومؤلفات النقد، وللوقوف على هذه السيرة كان لنا مع الأديب والناقد عزت عمر هذا الحوار الذي استهله بطفولته الأولى: الطفولة في منبج ذات الإرث التاريخي العتيد والبؤرة التي توالت من خلالها حضارات عديدة كعاصمة دينية قديمة ومركز حدودي يكثر فيه العابرون الذين إذا استطابوا هواءها أقاموا فيها ومارسوا أعمالهم وتجارتهم.. عشت مع البحتري ودوقلة وأبي فراس باعتبارهم رموزا إبداعية وقامات شاهقة في تراثنا، بالإضافة إلى عمر أبو ريشة، ومن عاصرهم في تلك الأيام.
وبالرغم من أنني عشت حياة طفولية مدللة نسبيا، نتيجة انتمائي إلى أسرة ارستقراطية إلى حد ما إلا أنني كنت على الدوام قريبا من حياة الناس العاديين، وربما هذا شكل بدايات التوجه الإنساني في مسيرتي الإبداعية، لأنني أدركت مبكراً أن الإنسان لن يتحلى بإنسانيته ما لم يكن إلى جانب أخيه الإنسان في السراء والضراء، وأن مشكلات هذا العالم لا يمكن حلها بالعنف، وإنما من خلال الحوار والحوار أبداً. وتستطيع اعتبار هذا القول مبدءاً أساسيا في حياتي أسعى إلى تحقيقه من خلال الكتابة وخاصة في التواصل مع الآخر، عربيا كان أو غربيا، لأن الثقافة الإنسانية واحدة وهي التي سوف تنقلب بكل تأكيد على توجهات العولمة (العدوانية) وتعيد للإنسان سيرورته الأولى، تماما كما كان النص الأول الذي دشنه الإنسان في لحظة مبكرة من تاريخ المنطقة ولا أشك لحظة أن هذه الإنسانية ستكتب نصها الجديد مرة أخرى.
وما وجهنا باتجاه الأدب هو وجود مكتبة للمركز الثقافي قريبة من الحي الذي اسكنه، مكتبة احتوت الكثير من مجلات الأطفال، (سمير، ميكي، بساط الريح) كنا نتابعها أسبوعيا ونقرأ قصص المغامرات، والجميل في هذه المكتبة أن أرففها كانت مفتوحة للقراء فامتدت أيدينا الطفولية إلى روايات ربما كانت مخصصة للكبار ولكنها عالم آخر بدأنا نتلمسه مع سنين المراهقة الأولى وهكذا بدأت الرحلة مع ألف ليلة وليلة والأدب العالمي المترجم قبل أن أقرأ لأي روائي عربي.. وهي صدفة بحتة. تمر الأيام وأتعرف إلى مجلة الآداب والشعر الجديد الذي كان يطرح نفسه من خلالها فقرأت لممدوح عدوان وسميح القاسم ومحمود درويش والكثير من الشعراء الذين كانوا يكتبون في هذه المجلة بالتحديد، وتزامنا مع قراءاتي هذه بدأت تجاربي الأولى في كتابة الشعر وشعر الحب تحديداً، وربما كانت السبب في إصراري على دخول كلية الآداب وقسم اللغة العربية في حلب وهناك تعرفت على مجموعة كبيرة من الطلبة الذين باتوا كتابا كبارا مثل محمد أبو معتوق، عبد الرزاق عيد، محيى الدين اللاذقاني، محمد جمال الباروت وغيرهم ومن هذه الأجواء الثقافية سوف ننتقل إلى المقهى حيث سنتعرف هناك على كتاب كبار من أمثال وليد إخلاصي، محمد كامل الخطيب، نبيل سليمان، وغيرهم من الفعاليات الثقافية والتشكيلية من أمثال لؤي كيالي وسعد يكن.
كانت مرحلة غنية تشكل من خلالها وعينا الأول الذي ربما أثرت عليه الإيديولوجيات المتصارعة في تلك المرحلة، ومن المعلوم أن الايدولوجيا في غالب الأحيان مضلله بالرغم من جمالية الاجتماع الإنساني الذي تحققه أو تدفع نحوه.
