وقائع ما يزيد على قرن وربع مرّت بها المنطقة وشهدت أحداثاً وحرائق ومعاهدات، شهدت دورة الحياة ذاتها في البناء والهدم وفي آلية التطوّر التي بدأت تتجذر وتتسع وتجد لها موقع قدم في هذه الأرض، كممر استراتيجي ومنطقة حافلة بالخيرات والهمة العالية، وقائع مرّت بها دبي منذ توقيع أول معاهدة بين إمارات الساحل وبريطانيا وحتى تصدير اليابان للؤلؤ الصناعي الذي أدى إلى تدهور الأوضاع وكساد السوق الاقتصادي، لتنهض الإمارات من جديد حين منّ الله عليها بدل القماش الأبيض بالقماش الأسود والذي أسهم في إثراء وإعمار هذه الإمارة كي تلعب دورها التاريخي وتتحول من قرية صغيرة إلى مركز جذب كبير لما حققته في سنوات قليلة.

وقائع متنوعة ومتعددة يسردها لنا المهندس رشاد بوخش ضمن أحاديثه عن جذور دبي وتاريخها القديم والحديث، ففي عام 1806 تم توقيع أول معاهدة بين إمارات الساحل وبريطانيا وتضمنت ست مواد ترمي إلى تنظيم العلاقة السياسية والحربية والبحرية وحقوق الملاحة في منطقة ساحل شبه الجزيرة العربية. وفي عام 1820 عقدت المعاهدة العامة للسلام بين شيوخ الساحل والحكومة البريطانية. - مكتوم بن بطي المؤسس: أما في عام 1833 فإن هذا التاريخ يمثل تأسيس إمارة دبي وظهورها على الساحة السياسية للمنطقة وذلك على يد الشيخ مكتوم بن بطي بن سهيل الفلاسي الذي استمر حكمه لمدة عشرين عاماً في الفترة بين 1833-1852م وجرى توقيع معاهدة الهدنة البحرية الأولى مع بريطانيا عام 1835 في جزيرة باسيدو بين شيوخ المنطقة والحكومة البريطانية تنظم العلاقات العسكرية والسياسية والملاحية ومن الأحداث البارزة في تلك الفترة انتقال العديد من السكان إلى بر ديرة بعد انتشار وباء الحمى الذي ضرب منطقة بر دبي عام 1841، وفي عام 1843 تم الاتفاق بين مشايخ الخليج والحكومة البريطانية بواسطة المقيم السياسي «كامبل» في الخليج حيث عقدت هدنة بحرية لمدة عشر سنوات.

وفي عام 1852 أصيب المغفور له الشيخ مكتوم بن بطي بن سهيل بمرض الجدري أثناء زيارة ودية لمسقط ودفن بموقع جنوب مدينة شناص في عمان بمنطقة سميت فيما بعد «ند مكتوم» وتولى الحكم من بعده أخوه الشيخ سعيد بن بطي وهو ثاني حكام آل مكتوم، وتم بعدها في عام 1853 توقيع معاهدة بين شيوخ قبائل ساحل عمان والمقيم البريطاني في الخليج تضمنت وقف جميع الأعمال العسكرية وقع عليها سلطان بن صقر شيخ القواسم وسعيد بن طحنون حاكم أبوظبي وسعيد بن بطي حاكم دبي وحميد بن راشد شيخ عجمان وعبد الله بن راشد شيخ أم القيوين. وفي عام 1859 أصيب الشيخ سعيد بن بطي بمرض الجدري أيضاً والذي أسفر عن وفاته بعد أن حكم منذ 1852، وكان الجدري قد اجتاح المنطقة كلها وتولى الحكم من بعده ابن أخيه الشيخ حشر بن مكتوم بن بطي بن سهيل الفلاسي وهو ثالث حكام آل مكتوم.

حشر بن مكتوم باني أبراج حتا: وفي عهد حشر تم بناء برجي حتا عام 1860 لحماية المنطقة من الهجوم الخارجي، وتمثل أبراج حتا العمارة الدفاعية، حيث اعتمد في بنائها على الصخور الجبلية والطين وهما برجان دائريان يقعان على جبلين مرتفعين يشرفان على القرية من الجهة الشمالية والجنوبية. أما في عام 1861 فقد تم انتقال بعض الأهالي من بر دبي إلى منطقة الشندغة لتمتعها بموقع استراتيجي متميز، وبالتالي شكلت نواة عمرانية جديدة وتوسعاً لمدينة دبي. وفي عام 1870 تم بناء برج نهار في منطقة البراحة في بر دبي وهو من أقدم الأبراج ويمثل أحد الخطوط الدفاعية المنفصلة حول المدينة ويتميز بفتحاته الصغيرة، ويعبر عن نمط العمارة الدفاعية في دبي. عام 1880 يولد الشيخ سعيد بن مكتوم وفي 1886 وفاة الشيخ حشر بن مكتوم بعد أن حكم دبي لمدة 27 عاماً حتى وفاته فآل الحكم إلى أخيه الشيخ راشد بن مكتوم بن بطي بن سهيل وهو رابع حكام آل مكتوم واستمر في الحكم لفترة 8 سنوات حتى وفاته عام 1894م.

