من فرجان عجمان القديمة إلى مدرسة الأحمدي في الكويت، ومن رحلة العائلة للبحث عن لقمة العيش إلى سمكة اللون الأولى التي تركها بدر عباس في مياه المخيلة والفن، بدأ سيرته المعجونة بالبساطة والعمق والاصرار على اكتشاف امكاناته وقدراته في الرسم والتصوير الضوئي.
حتى تبلورت تجربته على أرضية حبه للتراث بمكوناته الجمالية الأصيلة وحميميته التي تشكل المعني الذي تقوم عليه الحياة ويخبّ في مدارها الإنسان وهو يتأمل بيئته بعين محبة وقلب مفتوح وروح تغب وتغب من الأرض حتى تفيض بمجموعة من الأعمال الضوئية التي التقطها عباس وعرضها في الكثير من المحافل الفنية وعن مسيرته.. سيرة الصبا والنضوج مسيرة المحاولة والاحتراف، كان لنا من هذا الحوار: ولدت في عجمان وأتحدر من أسرة مكافحة وبسيطة، وحين وعيت نفسي لم أجد أبي أمامي فاحتضنتني أمي، كانت لي الأب والأم والأخت ورغم جهلها للقراءة والكتابة، إلا أنها كانت تحثني على شيئين: الدين والتعليم.. وفي سنوات الطفولة البعيدة وفي عمر الخامسة تقريباً انتقلنا إلى الكويت بحثاً عن الرزق، وكان معظم العائلة قد انتقلوا قبلنا وعملوا في أعمال متنوعة.. وأتذكر الأيام الأولى لوصولنا الكويت حين خرجت إلى الحارة كي ألعب مع الأطفال الذين لم أكن قد تعرفت على أحدٍ منهم بعد، وكنت متحيراً عن كيفية الاندماج معهم، ولولا أن تحرش بي أحدهم واستفزني ويبدو أنه كان أقواهم، لما قبلوني بينهم بهذه البساطة وهذا الترحيب، فقد دار عراك بيني وبينه وغلبته فكانت فاتحة الدخول إلى ملاعب الطفولة هناك.
ثم يستذكر بدر عباس حادثة أخرى علقت في ذهنه، يقول: في يوم من الأيام ضربني أحد الأطفال، فعدت باكياً إلى أمي وحين سألتني عن سبب بكائي، وأخبرتها بما حدث، ما كان منها إلا أن أخرجت عصا وضربتني بدورها، وهي تقول إذا كنت تريد أن تصبح رجلاً، عليك أن تأخذ حقك بيدك، وبالفعل عدت إلى الولد وضربته حتى أبكيته وعدت وأنا ما أزال مستمراً بالبكاء، وحين أخبرتها أنني أخذت حقي منه، أجابت أنني الآن أصبحت رجلاً.. إنها من الدروس الأولى التي تلقيتها من أمي ومن القيم الأساسية التي عرفتها في احترام الذات وبناء الشخصية. وعن أيام الدراسة الأولى يقول: كنت أحب المدرسة كثيراً وأحب الطيّور أيضاً، وكنت متفوقاً وقد حصلت في الصف الأول على الترتيب الأول وفي الثاني على الترتيب الثاني والثالث الترتيب الثالث ويتابع بابتسامة.. وتابعت الترتيب على هذا التدرج في الصفوف الأخرى.
سمكة تفجر الطاقة
الميول الفنية ظهرت مبكرة عند عباس وهو يعود بذاكرته إلى الصف الثاني تحديداً وإلى ذكرى قد شكلت مساره ورسمت له الدرب الذي سيسعى فيه متعلماً وباحثاً ومجرباً ومنتجاً، ففي الصف يقول: كانوا يعطوننا ألواناً ويطلبون منا أن نضع اللون على الصفحة ثم نطويها.. وبعد ذلك نفردها وكان الشكل يأتي بمحض الصدفة ولا تدخل لنا به، فلم يكن يقنعني بألوان متعددة ومتنوعة وأنا أحاكي أحد أنواع السمك الغنية بألوانها ولم يكن من المدرس إلا أن أبدى إعجابه الشديد بها واعتبرها من أفضل الرسمات وقام بتعليقها في الصف، ويتابع: بأن هذه الحادثة قد فجرّت فيه طاقاته في الرسم في صفوف ومراحل الدراسة في مدرسة الأحمدي في الكويت، إلى أن عاد من جديد إلى الإمارات في عام 1974.
