على خلفية ميوله الإبداعية والثقافية تنعكس تفاصيل رحلاته السياحية التي غالباً ما تكون محسوبة قبل الشروع فيها. كثيراً ما سافر مع العائلة وهو طفل صغير، وانطبعت في ذاكرته بعض التفاصيل لمدن جميلة ومرافق سياحية تردد عليها مراراً، خصوصاً العاصمة البريطانية لندن التي كانت تمثل الوجهة السنوية لسفرات الأسرة في فصل الصيف،
لكن دراسته الأكاديمية بعد ذلك جعلته أكثر التصاقاً بالمناظر الطبيعية وفلسفة التقاط الصور من زوايا مختلفة فقد درس الإخراج التلفزيوني في كليات التقنية العليا، وعمل مخرجاً تلفزيونياً عامين في تلفزيون دبي، كما أحب التصوير الفوتوغرافي وأصبحت الكاميرا رفيقاً ملازماً له في كل جولاته، فراح يسجل رحلاته في صور يلتقطها بنفسه للأماكن التي تداعب حسه الإبداعي لياسر القرقاوي، منسق الفنون المسرحية والسينمائية والموسيقية بمجلس دبي الثقافي، فلسفته الخاصة للسياحة وقد استفاد الكثير من رحلاته، سواء على المستوى الثقافي أو السياسي. يقول: منذ صغري تعودت على ركوب الطائرة مع الأسرة حيث كان السفر في إجازة الصيف امراً اعتيادياً وشملت سفراتنا معظم الدول الأوروبية مثل هولندا وألمانيا وبولندا، لكن تظل بريطانيا هي الدولة التي سافرت إليها كثيراً مع العائلة، ومع أنني كنت صغيراً إلا أن بعض التفاصيل ما زالت عالقة في ذهني حتى الآن، خصوصاً زيارتنا لمتحف الشمع والأماكن المعروفة في العاصمة لندن، أيضاً كانت رحلات السفاري تمثل حيزاً مهماً في كل رحلة تقوم بها إلى بريطانيا، وربما ساعدني سفري إلى بريطانيا في أيام الدراسة حيث فضلت أن أدرس في جامعة كامبردج، وسافرت لأول مرة في حياتي بمفردي.
العيش مع اليهود: وعن تجربته في بريطانيا يقول ياسر: سكنت مع عائلة إنجليزية حتى أكتسب اللغة بشكل صحيح، وهي عائلة مكونة من زوج زوجته، أما الأولاد كانوا يعيشون مستقلين بأنفسهم، وهذه أول معلومة اكتسبها عن حياة البريطانيين. فهم أناس منظمون كل شيء عندهم بحساب ولا يتركون أمراً للصدفة، وعندهم الأمانة والصدق من النفس ومع الآخرين، فقد كانت هذه العائلة تحترم مشاعري كمسلم وتبعدني عن المأكولات التي لا نأكلها مثل لحم الخنزير، وقد سألني الرجل وهو يعرف أن بعض الشباب العرب يسهرون كثيراً ما إذا كنت من هؤلاء فيعطيني مفتاح البيت، لكنني أفهمته أنني لا أحب السهر، فمواعيد العودة إلى البيت عنده محسوبة، ومشاهدة التلفاز من الساعة الخامسة إلى السابعة، والحق أنني تعلمت من هذا الرجل الكثير من الأمور التنظيمية في البيت.
أما الجامعة فقد اطلعت فيها على أشياء بعضها أصابني بالصدمة، كنا مجموعة من الطلبة تضم 45 طالباً ليس بينهم سوى اثنين من العرب، أنا وصديقي أحمد من الكويت، أما البقية فمعظمهم جاؤوا من تل أبيب، وقد عانينا في البداية من معاملتهم الفظة ونظرتهم المريبة لنا، خصوصاً وأن اسمي ياسر، وهذا يذكرهم باسم الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وهنا لا بد أن اعترف بأنني لم أكن مهتماً قبل ذلك بالأمور السياسية، ومعلوماتي فيها ضعيفة للغاية، أما هم فقد كانوا يعرفون تماماً كيف يتحدثون ويدافعون عن وجهة نظرهم، وأول شيء أصابني بالدهشة أنهم يتحدثون اللغة العربية الفصحى، وعرفت بعد ذلك أنهم يدرسونها في المدارس وضمن المنهاج المدرسي، أما معاملتهم لنا فقد أصابتني بالصدمة أيضاً، ففي أول يوم ذهبت فيه إلى الجامعة أوصلني صاحب البيت ثم شرح لي طريق العودة، لكنني نسيت، ومكثت في الجامعة إلى أن جاءت رئيسة المجموعة وتفاهمت معي، فقد كانت تتقن العربية بشكل تام، ورافقتني في طريق العودة إلى أن أوصلتني إلى البيت،
المفاجأة كانت في كونها يهودية ساعدتني وهي تعرف أنني عربي، وأنا هنا لأسجل انباهراً بمعاملتهم الجيدة لي، ولكن أسجل الفارق بيننا وبينهم في التعاطي مع الأمور السياسية وفصلها عن الأمور الدراسية والاجتماعية، وهذا أول درس تعلمته من سفري إلى بريطانيا، وعند عودتي بدأت أقرأ في التاريخ وأحداثه، وفي السياسة ودهاليزها، فقد كنت أدخل معهم في نقاشات طويلة حول القضية الفلسطينية،
ودائماً ما كانت تصل هذه الحوارات إلى طريق مسدود، لكني خرجت منها بأن هؤلاء الناس لديهم قدرة على إقناع الآخرين بوجهة نظرهم حتى ولو كانت خطأ، وعلى من يدخل معهم في حوار أن يكون مسلحاً بالمعلومات التاريخية والحديثة، وهذا ما جعلني أقرأ كثيراً في التاريخ بعد ذلك، وبعد أن سألت نفسي سؤالاً مفاده أين أنا من السياسة والتاريخ السياسي.
