عندما يتكلم الشاعر حبيب الصايغ عن الماضي، يرفض أن يحدد مكان ولادته، ويقول ولدت مرة وولدت ألف مرة، في أبوظبي ودبي ورأس الخيمة والفجيرة والشارقة والعين وعجمان، ولدت في كل شبر من أرض الإمارات الحبيبة، لذلك أعيش فيها وبها، فأنا معجون بكل ذرة، من رمال صحرائها، وولدت فيها وأنا في ملعقة من الشعر، فقد كتبت أول قصيدة وأنا في الثالثة من عمري وأهديتها إلى أمي، وعندما صرت في الثالثة عشرة من عمري كتبت عن الإمارات والوطن، وأحببت الإمارات رملا وملحاً وصحراء وبحراً.

وفي بحر الإمارات كتب مجموعة (الملامح) وكتب أقرب قصائده إلى قلبه، وولد حبيب الصايغ عام 1955م، ليوسف الصايغ الذي كان يعمل مع أخيه في تجارة اللؤلؤ، وكانا يشتريان اللؤلؤ من الغواصين ويبعانه للتجار في دبي وهؤلاء يبيعونه بدورهم إلى تجار هنود يصدرونها إلى فرنسا وانجلترا.

يقول حبيب الصايغ كانت العائلة تعيش حياة رغدة في بيت كبير يضم الجميع في مكان واحد، وفي منزل كبير في منطقة السوق القديم في أبوظبي، وقتها لم يكن هناك أسواق، أو عمارات عملاقة كالتي نراها حالياً في المنطقة نفسها، بل كانت من الطين والقص، وكان المنزل يتكون من حوطات جمع «حوطة» أي غرفة، وفي كل غرفة يعيش الرجل وزوجته وأبناؤه، وكانت الحياة بسيطة، فلم يعرفوا وقتها الكهرباء أو المكيفات التي تلطّف من الحرارة. ولا راديو ولا تلفزيون ولا دش ولا فضائيات، بل كانوا يعتمدون على لمبات الجاز في الإنارة، وينامون في الخلاء وفوق أسطح المنازل في أيام الصيف ودرجة الحرارة المرتفعة.

وكانت المياه التي يشربون منها مالحة، ولم تكن بعذوبة مياه الصنابير الآن، ولم يعرفوا وقتها المياه المعدنية أو الفلاتر، أو مقومات الرفاهية، وكانت الأمهات تستخدم الأعشاب الطبيعية في علاج الأمراض التي تصيب الأطفال، وكان اكتشاف المرض وعلاجه يتم عند المعالجين الشعبيين والحلاقين الذين يمارسون الحجامة لمساعدة المرضى على الشفاء، وكان الطعام بسيطاً يعتمد على العيش والسمك واللحم، فلم تكن موائد الطعام عامرة من كل صنوف الأكلات العربية والعالمية التي نستمتع بها الآن.

ولم يكن على كورنيش البر أية حواجز للأمواج وكانت العواصف الرملية تهب لتغرق المنزل بأكمله، ولا تترك حتى الطعام والماء إلا بعد أن تغرقه بالرمال، وكثيراً في ظل تلك العواصف يمتد موج البحر ليغرق المدينة، وكانت الجمال هي وسيلة الناس للانتقال من مكان إلى آخر.

ابتسامة في قطر

ويؤكد حبيب الصايغ أنه لم ير تلك الحياة الصعبة التي عاشها أبوه وأعمامه إلا أنه كان يسمع عنها من أبيه ووالدته وعمه علي الصايغ الذي قام بتربيته مع إخوانه عندما توفي الأب، وفي الخمسينات لم يكن في أبوظبي أية مدرسة تعليمية، سوي مدرسة دويش بن كرم لتعليم الكتابة وتحفيظ القرآن.

وكانت العائلات التي ترغب في تعليم أبنائها ترسلهم إلى قطر، وفي عام 1952م تحديداً وبسبب سوء الأحوال المعيشية وكساد تجارة اللؤلؤ انتقلت العائلة بأكملها للعيش في قطر، وعاشت هناك حتى تولى الشيخ زايد رحمه الله مقاليد الحكم في الإمارة عام 1966، وبناء على طلب منه عادت العائلة ثانية إلى الإمارات.

