بين رائحة الطين الممزوجة بالقش، والبيوت المشيدة من حجارة البحر وخشب التيك، بين النقوش المحفورة على الأبواب الموصدة على المودة، والمشرعة على العالم، وبين الأزقة الضيقة والنفوس الكبيرة كانت ثمة حاضرة مشرعة على الاحتمال تضم أبناءها بين ترابها ومائها، لتستيقظ ذات صباح على حلم كبير.. ولتفرد معابرها ومنابرها لمن أرادوا أن يساهموا بإعمارها ويتنعموا بثمارها.
ورشاد محمد بوخش أحد الذين ولدوا في دبي وولد معهم حبها، التقته (مرايا البيان) في منزله المشيد على طريقة العمارة المحلية القديمة، وقد صممه بنفسه وزينه بالأدوات القديمة والزخارف المجدولة بشغف المعرفة والدقة المتناهية. ولد في دبي في 26 فبراير 1961 في الساعة الخامسة صباحاً يوم الجمعة المبارك في مستشفى المكتوم.. هكذا ابتدأ بوخش حديثه عن سيرته المحملة بسيرة المكان، يقول: دخلت الابتدائي في مدرسة الشعب وأنا في سن الرابعة مع أخوي (شريف وفؤاد) وكنا (33) طالباً في الصف، وكانت المدرسة تقع في الشندغة (الغبيبة)، وانتقلت مدرسة الشعب إلى مدرسة جمال عبدالناصر في السطوة، مع بدايات الاتحاد وكان معي في المدرسة العديد من الوجوه التي باتت معروفة من أمثال: مطر الطاير مدير عام هيئة الطرق والمواصلات، منصور عقيل العور، خالد قاسم نائب مدير الدائرة الاقتصادية، جلال عارف، إقبال اليوسف، حسن الريس. ويضيف كان من الجيل الذي سبقنا في المدرسة الشيخ أحمد بن سعيد. حصل على الثانوية العامة من مدرسة المعري في الكرامة ثم غادر بعدها إلى أميركا لمتابعة الدراسة.
التفتح على الأحياء القديمة: وعن سيرة الطفولة يقول: في بيت قديم بناه جدي في منطقة البستكية عام 1920 وهو بيت كبير تصل غرفه إلى 25 غرفة، ومنذ الصغر عشقت الأحياء القديمة والسكيك حين كنا نلعب (التيلة) العصابة، والكرة وخصوصاً كرة القدم حيث أسست فرقاً كثيرة مثل الشعلة، الاتحاد، الحرية، وكان حسن القيادة بداخلي منذ تلك الأيام، ثم يستطرد، كنا نذهب إلى السوق القديم ونصطاد في الخور ونذهب إلى الجميرا ونأكل البطيخ البارد إنها أيام جميلة، وبها عشت كل الأجواء القديمة بعذوبتها وحلاوتها.. وفي أيام الصيف غير وقت الدراسة كنا نذهب إلى المطوع (الشيخ عبدالرحمن الجناحي) وكان قد درس الشيخ مكتوم والشيخة مريم والشيخ حمدان، وهناك درست الخط العربي والقرآن الكريم، وفي تلك الأيام حين كان أحدنا يختم القرآن كان يكافأ بالحلاوة، والحياة كانت بسيطة وحميمة أيام رمضان بطقوسه الجميلة ووجبات الهريس والموائد العامرة بالمحبة.
