يطلقون عليه في وسائل الإعلام ومسابقات التراث الكنز المتحرك ذلك أنه يمتلك كما وافراً من المعلومات التي تجيب عن التساؤلات التي يعجز عن حلها أبناء الجيل الحالي، ولم لا.. ؟ وهو رجل من شوابنا الذين عاصروا صعوبة الماضي والطفرة الاقتصادية والخير الوفير في الحاضر، عمل في صيد السمك والغوص، وعمل في صناعة الخيام، وعمل في شركة للبترول عاملاً وسائقاً،
وعمل في تجارة الأسماك المجففة وعمل في تجارة اللؤلؤ، وعمل ممثلاً، ثم موظفاً في وزارة الإعلام، ورغم تقدمه في السن إلا أنه مازال يشعر بأن لديه كما كبيرا من العطاء، والآن هو شاعر ومدرب تراثي بري وبحري في نادي التراث في أبوظبي، وعندما تسأل العم خميس راشد زعل الرميثي عن عمره يجيبك ضاحكا أنه من مواليد عام 1981م، إلا أنه يستدرك كلامه قائلا ان عمره الحقيقي هو 87 سنة.
الطبيب قدر عمره بأنه أصغر من ذلك بعشر سنوات، ويعتبر نفسه طبيبا للأمراض النفسية وذلك لأنه يمتلك قلبا أخضر مملوءاً بالحب ولا يحمل شراً أو ضغينة لأحد، والابتسامة الدائمة على وجهه والضحكة التي يقابل بها المواقف الصعبة سر قدرته على مواجهة الحياة، تزوج من ابنة عمه وحبيبة قلبه، وأنجب منها ولداً وابنتين، وله من الأحفاد 65 ولداً وبنتاً.
يعترف بأنه لم يذهب يوماً إلى المدرسة، ورغم ذلك يمكنه القراءة بشكل بسيط، ويعتبر مجالس الرجال هي المدرسة الحقيقية التي تعلم فيها الحكمة والتصرف السليم وخبرات الحياة، ورغم كبر سنه إلا أنه يمتلك ذاكرة قوية ويستطيع سرد الأحداث بتاريخ وقوعها.
يقول العم خميس الحمد لله الذي منحني حسن الخلق الذي جعل الناس تحبني وترتاح للجلوس معي، فأنا أحب الخير للناس جميعاً وهذا ما أوصانا به الإسلام فقال لنا ان تحب لأخيك ما تحبه لنفسك، ولابد للإنسان أن يكون متواضعا لا ينظر للآخرين بأنهم أقل منه أو من أولاده، وألا يقف لمن يتحدث معه على الواحدة ويتصيد أخطاءه، وعليه أن يتجاوز المواقف ولا يقف عندها حتى تسير الحياة.
ويضيف: نعم عشنا حياة صعبة في الماضي إلا أننا لم نكن نعرف أنها صعبة إلا فيما بعد، وكما يقول المثل مجبر أخاك لا بطل، علينا أن نعيش تلك الحياة أو نموت.. لا خيار لدينا، ووقتها خيل لنا أننا فقط نحن نعيش على الأرض وأن ما نعيشه هو المفروض، فلم يكن لدينا راديو ولا تلفزيون ولا دش أوجرائد حتى نعرف ما يدور حولنا، فاقتنعنا بما نحن متواجدون فيه.
البزوم كنز أبوظبي
وتحدث العم خميس عن تاريخ ميلاده قائلاً أنا من مواليد أبوظبي 1920، آنذاك لم يكن لدينا سجلات لتمنحنا شهادات للميلاد أو غيرها، وكان الناس يعرفون السنوات بأهم حدث حصل فيها في ذاك الوقت.
وبعد أن شاركت في تمثيل مسلسل عن الغوص في الإمارات مع الفنانين الكويتيين خالد النفيس وعلي المفيدي والفنان الإماراتي أحمد منقوش وغيرهم، قرر الشيخ أحمد بن حامد وزير الإعلام وقتها والدكتور عبدالله النويس وكيل وزارة الإعلام الأسبق تعييني في الوزارة،
فعندما تقدمت بأوراقي قالوا ان سني كبيرة ولا يصلح للتعيين، فأحالوني على الطبيب لتحديد عمري، وقرر الطبيب أنني من مواليد سنة 1920م. ويعود خميس الرميثي لأيام زمان عندما أحب ابنة عمه وتزوجها عام 1951م قائلا، تزوجتها يوم الاثنين وعشت معها 54 سنة، وماتت أيضاً.