ويتذكر حبيب الصايغ هذا اليوم قائلاً كنت ألعب وألهو في حوش البيت وجاء عمي علي، وجلس بجوار والدي إلى أن انتهي من أداء صلاة المغرب، وأخبره أن الشيخ زايد تولى الحكم في أبوظبي، ولأول مرة أشاهد تلك الابتسامة التي ارتسمت بفرح شديد على وجه والدي، ما زلت أتذكرها حتى الآن، وبعد هذا الخبر بثلاثة أيام استدعى الشيخ زايد العائلة للعودة إلى الإمارات، وكان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان قد استدعى والدي وكلفه بعضوية مجلس تخطيط أبوظبي، ولجنة تثمين البيوت.

هؤلاء زاملوني

ويواصل حبيب الصايغ كنا نذهب إلى المدرسة سيرا على الاقدام، وعلى شوارع الرمال لم نعش معاناة طويلة، بل في خلال زمن بسيط، أحضر الشيخ زايد للتلاميذ سيارات لاندروفر تقلنا إلى المدارس في الشوارع غير الممهدة، وما هي أيضا إلا فترة زمنية لا تكاد تذكر وأصبحنا ننتقل من بيوتنا إلى مدارسنا في باصات مدرسية.

ودرست المرحلة الاعدادية في مدرسة جابر بن حيان، وبلغ عدد طلابها حينذاك ثمانية، منهم يوسف خليفة اليوسف، حسين باقر، السيد محمد عبدالله الهاشمي، عباس عبدالجليل، ضاحي السويدي وحسين علي الصايغ، إلى ان أتت إلى أبوظبي من رأس الخيمة قبيلة الزعاب، فتزايد عددنا في الصفوف، تطورت المدرسة في عام واحد فعند افتتاح المدرسة كانت صفا واحدا وهو الثاني الاعدادي، وفي آخر العام أضيف للمدرسة الصف الأول والثالث الاعدادي، ثم أصبحت المدرسة ثانوية واعدادية في نفس الوقت. وفي أول ثانوي درس معي عوض العتيبة، أحمد حسين، عبدالله محمد موسى القبيسي، عبدالرؤوف المبارك، عبدالعزيز ابن الشيخ محمد الخزرجي.

ويؤكد حبيب الصايغ كان التطور الذي يحدث في الإمارة سريعاً بشكل يفوق الخيال، فعلى سبيل المثال كنت أقوم بعد أعمدة الإنارة وانا في طريقي إلى المدرسة، لأجدها قد تضاعفت عند عودتي منها إلى المنزل ظهرا. ونستطيع ان نقيس على هذا المثال البسيط كل ما حدث في ابوظبي وقتها من تطور عمراني، وتخطيط الشوارع، وغيرها من خدمات على مستوى الصحة والتعليم.

وقبل ان تصبح لنا مناهجنا الدراسية الخاصة، تنقلنا من منهاج عربي إلى آخر فدرسنا في البداية المنهاج الكويتي، ثم المنهاج الأردني، ثم المصري، وكانوا يمنحوننا رواتب حتى يشجعونا على التعليم، فمنذ بداية قيام الاتحاد عملت الدولة على أنها المسؤولة كاملة عن المواطن، وبدأت التربية في ابوظبي كإدارة يرأسها مستر سيفير وهو انجليزي، ثم تولاها الهاشمي وهو من العراق، ثم محمد خليفة الكندي، ثم جاء الدكتور عبدالله عمران كأول وزير للتربية والتعليم وهكذا، ولم تكن هناك أماكن للترفيه سوى سينما المارية وسينما الوطنية، كنا نشتري اغراضنا من دكاكين موجودة في بناية عمير بن يوسف، مكان غرفة تجارة وصناعة ابوظبي حاليا.

وبني السوق المركزي في عهد الشيخ زايد، ثم بني سوق آخر في الجهة المقابلة له، واعتاد على تسميتهما السوق الجديد والسوق القديم. ثم أتى بعد ذلك وجود سنتر حامد وسنتر حمدان، وبهما تواجدت المحلات التي نشتري منها الملابس وغيرها.

