كان صغيراً.. تتوغل بين مسامه حكايات الكبار عن سفراتهم ورحلاتهم ومواجهتهم للأخطار، وعشعشت في ذهنه أحاديث والده الذي كان يعمل نهاماً وربانا على المراكب التي تشق عباب البحر في رحلاتها التجارية، من هناك ومن عمق تلك الذاكرة ارتسمت في مخيلته خرائط لبلدان عجيبة كان ولا يزال يحلم بزيارتها،

غير أن الفن الشعبي والموسيقى بشكل عام استهوت الطفل الصغير، فاستفاد أيضا من جلسات الكبار في أوقات السمر، واستمع إلى مواويلهم الشعبية وعرف الكثير منها، ليشب عازفا على آلات الايقاع ومن بعد عازفا على آلة العود والكمان، محمد طرار مطر يتوقف عند رحلة قام بها إلى رام الله وزيارته للقدس، وحالة من البكاء انتابته عند ساحة المسجد الأقصى، وحالة الخشوع والهيئة التي سيطرت عليه وهو نفس الشعور الذي انتابه عند الكعبة. لكن بداية سفره كانت إلى تايلاند، ولأنها كانت الرحلة الأولى التي يسافر فيها محمد مطر خارج البلاد، فقد كانت محفوفة بالمخاطر والمخاوف وحب المغامرة أيضاً، يقول: لم نكن أنا وصديقي قد رتبنا لهذه الرحلة بشكل جيد، كل ما هنالك أننا نريد أن نخوض تجربة يحكي عنها الشباب في مجالسهم، لم نذكر أين سنقيم ولم نسأل عن الأماكن التي سنذهب إليها ولا عن طبيعة البشر هناك، وتوجهنا إلى المطار لنجد مجموعة من الشباب متجهين إلى تايلاند على نفس الرحلة وكانوا من الإمارات وقطر والسعودية والسودان،

وكان حب الاستطلاع مسيطراً على حواسي، كنت خائفاً من ركوب الطائرة، ولم أكن أعرف وقتها تفاصيل إنهاء إجراءات السفر في المطار، مجموعة من المخاوف انتابتني بشدة، لكنني تغلبت عليها، وعندما هبطنا في مطار بانكوك شعرت بجمال المطار والنظام المتبع فيه، فهو مطار فخم وكبير أعجبني كثيراً، وحتى الان لا يزال هذا المطار من أفضل المطارات التي رأيتها، ولم يتغير إعجابي بهندسته ونظامه وحسن معاملة الموظفين للسائحين.

كانت الوجهة إلى مدينة «بتايا» قبلة السائحين من الوطن العربي، والحق انني وجدت المدينة بأكملها منتجعاً سياحياً يستقطب الزائرين من مختلف دول العالم، فهي مدينة جميلة تكسوها الخضرة وتشتهر بشواطئها الممتدة، وأظن أن تحظى باهتمام كبير من الدولة، فالخدمات السياحية متوفرة فيها وبصورة جيدة،

ولكن قبل ذلك يجب الإشارة إلى الازدحام الكثيف الذي رأيته خلال انتقالنا من المطار إلى مدينة «بتايا»، ازدحام جعلنا نقطع المسافة في وقت كبير استناداً إلى سرعة السيارة. في بتايا الازدحام البشري هو أول ما يشد انتباهك، كأنك في خلية نحل لا تهدأ أبداً، ولذلك سارعت بالنزول من الفندق لأسير في الشوارع وأتفحص الوجوه، وذهلت عندما وجدت نفسي مع أناس يتحدثون اللغة العربية، معظمهم من دول الخليج،

وأحسست لكثرتهم أنني لم أغادر مدينتي بعد، العجيب أن هناك رجالا مسنين يتحلقون على المقاهي ويتجاذبون أطراف الحديث، نفس المشهد الذي نراه هنا عندما نمر أمام الكافتيريات في أزقة الأسواق القديمة ونرى المسنين يجلسون أوقات الصباح والمساء، أما ماذا يفعلون هناك وماذا يقولون فهذه أسئلة يصعب الإجابة عنها.

تايلاند بلد جميل ويمكن للمرء أن يستمتع بأجوائها ويكتشف ثقافة شعبها، ويتمعن في الألوان الزاهية التي تزين معابدها، كل شيء هناك يدعو للتمعن وزيادة المعرفة، لكن ما رأيته من ممارسات للشباب العربي يجعل المرء حزيناً ومستاءً بشدة، فالغالبية يذهبون إلى هناك سعياً وراء المتع الرخيصة.