يوم الاثنين، لم يحدث يوما أن تشاجرنا أو حدث بيننا ما يعكر صفونا، وبعد وفاتها سألني البعض لماذا لا تتزوج بعد أم راشد، قلت لهم كيف أتزوج بعدها، تلك حبيبة قلبي التي عشت عمري أحبها، أتذكر أني كنت يوما مصابا بالحمى وشفيت تماما عندما سمعت صوتها.
أنتم لا ترونها وغابت عن عيونكم بالموت إلا أنني أراها في كل مكان وكل لحظه تمر في حياتي. ويتحدث العم خميس عن الزواج زمان قائلا لدينا مثل يقول بنت المشرق للمغرب وبنت المغرب للمشرق، بمعنى أنه لم يكن شرطا أن تتزوج الفتاة من ابن عمها أو خالها والعكس صحيح، كما أن الإنسان يستطيع أن يسيطر على أشياء كثيرة في حياته إلا قلبه عندما يميل.
ويؤكد أنه أحب أبنة عمه وكانا صغيرين وكبر الحب بينهما بعد الزواج وإنجاب الأولاد ورؤية الأحفاد، ويتذكر يوم عرسه قائلا كنا نعيش كأهالي ابوظبي الذين يعملون في الصيد والغوص في جزيرة البزوم، وذلك لأنها محيطه بمواقع اللؤلؤ وصيد الأسماك، وكان التجار يأتون إلينا من كل مكان في العالم ليشتروا منا اللؤلؤ، وكانت جزيرة البزوم هي كنز أبوظبي في ذلك الوقت.
25 روبية مهر العروس
ويوم العرس عزمنا كل القبائل من جميع الجزر حولنا ومن ابوظبي، وكانت الدنيا مملوءة بالخير، حتى ان الناس قالوا عن عرسنا انه مثل أعراس الشيوخ لأننا أحضرنا فرقا للفنون الشعبية، ودفعت مهرا 25 روبية هندية واشتريت للعروس ثوبا كانوا يسمونه الساري في ذلك الوقت وهو صناعة هندية،
وكان الأهل يلفون بهذا الثوب على الناس ليروه قبل أن ترتديه العروس، ولم يكن على أيامنا ذهب يقدم للعروس، إلا أن تكاليف الفرح بلغت 950 روبية هندية، وهذا مبلغ كبير جدا وقتها، فالمئتا روبية كان يمكن للعائلة أن تعيش بها سنة كاملة.
ويتذكر العم خميس منزلهم القديم في أبوظبي قائلاً كنا نعيش في منزل كبير من سعف النخيل، مع الجد والجدة، وكان لكل أخ حوطة يسكنها مع زوجته وأولاده، وكان والدي وإخوانه يعملون في صناعة خيام البحر وقد عملت معهم وكنا مشهورين في تلك الحرفة،
وكانت خيامنا كبيرة وجميلة تشبه القصور، وحتى الآن يستضيفونني في نادي التراث والاتحاد النسائي لعمل الخيام التقليدية، واضع لها الديكور من صرير والشبرية والأقمشة التي تضيف البهجة مثل أقمشة أبوطيرة، وصالحني وبوجليم.
وكنا في أيام البرد نغلق مداخل الهواء لتصير دافئة، وفي أيام الحر نرفع الحجاب (الستارة) ونجعله من فوق ليأتي الهواء من الأسفل بسرعة وهو هواء نقي لا تلوث فيه كما هو الآن، وأتذكر يوم سبوع عرسي، وكانت في تلك السنوات لا يوجد من يساعد المرأة في المنزل من خدم أو غيره،
أتت والدتي إلى غرفتي فوجدتني أغط في نوم عميق مع زوجتي، فتركتنا، وهنا أردت أن أقول اننا كنا ننام نوماً عميقاً لأننا لم يكن بالنا مشغولاً على شيء كما هو الحال حالياً، تجدهم مشغولين بالعمل والمال والشيكات.
ويتذكر العم خميس كيف كانت الأمطار تهطل على المدينة بغزارة، وأنهم كانوا يستفيدون من مياهها للشرب، فكانوا يستخدمون قماشا أبيض كبيرا وبربطونه بشكل كما شراع السفن في أطراف الخيمة ويضعون فيه الزلط لتنقية المياه من الشوائب، ويضعون أسفل القماش جدور تسمى (مالي) لأنهم يملون فيها الماي،
وهي كبيرة لحفظ المياه، وتلك المياه كانوا يقومون بتوزيعها على بعض، فلم يكن يستأثر اي أحد بما يفعله في بيته، بل عليه أن يعطي باقي العائلات، وكانوا يضعون تلك المياه في خزانات لاستعمالها للشرب، وعندما تخلص يبدأون في البحث عن مياه الآبار إلا أنها لم تكن حلوة وعذبة مثل مياه الأمطار.