أما الحياة اليومية عند العائلة الإنجليزية فيصفها ياسر بقوله: عندما أتحدث عن الإنسان الإنجليزي فأنا أعني أهل البلد الأصليين، أو غير المجنسين، وهؤلاء تراهم منضبطين في كل شيء، ويقدسون القراءة ويمارسونها في كل مكان، في محطات الانتظار وفي وسائل المواصلات وفي بيوتهم، أما يوم السبت فهو مخصص للتسوق، ويشترون لوازم الأسبوع فقط، ويوم الأحد مخصص للذهاب إلى المكتبة العامة.
أما ما شد انتباهي فهي بيوتهم التي تبنى بشكل واحد، وأيضاً بلون واحد بأمر رؤساء البلديات، فلكل منطقة أو مدينة ألوانها وطرازها المعماري الذي يميزها عن بيوت المدينة الأخرى، وتشتهر لندن بمبانيها التاريخية العتيقة، وشوارعها النظيفة وخدماتها السياحية، وقل أن ترى متسولاً في شوارعها، لكن هناك العاطلين عن العمل والذين ينامون في الشوارع، يقتاتون من أعمال بسيطة يقومون بها،
فلا عجب أن ترى أحدهم وقد جلس يرسم بالطباشير على الرصيف، ويضع منديلاً إلى جانبه، فإن أعجبتك رسومه تضع له النقود على المنديل، وآخر لبس ملابس الرجل الآلي وصبغ جسده باللون الرمادي، ثم يقف دون حراك بالمرة، وإذا وضعت له عملة معدنية يقوم بحركات تشبه تماماً حركات الرجل الآلي، يأخذ العملة ثم يقف دون حراك، فهذا الرجل يتسول ولكن بطريقة ليس فيها توسل أو تقليل من إنسانيته، فهو يريد أن يقول لك إن العصر أصبح للآلة التي لا تعمل إلا بالنقود، أو إننا في عصر الآلة والمادة.
ويضيف ياسر: لندن مدينة متعددة الثقافات، فأنت تذهب إلى أحد شوارعها فترى العرب متجمعين فيه، المقاهي والمطاعم عليها يافطات مكتوبة باللغة العربية، كذلك تشعر وكأنك في شارع من شوارع أية مدينة عربية، وقد تذهب إلى شارع آخر فتجد الصينيين ومحلاتهم وكافتيرياتهم وكأنك في شارع من شوارع بكين، لكن تظل لندن مدينة مزدحمة مرورياً، وكل شيء يسير حسب المواعيد، فلا القطار يتأخر، ولا الحافلات، وهذا مدهش بحد ذاته أما الأسعار فهي مرتفعة جداً في لندن.