في رحاب الأقصى

ونبدأ رحلات محمد السياحية الفنية مع عدد من الفنانين يقول: سافرت إلى عمان أكثر من مرة كعازف على الإيقاع ضمن الفرقة الموسيقية المرافقة للفنان محمد المازم، وكانت الزيارة الأولى بدعوة من التلفزيون الأردني، وسنحت لي الفرصة أن أتجول في شوارع عمان وأزور المناطق الجبلية التي تشتهر بجمالها وينابيعها بين الصخور وفي الكهوف، وأجمل شيء أعجبني في الأردن مناطقها الجبلية، ولا أخفي سراً إذا قلت بأنني لم أسترح كثيراً لأصحاب المحلات في زيارتي الأولى، ولم أجد شيئاً يذكر عندما زرت البحر الميت.

أما زيارتي لفلسطين فقد كانت أيضاً من بوابة الأردن، وذهبنا إلى رام الله بدعوة من وزارة الثقافة والإعلام الفلسطينية، وذهبت إلى فلسطين مرتين مع الفنانة أحلام، وزيارتي لفلسطين أعتز بها كثيراً، وبعيدا عن الخلفيات السياسية التي أفهمها جيداً، فأنا أتوق لزيارتها مراراً، ففيها تحس أنك على أرض مباركة حباها الله الجمال والخصوبة وهي مهبط الرسالات وفيها عاش الأنبياء، نعم هناك منغصات واستفزازات كثيرة من جنود الاحتلال عند مناطق التفتيش،

لكن هذا لا يعادل شيئاً من استمتاعك بزيارة المسجد الأقصى، نعم حزنت وتأثرت عند بوابة الدخول، استقبلنا الموظف الفلسطيني وأعطانا بطاقات الدخول، ولكن خلف مكتبه كان يجلس موظف «إسرائيلي» هو الذي وضع ختم الدخول في جوازات السفر، لقد شق على نفسي أن أرى هذا المشهد، على الرغم من أن جنود الاحتلال كانوا يبالغون بالترحيب بنا في بعض الأحيان، وكانت الفنانة أحلام معروفة عندهم، وراحوا يرحبون بها كثيرا،

غير أنها لم تلتفت إليهم ولم ترد على تحيتهم أبداً، وعندما زرنا المسجد الأقصى لا أستطيع أن أصف لك مشاعري ومشاعر جميع الزملاء في الفرقة، كلنا بكينا، ومررنا بحالة من الخشوع والهيبة وهي نفس الحالة التي شعرت بها أثناء أداء العمرة وزيارتي للبيت الحرام، أما الشعب الفلسطيني في رام الله فقد استقبلنا بالترحاب والكرم.

زار محمد مطر مصر مرات عديدة، سواء لإحياء الحفلات الفنية أو سياحة مع عائلته، يقول: مصر بلد محبب إلى قلبي عرفت أجواءها من خلال المسلسلات التلفزيونية والأفلام السينمائية، عرفتها قبل أن أزورها، خصوصاً وأن كثيراً من الشباب في العائلة متزوجون من مصريات،

وأنا نشأت على حب الحضارة والثقافة وحتى السياسة المصرية، وكل ما قرأته وشاهدته عبر التلفاز عن الحضارة الفرعونية والإسلامية، حرصت على أن أتابعه على أرض الواقع، زرت قلعة محمد علي، والأهرامات، والمتحف، وجلست على مقاهي الحسين، واختلطت بشرائح مختلفة من المجتمع المصري، في القاهرة أنت في عوالم أخرى قل أن نجد لها مثيلاً في مكان آخر، ولعشقي للأزقة والحواري واكتشاف الجديد، فقد سرت على قدمي من شارع جامعة الدول العربية إلى الحسين ذهاباً وإياباً، توقفت أمام الباعة المتجولين ورحت أرصد حركاتهم.

ولأنني كما قلت أسقط الذاكرة على الواقع، فقد ذهبت إلى شارع محمد علي، ولم أجد ملمحاً واحداً مما صورته المسلسلات التلفزيونية والأفلام، لكنني استمتعت كثيراً وأنا أتجول في شارع شهد الكثير من الأحداث التاريخية الحديثة، وجلس على مقاهيه الكثير من الفنانين والملحنين، نفس الشيء حدث معي وأنا أزور المتحف المصري وأرى المومياوات وتماثيل الفراعنة الذين سطروا تاريخاً مازلنا نعايشه حتى الآن، وعند الأهرامات ركبت الخيل لأول مرة في حياتي.