ابن بطلان وبدايات السرد
عملت بعد التخرج في وزارة الثقافة والمركز الثقافي العربي بحلب أمين مكتبة ومديراً لفرع حي الفردوس لمدة خمس سنوات تابعت خلالها مشواري مع الكتاب وهي الحسنة الوحيدة التي لم تفارقني، حيث إنني لم أترك كتاباً إلا وتصفحته على الأقل، انتقلت بعدها إلى جامعة حلب وعملت في معهد التراث العلمي العربي وهو مركز بحثي تراثي، حررت نشرته الشهرية ومجلته النصف سنوية.
بالإضافة إلى مسؤوليتي عن قسم الطباعة والنشر، وفي هذه المرحلة وعيت أهمية التراث العربي في العصر الذهبي وما تلاه فعملت جاداً بالتعاون مع مجموعة من الباحثين العرب والمستشرقين لتحقيق كثير من الكتب وإعادة إحيائها، هذا بالإضافة إلى المشاركة بعدد كبير من المؤتمرات السنوية والندوات العالمية، وقد حررت جميع الكتب المعنية بهذا الشأن في تلك المرحلة بالإضافة إلى وضع فهارس للمخطوطات العربية المصورة في المعهد المذكور.
عملت أيضاً على تدقيق مخطوطة مهمة للطبيب العربي (ابن بطلان) حيث نشدت تنبيه الباحثين والدارسين إلى أن ثمة بدايات سردية واعية لما تكتبه نشأت في لحظة مبكرة من تاريخنا وتحديدا في القرن الرابع الهجري. ولكن على اعتبار أننا مازلنا متأثرين بالنظريات الغربية حول نشأة الرواية في المجتمع البرجوازي أو بتعبير ليوكاتش أنها (ملحمة البرجوازية المدنية)، فإن الحديث عن بدايات روائية في تراثنا الأدبي يستخف بها من قبل منظري الرواية علما أن المجتمع العباسي في تلك المرحلة عاش حياة مدنية تكفي لإنتاج رواية للتعبير عن الحياة المعقدة الجديدة وربما مخطوطة ابن بطلان هذه تناولت جانبا من ثقافة ذلك العصر.
الإمارات وتجذر المشروع الأدبي
مع مجيئي إلى الإمارات عام 1990 تفرغت لإنجاز ما أطمح إليه على صعيد الإنتاج الإبداعي والنقدي وبالرغم من أنني لست راضيا عما حققته حتى الآن إلا أنه بإمكانك أن تسميه منجزاً يمكن تصنيفه في مجالين أساسيين هما الكتابة للطفل واليافعين والنقد الأدبي، بينما على صعيد الرواية والقصة فقد تم تأجيل المشروع من سنة إلى أخرى علما أن روايتي الأولى (قفص يبحث عن عصافير) لاقت نجاحاً لا بأس به في تلك الأيام من عام 1990.
بالنسبة لأدب الأطفال فقد أنجزت خمس عشرة رواية عدد صفحات كل واحدة منها يزيد على الستين صفحة والقسم الكبير من أحداثها تمت في الإمارات حيث إن الأبطال ينطلقون من دبي نحو اتجاهات شتى.. ويعودون إليها، بمعنى أن دبي كانت مركز الأحداث، وقد نشرت هذه الأعمال في عمان ووزعت هنا، ونفدت جميعها وأفكر الآن بإعادة طباعتها من جديد، بالإضافة إلى ثلاث مجموعات قصصية للأطفال نشرت من خلال دائرة الثقافة والإعلام والمجلس الأعلى للطفولة مع رسوم مرافقة لطلال معلا وعبد العزيز جاسم
بالنسبة للنقد فلا أظن أنني كنت سأمارسه في يوم من الأيام ولكن الأجواء الثقافية التي كانت تشهدها دولة الإمارات وخاصة أيام العصر الذهبي لاتحاد كتاب وأدباء الإمارات حرضني على الكتابة النقدية لاسيما أن الساحة كانت تخلو من النقد الجاد.
