حين بدأ المهندس رشاد بوخش حديثه عن دبي، كان الكلام ممزوجاً بالمعرفة والشغف للتعريف بهذه الإمارة التي يقول عنها إنها مدينة تضرب في عمق التاريخ إلى آلاف السنين، فالآثار والحفريات تدل على العمق التاريخي وتدل أن هذه المنطقة كانت أرضاً خضراء، ويؤكد ذلك وجود أسنان الفيلة وفرس النهر والحيوانات التي كانت تعيش في الغابات والتي فيها أنهر وحضارات، ويضيف أن هنالك بعض الدلائل التي تشير إلى أن الخيران كانت عبارة عن أنهر تنبع وتصب في الخليج العربي وفي البحر الأحمر.
كما أن موقع مثل ساروق الحديد والذي وجد في وسط الصحراء على بعد 45 دقيقة من دبي باتجاه العين، وهي مدينة متكاملة عبارة عن مصنع للذهب والنحاس والفخاريات غير الموجودة في منطقة أخرى، وقد تم العثور على خيوط الذهب المستخلصة قبل الصناعة وعثروا على سنارات لصيد السمك. من ناحية أخرى فإن الآثار الموجودة في دبي هي من أقدم المواقع المكتشفة.. فمنطقة القصيص من أقدم المستوطنات البشرية وأكبرها تعود إلى الألفين الثاني والأول قبل الميلاد، بدأ التنقيب فيها منذ ستينات القرن العشرين وتم اكتشاف بعض المدافن، واكتشاف ما يزيد على مئتي مدفن بأشكال وأحجام متنوعة، بعضها مستطيل والآخر بيضاوي وبعضها مسطح. وهناك موقع الصفوح التاريخي وتعود عمارة تلك المنطقة إلى الفترة الهلينستية، وهو أقدم موقع أثري في دبي يعود تاريخه للألف الثالث قبل الميلاد وعثر فيه على مدفن دائري مقسم لست غرف مبنية من الحجارة الرملية المشذبة مليئة بالهدايا الجنائزية، وحول المدفن ثلاث حفر مليئة بقايا العظام مما يدل على استخدام المدفن عدة مرات.
في حين تعد حضارة حتا من المناطق الأثرية في دبي تحتوي على مجموعة من المدافن القديمة التي ترجع إلى الألف الثالث قبل الميلاد وتم العثور على مجموعة من الرسوم القديمة على أحجار متنوعة الحجم. أما موقع جميرا فيعتبر محطة تاريخية مهمة في منطقة الخليج ويعود تاريخه إلى العصر الإسلامي تم العثور على مجموعة من المباني التاريخية التي تدل على أشكال الفن المعماري في العصور الإسلامية من أقواس وزخارف بالإضافة إلى مقتنيات فخارية وزخارف جصية وعملات معدنية. - وصف مدينة دبي: يعود بوخش إلى بعض الوثائق التاريخية القديمة ويقلب في صفحاتها التي انتقشت عليها حروف دبي ويقول: إن أول خارطة لدبي كانت من تخطيط آر. كوغن وهي رسم للإمارات تم تخطيطه بدوافع عسكرية وأمنية حيث تم مسح أعماق الخور والبحر وسور دبي القديم الذي يبلغ ارتفاعه 5 .2م ورسم حصن الفهيدي ووصف المدينة.. وأول تقرير مفصل عن مدينة دبي كان في عام 1822 كتبه الملازم جي. إن. جاي من البحرية البريطانية قال فيه: «مدينة دبي تلي الشارقة مباشرة وتبعد عنها باتجاه الجنوب الشرقي بحوالي 7 أميال وهي تقع على الجهة الجنوبية لمدخل خور صغير بعمق 10 - 72 قدماً قرب المدينة، يصل عند مدخل الخور إلى عمق قدمين فقط وقت الجزر، هناك ضفاف صغيرة متعددة على الشاطئ وشعب صخري طويل..