البريطاني يساعد والفرنسي يمتنع

لندن مدينة منظمة، وشوارعها راقية ونظيفة، وأول ما يشد الانتباه هو ابنيتها العتيقة ذات الطابع المعماري الفريد، فيها تشعر بان التاريخ مازال قابعاً على قصورها وبناياتها القديمة، وذلك إشارة إلى الاهتمام البالغ في المحافظة على كل ما هو تراثي، وشعبها طيب ويعامل الآخرين باحترام ومحبة، ويساعدونك على قدر استطاعتهم، وما أعجبني في الشعب البريطاني أنه لا يسخر منك إذا لم تستطع أن توصل إليه المعلومة، فيساعدك بتصحيح الكلمة إذا كانت لغتك الانجليزية ضعيفة كما هو الحال بالنسبة لي في لندن زرت متحف الشمع،

وسرت في شوارعها التي تمثل مزاراً سياحياً بشكل عام، أما أجمل شيء فيها فهي فترة الصباح، كنت أصحو مبكراً، وأرى الشوارع خالية في السابعة صباحاً، وفجأة تدب الحركة مع اقتراب الثامنة صباحاً، وينقلب الهدوء إلى ضوضاء محركات السيارات، لتستشف بان حركة الناس هناك حسب نظام ومواعيد ثابتة،

أما فرنسا فقد أعجبني فيها نماذج الطراز العمراني القديم مع الحداثة، وزرت دار الأوبرا، ومشيت في شارع الشانزليزيه، لكنني لم استرح للفرنسيين الذين يبدون معتزين بأنفسهم زيادة عن اللزوم، وليس لديهم استعداد لمساعدة الآخرين خصوصاً فيما يتعلق بالتواصل اللغوي، فهم لا يجاوبونك إذا تحدثت معهم بالانجليزية، وليس لديهم وقت للتعاطي معك وإرشادك، ويفضل أن تتعامل معهم بلغة الإشارة على أن تحادثهم بلغة أخرى غير الفرنسية، عموماً زيارتي لفرنسا كانت قصيرة جداً، ولا يمكن من خلالها أن تحكم على شعب من خلال تجربة شخصية.

الأسبان عرب

في أسبانيا زرت مدينة «ملقة» وشد انتباهي مبانيها التي شيدت على الطراز الإسلامي، كذلك وجود الجاليات العربية بكثرة هناك، خصوصا الجالية المغربية، والطريف أنني أحسست بأن الشعب الأسباني ليس إلا شعباً عربياً خالصاً، فالوجوه مألوفة وكثيرة الشبه بالوجوه العربية، وعلى هذا فإن المطاعم العربية منتشرة بكثرة هناك، ولا تشعر أنك قد ابتعدت كثيراً عن المدن العربية،

والشعب الأسباني هادئ الطباع ويساعد السياح ويتعاطون مع الغرباء بأريحية، وعندما أتحدث عن «ملقة» فهي مدينة ذات طبيعة جميلة خصوصاً على شواطئها ويتواجد فيها السياح بكثرة، وفيها تنتشر المزارع والخضرة على جانبي الطرق، كما أنها مدينة نظيفة والخدمات السياحية فيها على أعلى مستوى، أما أسبانيا بشكل عام فأتمنى زيارتها، واكتشاف بعدها الإسلامي من حيث الطراز المعماري في مدنها المختلفة، ولا تعرف عن قرب على موسيقاها المتفردة.

لبنان بلد جميل لم يأخذ حقه من الاستقرار، وهو مجسد في أغاني فيروز، والشعب اللبناني راقٍ جداً في تعامله مع بعضه البعض ومع الآخرين، وهم يحترمون السائح ويساعدونه، وتذكرني تعاملاتهم بالشعب الأوروبي، لكن المحزن في الأمر أن الخدمات السياحية ضعيفة للغاية، ويتجسد هذا في الطرق بصورة أكبر، وأظن أن لبنان يستحق الاهتمام ببيئته التحتية ليصبح من أهم المزارات السياحية في منطقة الشرق الأوسط.

عز الدين الأسواني