من أية بوابة يمكن أن تدلف إلى العالم؟، وأي الدروب يمكن أن تسلكها لتصل إلى فهم أكبر لنفسك ولما يحيط بك؟ رحلة في مجاهل الروح .. رحلة في مجاهل الأرض.. رحلة في عوالم المخيلة.. إنها البوابات التي نحاولها والعتبات التي نرتقيها كي نحوز المعرفة ونطفئ ظمأ الأوردة.
ولعلنا نسعى في الكتابة عن الأمكنة أن نُعَرّف بجغرافيا جديدة، ونحن نحاور العديد عبر هذه النافذة التي نرى من خلالها ما شاهده الآخرون في تجوالهم، ونشاركهم ذكرياتهم وتجاربهم في الحل والترحال. وقيس الفلاسي المهندس المدني يحدثنا في هذه الفسحة عن بعض ذكرياته في المدن التي زارها والتي رسخت في نفسه القناعة بأن السفر هو بوابة المعرفة وشرفة للتفريج عن الروح.. ففي السفر يتحلل الإنسان من الهم ويغير عاداته اليومية، تغتني نفسه ومخيلته وتتعمق مشاعره. ويتذكر الفلاسي رحلاته الأولى مع الأهل التي ابتدأها منذ سنوات بعيدة حيث زار تركيا.. ومازال حتى الآن مشهد الطبيعة ومدن الملاهي حاضراً في ذاكرته، ففي تركيا لم يستطع تجاوز حالة الانبهار التي شعرها لأول مرة والتي تكررت في كل زيارة جديدة.. فالتشكيل العمراني الرصين وقصور السلاطين والعمارة البديعة والناس الطيبون والمضيافون الذين ما أن تصادفهم حتى تشعر بأن ثمة شيئاً يجمعك بهذه الشعوب، وثمة بعد ثقافي واحد رغم أن الشعب يعاني بين إحساسه بهويته المحلية ونزعته للاندماج مع الغرب.
ومن تركيا إلى لبنان، حيث عبق الأرض والرائحة الطيبة، والغيوم التي تمر بك في جبالها والنسيم العليل في وديانها.. لبنان التراث العريق والتناقض الواضح بين الفقر المدقع والغنى الفاحش، بين آثار الحرب وآثار الحياة الصاخبة، هناك تعرف الفلاسي على صيدا وطرابلس، وبيروت، ومخيمات عين الحلوة، وتعرف على بساطة الناس وسحناتهم الحميمية وسحر الطبيعة الخلاب الذي يجمع بين الإدهاش والغرابة، فمن على قمة جبل تمتد المدينة بأضوائها وأهوائها، بأحلام وأوهام ساكنيها. اسطنبول، جنيف، لندن، باريس، بيروت، سدني، كولالمبور، غولد كوست، ميونيخ، السعودية، مصر، النمسا.. تلك بعض المدن التي زارها والتي أثرت عليه وجعلته يؤسس غاليري آرت أتاك للفنون في دبي.. فهوسه في زيارة المتاحف والاطلاع على الفنون، ومعرفته أن أغلب الدول الأوربية تحترم وتهتم في الفنون بالدرجة الأولى وأن معيار حضارة الشعوب ورقيها هي بفنانيها ومبدعيها الذي يمثلون النسغ الحقيقي للشعب واعتبار الفن هو الركيزة الأساسية التي تبرز واجهتها وجماليتها.. من هنا حاول الفلاسي أن يساهم بدوره في تأسيس الغاليري تماشياً مع النهضة الاقتصادية والثقافية التي تحدث في دبي وعلى أوسع نطاق، فهذا الجانب له أهميته الكبيرة في تطور ورقي الشعوب سيما وأن دبي لها تاريخها وعراقتها.
في ألمانيا يعد الفلاسي أن القيمة الأولى التي تلمسها عند هذا الشعب، هو احترامه للعمل وتفانيه من أجله، إلى جانب جديتهم وروحهم العملية التي يتمتعون بها، فهناك ثمة صرامة بادية وغلاء في المطاعم، حتى إنه بدأ يقلل عدد الوجبات التي يتناولها، فالمصروف الأكبر في السفر تجده أحياناً في ثمن الوجبات. ومن الأشياء الأساسية التي يقوم بها حال وصوله إلى أي بلد، هو شراء خارطة للمكان تسهل عليه الحركة والتنقل، والتعرف على مواقع الغاليريهات والمتاحف، وشراء تذكار عن البلد. من الجانب العملي في ألمانيا إلى الحياة البسيطة والهادئة في ريف النمسا، حيث يرى أن الموسيقى والأوبرا هي هوس الناس هناك وعشقهم العميق الذي يفصحون عنه ويمارسونه في كل لحظة.. فهناك زار منزل الموسيقار الكبير موتزارت والتقط له الصور، ويقول إن شعب النمسا يقدسون بلادهم ويعتزون بتاريخهم بشكل كبير، وحتى الحجر يقدسونه، ويتحدث عن جمالية غولد كوست بمنتجعاتها السياحية ببحرها الرائق وصيفها العليل.
وفي سدني يقول هناك تجد كل شيء الثقافات المتداخلة والمتعايشة، والحميمية بين الناس، وهناك تتعرف على دار الأوبرا الذي يمثل المعلم الأساسي على ساحل سدني والذي يعد تحفة معمارية هائلة، إلى جانب الجبال الزرقاء، والغابات التي تحيط بالمدينة من كل جانب.
أما عن باريس فقد تحدث عن شعوره بحضور التاريخ في كل مكان ، في حاراتها القديمة وأزقتها، وكأنك على مسرح حي للتاريخ والذي تتغلغل أصداؤه في داخلك.. ولايمكن ذكر باريس دون ذكر متحف اللوفر بروعته وعراقته وكنوز الفن التي يضمها في أجنحته وأروقته، هناك تتأمل الموناليزا، وتشعر بمقدرة وعظمة دافنشي والقيمة الكبيرة التي تمثلها الأعمال الفنية لأساتذة الفن عبر التاريخ بمختلف المدارس والتيارات الابداعية.. إلى جانب برج إيفل الذي يشكل نُصبا معمارياً ورمزاً خالداً للبلد.
في فنلندا يقول الفلاسي هناك تشعر أنك في مكان آخر غير أوروبا رغم أنها تنتمي إلى الدول الأوربية إلا أن طريقة البناء والقصور الضخمة وتداخل الطبيعة مع العمارة، الكاتدرائيات والأبهة إلى جانب البساطة وروعة الطبيعة وطيبة الناس الذين يتعاملون بتلقائية وحميمية ومودة مع وجود الطقس الجميل والنسمة العذبة.. هناك أنت في مكان يختلف عن كل الأمكنة.
أما في لندن فيعلق الفلاسي على النظام، حيث كل شيء يمشي على تكة الساعة.. كل شيء دقيق ومرتب.. من نظام الميترو وخدمة التاكسي، إلى نظام الحياة والعمل.. ففي لندن القيمة الأولى هي قيمة النظام والتي تعلمك كيف تحترم الوقت والدقة، وكيف تنظم وتبرمج أعمالك وأشغالك. ويخلص الفلاسي إلى أن السفر عزز الكثير من القيم لديه وأنه طريق المتعة الذي تسلكه لمعرفة الشعوب والاطلاع على ثقافاتها المختلفة، حتى تتكون لديك المقدرة على فهم العالم والموقع الذي تحتله فيه، وأنه يجدد الذهن والروح وطاقة البدن.
إسماعيل الرفاعي