باستثناء بعض الدراسات التي قدمها باحثون أكاديميون في ملتقيات القصة والرواية التي كان يعقدها اتحاد الكتاب ودائرة الثقافة والإعلام، فكتبت كتابي الأول (مرايا البحر) عن أدب الرواية والقصة في الإمارات ثم تلاه كتابي الثاني (تطور تقنيات السرد في الرواية الإماراتية والعربية)، وما قدمته كان يعبر عن قناعاتي ومازال على الأقل لأنني تعاملت مع النتاج الإبداعي الإماراتي برؤية منهجية بنائية لسانية صرفة، ولا مجال فيها للمجاملات، فقدمت إضاءات عديدة عن مريم فرج جمعة، سلمى مطر سيف، ناصر جبران، عبد الحميد أحمد، علي أبو الريش، إبراهيم مبارك، ثاني السويدي.. وغيرهم، هذا بالإضافة إلى فصل خاص بالروائيين العرب المقيمين في الدولة، ومجموعة من الكتاب المرموقين خارج الدولة، وقد طبع هذان الكتابان من قبل دائرة الثقافة والإعلام.
شاركت في الفعاليات المختلفة منذ مجيئي وحتى الآن وخصوصاً في الندوات والمؤتمرات التي أقامتها ولكن التجربة الأغنى كانت في أيام الشارقة المسرحية حيث عملت مع اللجنة الإعلامية في تحرير النشرة اليومية والتفاعل مع المسرحيين والنقاد في هذه الأيام التي أتمنى أن تكون مثالاً يحتذى به في سائر المدن الخليجية والعربية. بعد هذا الفيض الذي آثرنا أن لا نعترض انسيابيته وسلاسته والذي جاء ليقدم خلاصة متواضعة عن عزت عمر، والذي لا يمكن الفصل بين نتاجه وإخلاصه لإبداعه وتقصيه عن مكامن جديدة تغتني من خلالها تجربته.
عمل بتجرد وأمانة
الأديب إبراهيم مبارك أحد الذين عرفوا عزت عمر وجمعهم الهم الثقافي الواحد والعمل الدؤوب من أجل إغناء الساحة الثقافية في الإمارات يقول: أبو العز صديق عزيز وشهادتي مجروحة فيه لأنه صديق ورفيق ومن أجمل الأصدقاء العرب الذين عرفتهم في الإمارات. واضح وصادق ومحب للإمارات وللعمل الحقيقي في الثقافة، وأبو العز ساهم معنا في صياغة الثقافة عندما بدأنا في إضاءة الساحة الثقافية الإماراتية بعيداً عن مفهوم الانتماء الضيق لبلد بعينه وضمن الاشتغال على مفهوم ثقافي بمعناه الإنساني العميق.
وفي الثمانينينات أبدع في القصة وأبدع في النقد وعمل بتجرد وأمانة لأنه كان لا يستطيع إلا أن يتماهى مع أعماله وكلما رأيته الآن أو صادفته في أحد الأماكن أشعر أنه مازال في نفس النشاط فقد أبدع وتفرغ للبحث عن نقد القصة وأخرج العديد من المجموعات القصصية للأطفال وهو يحفظ للصداقة مكانتها وللود مكانته وهو ابن منبج ابن التاريخ العريق فليس غريبا أن يأتي أبو العز من تلك المدينة، ورغم أن كل شي تغير لكن عزت ظلّ على حاله أصيلا ونقيا.
صوت نقدي مميز
الناقد والباحث الدكتور صالح هويدي يرى أن عزت عمر واحد من المثقفين الذين يشكلون حضوراً طيباً في المشهد الثقافي الإماراتي، إلى جانب هذا فعزت عمر صوت نقدي مميز وله جهود واضحة في نقد السرد الحداثي، فهو ناقد متمكن من أدواته ملم بمفاهيمه وبنظريات السرد الحديث فيما كتب وألف، فضلاً عن مشاركاته الفاعلة في الفعاليات والأنشطة الثقافية داخل الدولة لمسنا فيه شخصية طيبة دمثة الخلق ومتعاونة فهو واحد من القلائل الذين يؤثرون العمل الجماعي ويسعدون بأي نجاح يحققه زملاؤهم وأصدقاؤهم المشتغلون معهم في الحقل الثقافي وهو بعيد عن الأنانية والفردية.
إسماعيل الرفاعي