حرائق ديرة

عام 1893 ينشب حريق كبير في ديرة أسفر عن احتراق جميع بيوتها والتهمت ألسن النار المنطقة بأكملها وكان تكرار الحرائق بسبب العمارة المكونة من سعف النخيل والقابلة للاحتراق ببساطة بالإضافة إلى لجوء بعض اللصوص إلى إضرام الحرائق ليتسنى لهم السطو على الممتلكات.

افتتاح خط البواخر مع الهند

وفي عام 1894 توفي الشيخ راشد بن مكتوم وتولى الحكم ابن أخيه الشيخ مكتوم بن حشر وهو خامس حكام آل مكتوم. وفي عام 1896 تم بناء بيت الشيخ مكتوم بن حشر في منطقة الشندغة ويعد من أهم معالم العمارة التراثية التقليدية المطلة على الخور، ويتميز بقيمته التاريخية لكونه مقراً للحكم وسكن الحاكم، حتى عام 1958م خلال فترة حكم الشيخ راشد بن سعيد .

ثم بنى مسجد الشيوخ في الشندغة وهو أول مسجد في منطقة الشندغة، ويحتوي على قاعة صغيرة للصلاة وفناء مكشوف وإيوان وكان سطح المسجد يستخدم للصلاة في فترات الصيف وخاصة لصلوات الفجر والمغرب والعشاء، كما تم تشييد حصن حتا واستخدم كمركز للقاءات العامة ومناقشة الأمور ويتميز الحصن بطابع العمارة الدفاعية حيث الشرفات والفتحات الضيقة والأبراج، وقد شيّد من الحجارة الجبلية والطين. وتم افتتاح خط البواخر بين دبي والهند في 1898 وفي عام 1899 ولد الشيخ حشر بن مكتوم بن حشر آل مكتوم، وكان الشيخ حشر قد تولى رئاسة القضاء الشرعي.

وباء الطاعون على عتبة القرن

في مطلع القرن العشرين وتحديداً في عام 1900 تم بناء مسجد المر بن حريز وهو أحد المساجد التي تميز منطقة الشندغة، وقد بناه الشيخ المر بن حريز وتبلغ مساحته 300 م2 ويتميز بمحرابه البارز وتنوع عناصره التقليدية ويحتوي على قاعة للصلاة وإيوان يطل على فناء مكشوف. وأول قانون للضرائب وضعه الشيخ بن حشر عام 1903 لفرض رسوم على الواردات، وفي العام ذاته خرج من خور دبي 335 قارب غوص، وقد كان هنالك فترتان للغوص شتائية قصيرة تسمى رديدة وصيفية هي فترة الغوص العود وتسمى «ردة».

وفي عام 1904 تم بناء مسجد العتيبات في منطقة الشندغة، تميز بمحرابه البارز وبساطة عناصره ونوافذه التقليدية المعقدة وزخارفه الجصية، كما جرى الاتفاق على الأعلام الخاصة بإمارات الخليج العربي باللونين الأبيض والأحمر في جميع أعلام إمارات الساحل في غضون عام 1905، وفي عام 1906 توفي الشيخ مكتوم بن حشر وتولى الحكم الشيخ بطي بن سهيل وهو سادس حكام آل مكتوم، ودامت فترة حكمه ست سنوات. في عام 1909 انتشر وباء الطاعون في منطقة بر دبي فأودى بحياة عدد كبير من السكان لعدم توفر اللقاحات المضادة، وقد كان عدد الضحايا كبيراً رغم عدم وجود إحصاءات دقيقة.