تتكون المدينة من تجمع سكني بسيط مبنى من الحجارة والطين ومحاط بسور قصير من الطين فيه عدة شروخ وعليه ثلاثة أبراج دائرية للدفاع وفيها حصن مريع له برج في إحدى الزوايا بحالة سيئة عليه 3 أو 4 مدافع قديمة ومصدأة. البرج الغربي يقف على أرض عالية مطلة على الخور وعليه أيضاً 3 - 4 مدافع أحسن حالاً من الأولى. يتراوح عدد السكان ما بين ألف وألف ومئتي نسمة وهم من قبيلة بني ياس ويحكم المنطقة الشيخ سعيد، وله قوة يصل تعدادها إلى 150 جندياً من الزنوج ويتولون حراسة المدينة. يعتمد السكان على صيد السمك وجمع زعانف أسماك القرش وبشكل خاص على استخراج اللؤلؤ حيث تخرج حوالي 90 سفينة في موسم الغوص وتقدر العوائد السنوية لبيع اللؤلؤ من 20 - 30 ألف دولار. هناك بستانان أو ثلاثة بساتين للنخيل وفيها المصدر الوحيد للمياه العذبة وذلك خلف المدينة وبخلاف ذلك تعتبر المناطق الأخرى قاحلة....».
دبي 1864 (الوثائق البريطانية)
دبي مدينة كبيرة ومستقلة تحت رئيسها وتضم ضواحي ديرة ما بين 5000 - 0006 نسمة من السكان، والقبيلة من أبو فلاسة التي تعتبر فرعاً من بني ياس المدينة تقع قليلاً خلف الشاطئ، وهنالك مجموعة من مزارع النخيل خلفها، والتي تمتد لحوالي ميل إلى الجهة الجنوبية ولا يوجد شيء في شمالها. تعتبر دبي آخر مدينة على الساحل حيث لا يوجد بعدها شجرة نخيل أو بيت إلى أبوظبي، ويمكن رؤية جبل علي من موقع الرسو، أعلى مبنى في المدينة وهو بيت الشيخ، وهو عبارة عن حصن مربع مرتفع ويوجد برج دائري ومرتفع في الزاوية الجنوبية الغربية (حصن الفهيدي) والذي عليه العلم. هناك 8 - 9 أبراج أصغر حجماً في المدينة وضواحيها.
مكان رسو السفن على أرض رملية ضحلة في الجهة الجنوبية للخور بجانب البرخ ذات صاري العلم، عمق الماء يصل إلى 5 قامات عند مسافة نصف ميل من الشاطئ والسفينة يجب ألا ترسو أقرب من هذه النقطة. المدخل الرملي الضحل يقع على بعد نصف ميل في الاتجاه الشمالي الغربي من المدينة ويبرز قليلاً عن خط الساحل. مدخل الخور في بعض المواقع عمقه قدمان فقط وقت الجزر، مع قاع صخري ومسدود في أغلبيته بالأحجار المرجانية على الجهة الشمالية لمدخل الخور، ومقابل المدينة تقع ضاحية كبيرة مكونة من بيوت العريش وتسمى ديرة بالإضافة إلى بعض الأبراج في جهتها الشمالية دبي ترسل سنوياً 150 قارباً للغوص على اللؤلؤ وتستخدم هذه السفن في مناطق أخرى في فصل الشتاء لصيد السمك.
دبي 1908
جرى وصف دبي عام 1908في كتاب ل ج. ج لوريمر من خلال زياراته للمنطقة ويقع الكتاب في أربعة عشر مجلداً حيث يشمل وصفاً دقيقاً لكل مدن وقرى الخليج في تلك المرحلة:
«مشيخة دبي.. مشيخة عربية مستقلة على ساحل عمان المتصالح تقع بين مشيخة الشارقة من الشمال ومشيخة أبوظبي من الجنوب، ويقع جبل عال في أراضي دبي وهو الجبل الوحيد على هذا الساحل، وارتفاعه 220 قدماً وسطح قمته مستو ويعد 19 ميلاً إلى الجنوب الغربي في مدينة دبي على بعد 4 أميال إلى الداخل، ويفصلها عن البحر شريط من الصحراء المنخفضة وغالباً ما يسمى جبيل.
ولا يوجد في مشيخة دبي أماكن مأهولة بعد مدينة دبي وقرية حجرين سوى قرية جميرا التي تبعد عن الساحل 3 أميال إلى الجنوب الغربي من دبي، وهي تتألف من 15 كوخاً مبنية من سعف النخيل ويقطنها بنو ياس والمناصير وقبائل مختلفة يمتهنون جميعاً صيد السمك، وهم يملكون فيما بينهم 5 جمال و60 حماراً و45 رأساً من الماشية و200 رأساً من الماعز ولا يوجد بدو تابعون لشيخ دبي، لذا فإن رعاياه هم سكان مدينة دبي والجميرا وحجرين والتجارة والشحن مقصورة على أهالي مدينة دبي ولدى الشيخ حوالي 100 مسلح يحملون البنادق بالإضافة إلى 1500 من أتباعه العاديين الذين يقال انهم مسلحون أيضاً بالبنادق، ولا توجد جمارك في دبي ويقال إن عائدات الإمارة تبلغ 400 .51 دولار سنوياً معظمها يجيء من مصائد اللؤلؤ. ..