صليب في مسجد
بالتأكيد قرأت عن مصر وتابعت الأعمال السينمائية والتلفزيونية، ورسمت في مخيلتي صورة للقاهرة بأناسها وأحيائها وآثارها، وكنت أتوق إلى مشاهدة ذلك على الواقع، وجاءت زيارتي للقاهرة بعد تفكير ولأهداف محددة، فقد قرأت كثيراً للدكتور زكي نجيب محمود، وكل كتاب أقرأه أجد على صفحته الأخيرة إصدارات أخرى للدكتور، وكنت أبحث عن هذه الإصارات فلا أجدها، فقررت أن أذهب إلى مصر وأحصل على المجموعة الكاملة لإصداراته، أيضاً كنت أريد زيارة مدينة الإنتاج الإعلامي بحكم عملي في مجال التصوير والإخراج، أيضاً إنتاج الأفلام القصيرة،
وأخيراً زيارة الأماكن السياحية مثل الأهرام وأبوالهول والمتحف الحربي والقلعة، وأول شيء فعلته عندما نزلت إلى القاهرة هو زيارتي لمدينة الإنتاج، وهناك تعرفت على إنسان جميل اسمه أحمد يعمل مديراً للإنتاج، وهو شخصية فريدة من نوعها لم يتركني ساعة، وقام معي بجولة بين استديوهات المدينة وراح يعرفني بالعاملين هناك، وأذكر أن الفنان حسن يوسف كان يصور مسلسل الشيخ الشعراوي، وتوقف التصوير ورحت أتحدث معه ومع العاملين في المسلسل عن الأمور الإنتاجية والتصوير والإخراج، وقد استفدت كثيراً من هذه الزيارة في مجال عملي،
بعدها تجولت في شوارع القاهرة في سيارة صديقي الذي تكفل بالذهاب معي إلى كل الأماكن، فزرت المتحف الحربي، وبهرتني القلعة بمبانيها التاريخية ومعرض الصور الذي تضمه فهناك لوحات ذات تقنية عالية في الرسم، ولأنني أهتم بالتفاصيل الصغيرة فقد راعني أن أجد الصليب على أعمدة مسجد محمد علي، وقد التقطت له صوراً عديدة، هذا الصليب فجر في ذهني أسئلة لا أجد لها أجوبة حتى الآن، صحيح أن الصليب هو ضمن الزخرفة المعمارية، لكن هل انتبه إليه أحد أم لا؟
لم تكن الأهرامات بالصورة التي تعودت أن أراها عليها، ولم أجد في دهاليز الأهرامات رسومات ولا كتابات فرعونية كما توقعت، لكن سؤالاً واحداً ظل مسيطراً عليّ حتى الآن، فإذا كان القدماء بهذه العقلية الفذة والتطور الكبير في هندسة البناء وعلوم التحنيط، لماذا لم يستمر هذا التقدم إلى أيامنا هذه؟ليل القاهرة ساحر بالفعل، تابعت أكثر من مسرحية، ورأيت في إحدى قاعات العرض مشهداً لن أنساه، فقد كان هناك احتفال بالزفاف، وفي المقدمة يجلس العروسان، خلفهما المعازيم يتابعون العرض المسرحي، وفي نهاية العرض صعد العروسان لالتقاط الصور مع الفنانين.
وزرت معظم المكتبات. والمعارض التشكيلية والندوات الثقافية التي زادت يقيني بأن الشعب المصري مثقف ولديه وعي كبير، عكس ما يقوله البعض. وجهتي إلى فرنسا لم تكن بقرار مني، وإنما كانت ضمن وفد من مجلس دبي الثقافي لعرض مسرحية (ما كان لأحمد بنت سليمان) في مدينة أفنيون، وهي مدينة تهتم بالفن المسرحي والفلكلور الشعبي، وهذه المدينة مشهورة بمسارحها الكثيرة، بل ان بيوتها مصممة على أن يكون الطابق الأرضي مسرحاً، والطابق العلوي مسكناً، وقد عدت بانطباع جيد عن الفرنسيين وهم معروفون بثقافتهم وكياستهم وتعاملهم مع الآخرين، فهم يحرصون على التفاهم معك ولو عن طريق الإشارة، إذا لم تكن تعرف اللغة الفرنسية.
وزرت قطر لمتابعة مهرجان الجزيرة للأفلام المستقلة، وأثناء هذه الزيارة تعرفت على مجموعة من السينمائيين العرب الجادين، وأجواء الدوحة شبيهة بأية أجواء لمدينة خليجية، وإن كانت زيارتي لها في بدايات التنمية، وقد زرت أسواقها الشعبية، الشيء نفسه شاهدته في الكويت، إلا أن أسواق الكويت الشعبية، وخصوصاً سوق المباركية، تعتمد على المشغولات الشعبية المحلية، والعطور عندهم رخيصة للغاية، وزرت النادي العلمي الكويتي وهو نادٍ يحتوي على قاعة عرض سينمائية ثلاثية الأبعاد، وفيه أيضاً توجد الأحياء المائية التي تعيش في مياه الخليج، ويمكن للزائر أن يراها عن قرب، ولفت انتباهي أن الكويتيين مهتمون بدرجة كبيرة بتحويل الأبنية التي تضررت من الغزو العراقي إلى مزار سياحي، ومع هذا فإن الكويت ما زال ينقصها الكثير من الخدمات السياحية، على الأقل مقارنة بما هو موجود في الإمارات.
وفي النهاية فتشت في حقيبة ياسر القرقاوي وسألته عن أهم الأشياء التي يحرص على أخذها معه فيقول: الكاميرا أولاً، فأنا لا أستطيع الخروج من دونها، ثم جهاز الكمبيوتر «لاب توب» أما الملابس فهي على حسب البلد الذي سأزوره، وأحرص على الهدايا التذكارية، فمن بريطانيا أحتفظ بمجسم صغير لحافلة المواصلات المشهورة بلونها الأحمر، ومن مصر لوحة كتب عليها اسمي باللغة الهيروغليفية، أما البلد الذي أتمنى زيارته فهو الهند وإيطاليا.
عزالدين الأسواني