ويتذكر تلفزيون الأبيض والأسود، وأفلام الكرتون وعروض كاسبر وهرقل وبرنامج (ماما مديحة) ومجالس الحارة، حيث كانوا يتكلمون في الحياة وتصاريفها وأمثالها ويتداولون أخبارها.. وتمر على باله رحلاته الصيفية إلى مزارع جدية في كلباء والبريمي في عمان. من تلك الأيام من تلك اللحظات الفريدة التي يعيشها الإنسان تختزن الذاكرة اللون والطعم والرائحة، وتبقى ماثلة في الأوردة حتى آخر العمر، من هناك تتشكل هوية الإنسان وأمزجته وميوله وتبقى تدفعه في معابر الحياة وهو يتلمس ظلالها القديمة. - الخفافيش والمنزل المهجور: ومرة أخرى يعود بوخش إلى حكايات الطفولة وكيف أنه وصحبته دهموا أحد البيوت المهجورة وأغاروا على طيور الخفاش الذين عششوا فيه، يقول: كنا ثمانية وكان هنالك بيت قديم يدعى بيت فاروق وهو لأحد تجار فناجين الشاي آنذاك وحين دلفنا إلى غرفه الداخلية كان غاصاً بالخفافيش فبدأ باصطيادهم وقد بدأنا منذ الثامنة صباحاً ولم نتوقف حتى قتلنا حوالي 480 خفاشاً، ومن حكاية الخفافيش إلى ألعاب التنس طاولة، التي بدأوها بوضع منشفة على إحدى الطاولات كخط وسط واستخدام الكتب كمضارب، حتى اشتروا خشباً وصنعوا منه طاولة نظامية للعب التنس وابتدأت منذ ذلك الوقت دوريات اللعب، وأصبح شقيقه فؤاد من أفضل لاعبي التنس في المنطقة كلها.
ثم يتحسر بوخش على بيتهم القديم الذي هدم بحدود عام 1984، إلا أن ما يغريه أن البيت قد تم حفظ مخططاته ومسحه كاملاً، وذلك في عام 1974 على يد المهندس (بيتر جاكسون)، والذي يعمل حالياً مستشاراً لصاحب السمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة.
تلك الحادثة هي التي زرعت في قلب بوخش حب الهندسة المعمارية ووجهته بهذا الاتجاه، حيث عمل مساعداً لجاكسون في عملية المسح تلك، وتعلّق بها ومنذ 1974 لم ير جاكسون مرة أخرى، ومضت الأيام ودرس الهندسة المعمارية وشاءت الصدف أن يلتقيه من جديد في عام 2002 في حفل تخرج للطلبة المعماريين في كلية الشارقة، حيث كان بيتر جاكسون مشاركاً في ذلك الحفل فاقترب منه وعرّفه بنفسه وكان الشاب الصغير قد أصبح معمارياً وكان لقاءً حميماً ولحظات خاصة وضعتها على دروب صداقة دائمة، وكان بوخش قد حصل على بكالوريوس عمارة من جامعة سيراكيوس في ولاية نيويورك عام 1986 وماجستير في العمارة تخصص ترميم المباني التاريخية من جامعة مانشستر في المملكة المتحدة.
مرايا الحياة وميادين العمل
الدخول في الحياة العملية كان قد ابتدأ في الشهر الثالث من عام 1987 حيث عين في بلدية دبي بعد نصيحة عبدالناصر الخياط، وقد بدأ في قسم التخطيط وكان المهندس عبدالله الغيث رئيساً للقسم وأول مشروع لبوخش كان اضافة غرفتين لجمعية النهضة النسائية في ديرة، ثم عمل مع شركة أميركية متخصصة في الدفاع المدني عدة شهور ساهمت بتعميق توجهاته ومكنته من الاطلاع على كامل تفاصيل دبي، وبدأ زيارة الإمارة بصحرائها وحواضرها وجميع مناطقها حتى انحفرت في ذاكرته،
وانطلق في تخطيط مواقع واحتياجات الدفاع المدني، تخطيط مواقع واحتياجات المساجد في دبي، ثم أشرف على مشاريع التراث مثل حصن الفهيدي، والمدرسة الأحمدية، قرية حتا، والتأثيث الداخلي لبيت الشيخ سعيد آل مكتوم، وترميم بيت الوكيل وترميم السوق الكبير في بر دبي وبر ديرة ومباني منطقة البستكية ومسجد بن دلموك والمر بن حريز، ومسجد بن زايد، وبيت بن جمعان، كما صمم ونفذ قريتي الغوص والتراث بمنطقة الشندغة واحياء واجهات خور دبي، وتصميم المقهى الشعبي في حديقة الممزر ومنطقة الأفلاج في حديقة الخور والعديد من المشاريع المحيولة بالهمة العالية ودقة بوخش المعهودة وحرصه على اتمامها على الوجه الأكمل.