كما أصاب الوباء الإمارات الأخرى والخليج بأكمله، وفي العام ذاته تم افتتاح أول وكالة بريدية في منطقة بر دبي، نظراً لازدياد حركة التجارة والأعمال ولفتح آفاق التواصل مع العالم الخارجي، وكانت تدار من قبل شركة جرى ماكينزي، ثم تطورت لتصبح مكتب بريد عام 1942، ثم أصبحت الخدمات البريدية تابعة لحكومة دبي، وفي 1910 تم تشييد مسجد بن لوتاه في منطقة الرأس بديرة جوار مدرسة الأحمدية، ويتميز ببساطته التعبيرية والتشكيلية ويحتوي على قاعة للصلاة يتبعها صحن وإيوان ويعبر عن عمارة المباني الدينية والتقليدية.

راشد مؤسس دبي الحديثة

في عام 1912 توفي الشيخ بطي بن سهيل وتولى الحكم سعيد بن مكتوم، وتميزت فترة حكمه بوضع بذور النهضة الاقتصادية الشاملة للإمارة، كما ولد الشيخ راشد بن سعيد وهو الابن الأكبر للشيخ سعيد آل مكتوم وهو مؤسس دبي الحديثة الذي حكم الإمارة من عام 1958 إلى حين وفاته عام 1990. وتأسست المدرسة الأحمدية في منطقة الرأس في ديرة من قبل الشيخ أحمد بن دلموك وأتم تشييدها ابنه الشيخ محمد بن أحمد بن دلموك، ودرس فيها الشيوخ وأعيان البلاد وساهمت في نشر العلم والمعرفة في أرجاء الإمارة، وقد شيد المبنى باستخدام المواد والعناصر التقليدية، وتعد المدرسة الأحمدية أول وأقدم مدرسة نظامية على مستوى دبي وثانيها على مستوى الدولة.

في عام 1915 تم بناء بيت الشيخ جمعة بن مكتوم في منطقة الشندغة ويتميز بزخارفه وعناصره المعمارية وغرفه الكثيرة وفي عام 1916 تم بناء بيت الشيخ ثاني بن جمعة الذي يقع في الجهة الغربية لمنطقة الشندغة وهو مصمم بنفس نمط بيت الشيخ سعيد وبيت الشيخ جمعة، وخصوصية البيت تميزها الفتحات والزخارف الجصية المتنوعة والأعمال الخشبية المختلفة، ويسمى البيت حالياً باسم ابنه الشيخ عبيد بن ثاني بن جمعة.

وفي عام 1920 تم بناء مسجد الملاّ في منطقة الشندغة يتميز ببساطة مكوناته إلى جانب مئذنته الصغيرة ومدخله المرتفع عن سطح الأرض وقد بني على مساحة224 متراً مربعاً، كما بني مسجد زايد في الشندغة ويتميز بنفس الطابع التراثي لمساجد الشندغة ويتكون من قاعة الصلاة ويوان وميضأة. وتم تشييد مبنى للجمارك بجانب السوّق الكبير في منطقة بر دبي ويتميز بإطلالته المباشرة على الخور وارتباطه الوثيق من أجل شحن وتفريغ البضائع في عام 1922، كما تم تشييد المدرسة السالمية حوالي عام 1924 من قبل التاجر سالم بن مصبح بن حمودة، وكان مقرها بيت السركال في ديرة، وتعتبر من أوائل المدارس التي قامت بنشر التعليم الشرعي واللغوي بين الناشئة فكانت مكملة لدور المدرسة الأحمدية.

مع بداية 1925 كانت بداية تنظيم الأملاك العقارية في الإمارة حيث اشتملت نماذج التسجيل على كل المعلومات المتعلقة بالأرض كمالكها ورقمها والجهة وتسجيل الدائرة والتوقيعات الإدارية والإجراءات المتعلقة بها، وتأسست في العام ذاته مدرسة السعادة في ديرة وكان مقرهّا بيت راشد بن عبيد بن عوقد وافتتحها التاجران يوسف بن عبدالله السركال ومحمد عبيد البدور وكانت تدرس القرآن الكريم والخط العربي والحساب وكان عدد طلابها 112 طالباً.

وفي عام 1927 أسس التاجر محمد علي زينل في بر دبي مدرسة الفلاح كما أسس العديد من مدارس الفلاح في مكة المكرمة وبومباي وغيرهما والتي ساهمت في تعليم منهج اللغة العربية والتربية الإسلامية والحساب وعدد طلابها 350 طالباً وتم افتتاح خط بواخر منظم بين دبي وبومباي في عام 1928. ثم طرحت اليابان اللؤلؤ الصناعي في حدود 1930 وصدرته إلى الأسواق مما أدى إلى تدهور أسواق اللؤلؤ الطبيعي في منطقة الخليج وخاصة في دبي وأدى إلى الكساد الاقتصادي الذي شهدته المنطقة في تلك الفترة.

إسماعيل الرفاعي