نبض متجدد يملأ جنبات ساحة الشارقة التراثية مع إيقاع الأنغام الشعبية، فرح واحتفال واحتفاء بتراث الأجداد، تظهر ملامحه على وجوه المشاركين والزائرين على حد سواء، إذ يستقبلك عبق الماضي مع أول خطوة تخطوها عند بوابة الساحة، رائحة الخبز والمأكولات الشعبية تجذبك
حيث تجلس الجدات والأمهات أمام (طناجر) الطهي وهن منغمسات في إعداد الأطعمة وتقديمها للزبائن، مقهى شعبي يقدم المشروبات الشعبية والشاي الكرك، ساحة خضراء تمثل مجسماً لمزرعة صغيرة، وأمامها ينتصب «الطوي» عملاقاً يبهر الناظرين لا بأس أن تسحب البقرة حبال «الطوي» حتى يستمتع المتفرجون بكيفية خروج الماء والتعرف على وسيلة من وسائل الري التي كان يتبعها الأسلاف. خطوات قليلة وتستوقفك طبول المولد على منصة مرتفعة، وعلى مقربة تشدك مجسمات البيوت القديمة لتتوقف أمامها متأملاً طرق الأولين في بناء بيوتهم، تلتفت يميناً فترحب بك الأواني الفخارية التي كانت تستخدم في السقاية وحفظ الماء، وإلى جوارها جناح الأسلحة القديمة التي كانت تستخدم في الصيد وفي الدفاع عن النفس، إلى الساحة الكبرى تنطلق مشدوداً بوقع الطبول والمزمار،
حيث الفرق الشعبية تؤدي فقرات من الفنون الشعبية، والى جانبها راحت الصبايا في جلابيبهن الملونة يمارسن لعبة الحبل والمراجيح، تتوغل في عمق الساحة لتصل إلى ركن المهن البحرية، حوض اسماك تم تصميمه على الأرض وكأنك امام مشهد طبيعي لمجرى مائي تجري فيه الأسماك، ثم شباك الصيد وهي تتدلى فوق رأسك، وعلى مقربة تربض قوارب الصيد وعلى أحدها جلس صياد وراح يفلق المحار، تأخذك قدماك إلى جناح هادئ لتتجول بين نماذج للمهن القديمة، تلك فتاة صغيرة تقبض على عصا «الرحى» وتعمل بهمة ونشاط، غير عابئة بنظرات الإعجاب التي تحيطها من كل صوب، ثم تنتقل إلى مهنة التطريز وصناعة البرقع والتلة، وفي ركن قصي يجلس «الشمار» منهمكا في عمله، والحداد كذلك، وهناك في زاوية غير بعيدة تنبهر بالصناعات القديمة للأسرة والكراسي المصنوعة من سعف النخيل، وهي منتوجات صالحة لان تكون أجمل ديكور في المنازل الحديثة.
المشهد أكثر من رائع، ويزيده روعة تلك المسابقات التراثية التي تقام في أكثر من جناح، الجميع فائز لاشك ولو بلحظة مشاركة ممتعة، أما الصغار فقد ذهبوا بطفولتهم يداعبون الجمال والخيول، يأخذون دورة على ظهورها وأحيانا يكتفون بالتقاط الصور، لا فرق بين كبار وصغار وسط أجواء تراثية محملة بعبق الماضي الجميل، وما بين تذكر الكبار لتراثهم واكتشاف الصغار لعظمة أجدادهم يظل التاريخ مظلة ينضوي تحتها الجميع، فإذا ما انتهت أوقات الزيارة، خرج الجميع وقد علقت في أذهانهم مشاهد يصعب نسيانها، وفي آذانهم وقع دقات الطبول وكأنها آتية من البعيد، من هناك.. من مفردات الزمن الجميل.
عز الدين الأسواني