إلى جانب ذلك كان شغفه بالتحصيل المعرفي والقراءة لا ينقطع فها هو يقرأ ويطالع في مختلف مجالات الحياة وها هو يجلب معه من رحلاته واسفاره ومن المكتبات العامة والمعارض السنوية للكتاب، مجموعات كبيرة من الكتب وصلت إلى ما يقارب خمسة آلاف كتاب، إلى جانب ولعه بتخزين مكاتب كاملة ومجلدات تضم تاريخ العالم كله على حاسوبه الالكتروني الذي لا يفارقه، وهو يعود إليه في حله وترحاله.
من هنا ازداد عدد المحاضرات والمؤتمرات التي أقامها والتي قدم من خلالها العديد من الأفكار والتصورات المتعلقة بتطوير والحفاظ على التراث العمراني داخل الدولة وخارجها، كما تعمقت المعرفة بالتجربة العملية واكتساب الأساليب اللازمة للحفاظ على المباني ومعرفة الطرق السليمة المعتمدة في الترميم والبناء والتصميم.
أجندة الرؤية والجوائز
لا يوجد فصل بين الشخصي والعام في حياة بوخش، ذلك ان مشروعه الخاص تكامل على استراتيجية كان قد تخيرها ورسم بنودها بدقة ووضوح استراتيجية تتضمن رؤيته للحياة وتنتظم حول محاورها كافة الأمور التي يريد تحقيقها والتي تمتد على حد قوله حتى عام 2061 متضمنة مسيرة قرن كامل منذ ولادته عام 1961، ان أمد الله بعمره حتى ذلك الوقت.. تلك الاستراتيجية تتضمن أربعة محاور أساسية الأول هو تأسيس المسلم الصالح والتي تتطلب منه المسلك الديني الصحيح والعبادة الصالحة والسعي وراء اكتساب العلم الديني،
والثانية تشمل الحياة الاجتماعية بما فيها العلاقة مع الوالدين ورعايتهما وطاعتهما إلى جانب العلاقة مع الأسرة بكافة احتياجاتها ومتطلباتها، في حين يتعلق المحور الثالث بالحفاظ على التراث العمراني لدولة الإمارات، بينما يدور المحور الرابع في مجال الهندسة المعمارية الحديثة التي تجمع بين الحداثة والتراث، فمجال العمارة يجب ان يعبر عن الهوية المحلية بالدرجة الأولى وان ينشد الروح الابتكارية والرهافة في التصميم جانب آخر من اهتمامات بوخش يوليها إلى نقل هذه المعرفة العلمية التي تحصل عليها بالجهد والمكابدة، عن طريق التدريس في الجامعات فقد درس مساق التراث العمراني في جامعة عجمان ودرس التراث العمراني في الجامعة الأميركية في دبي، وهو يسعى أيضاً لنيل الدكتوراه من الجامعة الأميركية في دبي، ولديه كل سبت برنامج عن العمارة التراثية في «سما دبي».
طاقة كبيرة وقدرة على المواصلة والعناية بكافة التفاصيل ضمن مشروع رؤية عامة ونهج علمي دقيق، حياة مليئة بالانجازات وعامرة بحب دبي بتاريخها وحاضرها وبرغبة في المساهمة بصياغة مستقبلها، طموحات كبيرة وهمم كبيرة ونجاحات كثيرة استطاع بوخش ان يحققها وان يحوز من خلالها على العديد من الجوائز كجائزة منظمة المدن العربية على مشروع واجهات خور دبي وجائزة منظمة العواصم والمدن الإسلامية في مجال الحفاظ على التراث العمراني وجائزة الملك عبدالله الثاني للعمارة، وجائزة منظمة المدن العربية للتخضير.. اذن سيرة تجمع المكان والزمان في شخصية مهمومة بالعطاء والبحث عن المزيد والمزيد من الأفكار التي تساهم في ازدهار دبي.
إسماعيل الرفاعي