تقع دبي على جانبي خور ضحل مدخله صعب ويمتد بضعة أميال من المدينة في اتجاه جنوبي شرقي ويوجد رصيف بحري للمراكب الصغيرة التي تستطيع العبور إلى الداخل، وتتألف المدينة من ثلاثة أحياء أهمها ديرة الذي يقع على لسان أرضي ارتفاعه 20 قدماً على الطرف الشرقي للخور بينه وبين البحر وبها مزرعة للنخيل تقع خلفها على امتداد ميل واحد، وفي ديرة 1600 منزل يقيم بها العرب والإيرانيون والبلوشيون وآخرون ويضم السوق 350 حانوتاً وهنالك حي الشندغة وحي دبي الرئيسي ويقعان على الجهة الجنوبية الغربية من الخور ولكن الشندغة أقرب إلى البحر وبها مقر إقامة شيخ إمارة دبي وفيها 250 منزلاً جميع قاطنيها من العرب ولا يسمح للهنود بالإقامة هنا.
وتحتوي مدينة دبي على حوالي 200 منزل و50 حانوتاً والمسجد الرئيسي وبعض الخرائب التي يقال انها بقايا قلعة برتغالية، ويقيم معظم الهنود في هذا الحي، وتعمل قوارب للنقل بين ديرة ودبي ويعبر أهالي ديرة مجاناً يوم الجمعة لأداء الصلاة في المسجد الكبير. ومياه دبي صالحة للشرب وعمق آبارها بين 5 - 03 قدماً. وكان يحيط بالمدينة سور ولكن لم يبق منه الآن سوى آثار. وعلى الجهة المقابلة للبر عدد من الأبراج للدفاع عن المدينة.
يبلغ عدد سكان دبي 000 .10 نسمة وربما أكثر منهم من آل بوفلاسة ومن قبيلة بني ياس ولهم 440 منزلاً وآل بوماهر ولهم 400 منزل وقبائل مختلفة معظمها من العرب وخصوصاً من المزاريع وبعض الناس من البحرين والكويت ولهم 400 منزل ومن قبيلة السودان ولهم 250 منزلاً والبلوشيون ولهم 200 منزل والاحسائيون ولهم 50 منزلاً وقبيلة مرار ولهم 30 منزلاً والشواهين ولهم 10 منازل.
وكلهم تقريباً سنيون من اتباع المذهب المالكي ويقيم أيضاً 67 هندوسياً ولهم 23 من الخوجات، وهم رعايا بريطانيون ويزور هذا المكان 20 هندوسياً آخر في مواسم صيد اللؤلؤ. وفي دبي 4000 شجرة نخيل ولكن محصولها ضئيل والزراعة الأخرى هي قليل من البرسيم وفي دبي 1650 جملاً و45 حصاناً و380 حماراً و340 رأساً من الماشية و960 رأساً من الماعز يبلغ عدد قوارب صيد اللؤلؤ 335 بالإضافة إلى 50 مركباً لصيد السمك و20 مركباً بحرياً للسفر من السمبوكة والبدن ويبنى سنوياً بين 10 و12 مركباً.
تجارة دبي رائجة وهي تتسع بسرعة كبيرة وذلك بفضل السياسة المستنيرة إلى اتباعها شيخها السابق مكتوم بن حشر، ونتيجة القيود الجمركية الشديدة التي تطبقها إدارة الجمارك الايرانية الامبراطورية مما هيأ لدبي الفرصة لتحل مكان لنجة كمستودع للتجارة الأجنبية في ساحل عمان المتصالح، وتتردد على دبي، البواخر التابعة لشركات الملاحة في الهند وبومباي وإيران وتزورها السفن البريطانية مرة كل أسبوعين، أما سفن الشركات الأخرى فتفد إليها حسب الفرصة المتاحة.
والصادرات المحلية هي اللؤلؤ والأصداف والسمك المجفف. أما الواردات فهي التمور من البصرة ووميناب والباطنة وكذلك الأرز والقمح والسلع والبهارات والمعادن وحبل الليف والأخشاب من الهند وفي المدينة حوالي 400 دكان و200 مخزن ويرسل جزء من الواردات إلى الداخل وخصوصاً إلى واحة البريمي وهنالك 23 هندوسياً و7 من الخوجة وهم يتمتعون بالحماية البريطانية.
إسماعيل الرفاعي