المجالس مدارس
ويضيف العم خميس: كنا نعتمد في طعامنا على العيش والطحين والتمر والسكر، ولم يكن لدينا خضار، وكان اللحم قليلا جداً إلا أننا اعتمدنا أكثر على السمك في طعامنا، وقمنا بتجفيفه وبيعه أيضاً، وسرت إلى البحر وأنا طفل صغير، وبدأت كوليد يعني كطفل صغير يناول الصيادين الأغراض، وما يشترك في الصيد، ثم مطري يعني أول ما نتعلم الغوص وبعد عشر سنوات كاملة أصبحت نوخذة يعني قائد المركب، ثم اشتغلت في تجارة اللؤلؤ.
أتذكر أنني بدأت العمل مع أبي وعمي على السفينة وكان عمري ست سنوات تقريبا، وجاء الليل وبكيت بشدة لأنني أفتقدت امي، وقال لي والدي في الصباح ستعود إلى أمك، وفي الصباح لم يحدث وبقيت معهم لأنني أكتشفت أننا أصبحنا في مكان بعيد داخل البحر.
وقد توفي والدي رحمه الله وأنا طفل صغير وتزوج عمي من والدتي حتى يربي ابناء اخيه، والحقيقة ان عمي محمد وهو أيضا والد زوجتي فيما بعد علمني تحمل المسؤولية وأنا طفل صغير، ورغم أنني لم أذهب للتعليم في مدارس طوال حياتي إلا أنني تعلمت في مدرسة الآباء والأجداد و«المجالس مدارس» حيث كانت مجالس الرجال معروفة، فيجلسون بعد صلاة العشاء ويتبادلون الاحاديث ومن ليده اخبار يقولها،
ومن لديه كتاب يقول ما قرأه فيه، ومن لديه قصيدة شعرية يلقيها، ومن خلال حكايات الرجال عن بعض المشاكل أو المواقف التي تحدث ونقاشها نعرف كيف نتصرف فيما يقابلنا في الحياة، وما هو التصرف السليم الذي يجب ان نفعله وهكذا.
وكان عمي يقول لي ياوليدي لاتجلس إلا مع واحد اعلم منك، وبعد يومين جاء يسألني عما قاله لي فأجبته بأنه قصده ان لا أجلس إلا مع شخص أحسن مني، فقال لي فهمتني خطأ لقد قلت لك اعرف منك، فقد يكن أحسن منك في اشياء كثيرة إلا انه ليس عارفا، لقد قصدت بأعرف منك اي انه مليء بالمعلومات والمعرفة للتعلم منه الذي ما لاتعرفه.
وفي مجالس كبار القوم كنت استمع وأخزن في الذاكرة وتلك هي المدارس الحقيقية التي تربيت فيها، والحقيقة رغم انني لم أذهب إلى مدارس في حياتي إلا انني انظم الشعر النبطي وسيصدر لي قريبا أول ديوان يحتوي على 73 قصيدة،
كما أنني أقرأ وأكتب بمفردي من دون تعليم، وذلك لانني من خلال قراءة القرآن ومشاهداتي للكتب والجرائد تعلمت بالفطرة.ويؤكد العم خميس انه يمتلك ذاكرة حديدية ويستطيع حفظ القصيدة التي تلقي امامه من أول مرة، وكان الشعراء يلقون الشعر في المجالس حيث كان هذا الأسلوب وسيلة للتسلية في غياب الراديو والتلفزيون.
لم نغادر أبوظبي
ويؤكد العم خميس أن قبيلته لم تغادر أبوظبي حتى بعد كساد تجارة اللؤلؤ قائلا عشنا نعمل في الغوص والصيد وصناعة الخيام وتجفيف الأسماك وفي عام 1949 نزلت لدينا أول شركة للتنقيب عن البترول وعملت معهم 8 سنوات في كل المواقع مرة عملت سائقا واخرى على ماكينة وغيرها الى ان تركت الشركة ابوظبي،
وبدأ الخير يهل علينا وأخذت مزرعة في العين عام 1974 وعملت مضخة للماء وأخرجت الماء وبعته للشركات وغيرها، والحمد لله بعد ان تولى الشيخ زايد رحمه الله وزاد الخير وعم على الجميع وتولت حياتنا الى حياة رغيدة.ويضيف انه حاليا يعمل كمدرب تراثي بري وبحري في نادي التراث، كما انه يعلق على السباقات الشراعية، ويستضيفونه في كل وسائل الإعلام ليحكي عن خبرته ومعلوماته التراثية.
إيمان قنديل