حيث صادف طلبة متميزين في الرسم ومدرسين قدموا له الرعاية الكاملة والدعم ويتذكر أسماءهم بمحبة وامتنان ومنهم حسن الأبيض ومحمد فؤاد الشاذلي وفي تلك المرحلة كان عباس يقلد أعمال الفنان البحريني المحرقي وكانت أعماله جلها تحاكي مواضيع التراث والتي أثبتت ومنذ تلك الأيام بذور المحبة العميقة لكل ما يمت بصلة لتاريخ وعمارة وحياة الناس في علاقتهم مع تراثهم وأدواتهم القديمة.
المشاركة الأولى في المسابقات الطلابية، كانت في مهرجان الشباب الرابع حيث اشترك بثلاثة أعمال زيتية ذات طابع تراثي وحصل فيها على المركز الثاني على مستوى الدولة في عام 1986 واستمر على ذلك المنوال حتى التحاقه في الكلية الحربية والتي استطاع أن يوظف فيها خبرته الفنية ويستفيد منها في الكثير من الأمور العملية.
وعن احترافه للتصوير الفوتوغرافي وعلاقته بالكاميرا يقول: عام 1993 بدأت معي قصة الكاميرا، وأول كاميرا حصلت عليها كانت من نوع يوشيكا، وكنت قد اشتريتها أصلاً كي تساعدني في التقاط المشاهد الطبيعية والتراثية لأقوم برسمها مع تحديدها بطريقة تأثيرية أو تكعيبية ضمن تأثيرات أسلوب الأستاذ (محمد فؤاد الشاذلي)، ومن جديد يعود عباس مستذكراً مراحل الدراسة، ففي تلك المرحلة كان يمر على محلات الإعلانات التي كانوا يمارسون فيها الخط والرسم وكان يتأملهم للحظات وأوقات طويلة إلى أن مرّ بأحد المحلات وكان ثمة خطاط ورسام لبناني يمارس عمله بصمت وهدوء وبحرفية عالية، فاستوقفه العمل كثيراً، وظل يحدق لفترة طويلة دون أن يتحدث أحدهما إلى الآخر.
حتى عاد عباس في اليوم الثاني، وراح يحدق من جديد بالطريقة نفسها، آنذاك دعاه الرسام إلى الدخول وطلب إليه الجلوس ثم سأله إن كان يحب الرسم، فأجابه على الفور بأنه يعشق الرسم ويتابع روايته عن تلك الحادثة قائلاً: لقد أخبرني الرسام إن كنت أود التعلم لديه، فسأخضع لاختبار لمدة أسبوع كي يعرف قدرتي على الصبر والمواصلة، وبالفعل نجحت في الاختبار ورحت أتعلم لديه أسرار المهنة وكيفية تحضير القماش والطرق الصحيحة للمزج والعديد من التقنيات الأخرى، كان اسمه محمد بردى وبقيت معه إلى أن هاجر وإليه أدين بصقل موهبتي وإمكانياتي.
ثم يتابع دعنا نعود من جديد إلى قصة الكاميرا التي تعاملت معها دون أن أعرف عنها شيئاً، وقد ساعدني فضولي وحبي لمعرفة كل شيء عن الأداة التي أتعامل معها، إلى أن أعرف ما يتعلق بالكاميرا فقد أشتري وأطالع وأوثق كل ما يقع تحت يدي ويكون له صلة بالكاميرا.. منذ تلك اللحظات بدأ عشقي للكاميرا وأصبحت هوسي الحقيقي وشغلي الشاغل وتعدت كونها وسيلة للحصول على لقطات محدودة، إلى أن تكون غاية بحد ذاتها وفناً يجب أن يوضع الاعتبار له وأن ينال موقعه الذي يستحق..
ويتابع: عليك أن تعلم بأنني صورت أكثر من 300 صورة لم يكن لها قيمة حقيقية، رغم أن تلك البداية كانت مكلفة في تلك الأيام، أيام النيجاتيف والتحميض والطباعة خصوصاً إذا كنت تريد تعلم فن الميكرو أيضا، حينها عليك أن تشتري العدسات الخاصة والأدوات الخاصة، وعن اشتراكه بالعروض والمسابقات، يتذكر المسابقة التي طرحتها دار السلام في تلك الفترة وعن محاولته للاشتراك التي أفسدها التحميض السيئ في أحد المحلات والتي قرر على إثرها أن يتعلم التحميض بنفسه فاشترى معدات كاملة للتحميض وكعادته كان يقضي الليل كله حتى مطلع الفجر يجرب ويخرب حتى أتقن هذا الجانب إتقاناً جعله يخرج لوحاته الفوتوغرافية من عتمة غرفة التحميض إلى أضواء العرض والجوائز والمشاركات إذا أخذته الكاميرا عن عالم الرسم وأدخلته في محاريبها في الفترة ذاتها التي انضم فيها إلى جمعية الإمارات للفنون التشكيلية وحصوله على الجائزة الثانية في مسابقة النادي الأهلي..
هناك وفي أروقة الجمعية قضى أوقاتا طويلة من الجدال وهو يحاول إقناع الجميع بأن فن التصوير الضوئي.. فن له كيانه وأهميته وموقعه في الفنون العالمية، وأن الرسام يستخدم الريشة واللون في إنجاز أعماله فيما يعتمد المصور على الكاميرا كأداة جامعة قادرة على نقل رؤى وتصورات الفنان الذي يحملها والعين التي تقف وراءها.
يقول: خضت عبر الكاميرا في التأثيرية التصويرية، والتجديدية التصويرية وحصلت على تقدير وتشجيع من الجميع وحصلت على العديد من جوائز الابتكار في مجال التصوير، وظل مصاحباً لي هاجس التصوير التراثي الذي لا أستطيع الانسلاخ عنه، كما لا أستطيع الانسلاخ عن بيئتي وعشي الذي كان يتكون من جريد النخل، بيوت الطين الممزوجة بالقش، فتطورت الرسالة من إطار مهارة التصوير إلى إظهار وإبراز هذا التراث، بأسلوب فني، وآخر تجربة أقوم عليها في إبراز البعد الرابع (الزمن) كتصوير أطفال يلعبون في لعبة تراثية بطريقة تشعرك بوجود حركة مستمرة وحالة دائمة من اللعب اي ان تشعر بالحركة والزمن في الوقت نفسه.
إطار يجمع الخبرات
وعن نادي التصوير يقول: نادي الامارات للتصوير ظل يراودنا لزمن طويل مع الفنان جاسم ربيع والفنان صالح الأستاذ، بأن يكون ثمة مكان يجمع الخبرات في حيز واحد وتقام فيه المعارض والأنشطة والدورات وقد تبلورت هذه الفكرة بجهودنا نحن وكوني أحد المؤسسين وبدعم من حكومة الشارقة، حصلنا على بيت عيسى المدفع، فتكونت النواة الأولية لنادي التصوير ونطمح باشهارها وتطويرها والإفادة منها.
خصوصاً وأن مستوى التصوير في الدولة مازال في مهده وبدياته رغم وجود بعض المصورين الذين حققوا مستويات جيدة إلا انهم قلة وخاصة المتخصصين في هذا المجال، لكن هناك أشياء عديدة توحي بالخير، فثمة شباب جادون ولديهم إمكانيات حقيقية ورغبة في إبراز هذا الفن بعد ان دخل كادر التصوير بقوة في كادر الفنون البصرية الحديثة.
إسماعيل الرفاعي