صحافي في سن الرابعة عشرة

بدأت عملي في الصحافة وانا في سن الرابعة عشرة وذلك عندما عرف الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، ان ليوسف الصايغ ابنا شاعراً، فأصدر أوامره بإلحاقي بجريدة الاتحاد، وذهبت حيث أمرني الى راشد عبدالله وكيل وزارة الإعلام حينذاك، فطلب محمود وادي الرمحي مدير الشؤون المالية وقتها ليتم تعييني في الجريدة، فنظر إلي من اعلى الى اسفل وبالعكس مرات عديدة، وقال لا يصلح أن يكون محرراً وهو مازال في سن صغيرة، بل سنعينه مساعد محرر، إلا ان راشد عبدالله رفض وتم تعييني محرراً.

وبالفعل اشتغلت في جريدة الاتحاد في العدد 25 وحررت الصفحة الثقافية، والحقيقة ان الجريدة صدرت في البداية في اكتوبر عام 1969 بحجم التابلويد وبورق مقوٍ لايصلح مطلقا كورق للجرائد، وكان محررها الوحيد هو الصحافي اللبناني أدمون أسطا، وكانت تطبع في بيروت وتصدر يوم الخميس من كل اسبوع من خلال قسم في وزارة الإعلام، وكثيرا ما نتأخر عن الوصول في موعدها المحدد او تأتي وهي مليئة بالاخطاء المطبعية، واعتمدت في تلك الفترة على نشر الاخبار المحلية بجانب بعض المقالات والقصائد وظللت فترة هكذا.

وعندما حررت الصفحة الثقافية في الاتحاد في تلك الفترة، قابلتني صعوبات في اعداد صفحة كاملة مع عدم توفر مادة مناسبة، وتحايلت على ذلك بأن أكتب بنفسي القصة والشعر والتعليق، وجميعها بأسماء مستعارة، وأنواع أماكن الكتابة، مرة على الكورنيش وتارة على المقهى، ومرة اخرى في البيت وهكذا حتى اقنع نفسي بأنني لست شخصا واحدا، بل انني متعدد ويجب ان أذكر هنا دور الشيخ أحمد بن حامد رئيس دائرة الإعلام وقتها، وعبيد الطائي نائبه وهما اللذان حاولا بشكل كبير وبذلا الجهود من أجل ترسيخ دور الإعلام.

وبدأت دائرة الإعلام في بداية مستديرة على الكورنيش للشيخ خالد بن سلطان آل نهيان ثم انتقلت في بناية مقابل المهيري سنتر حاليا، ثم الى شارع المطار، ثم في شارع المرور.

نهضة صحافية

اذكر بعد عودتي من المدرسة كنت اذهب الى جريدة الاتحاد لأمارس عملي وفي عام 1972 تحولت الجريدة الى اسبوعية ثم يومية وتولى رئاسة تحريرها خالد محمد أحمد عام 1974 والحقيقة انه كان يعمل مع فريق من الاساتذة المصريين الذين تعلمت على أيديهم الكثير، وهؤلاء الصحافيون هم مصطفى شردي مدير التحرير وجمال بدوي وعباس الطرابيلي ومحمد النجار وسمير عبد المطلب وجمال أبو طالب، وقد أسسوا جريدة الاتحاد التي تطورت بشكل كبير حينذاك.

وتم تعييني عام 1978 نائباً لرئيس التحرير، ولم يكن موجوداً وقتها من الصحافيين المواطنين سوى محمد يوسف رئيس جمعية الصحافيين حاليا، والذي كان يعمل وقتها محررا صحافياً. وطبعت الاتحاد اليومية في مطبعة بن دسمال، وكانت في منطقة النادي في أبوظبي، وتبني خالد محمد أحمد طريقة الصف الالكتروني والكومبيوتر في مرحلة مبكرة جدا،

وذلك بعد أن اتبعت الجريدة طريقة التوضيب بالرصاص. ثم انتقلت جريدة الاتحاد إلى مبناها الجديد أمام نادي الجزيرة، وتحولت من قسم في وزارة الأعلام إلى مؤسسة الاتحاد للصحافة والنشر عام 1987م، ثم أصدرت الإمارات نيوز، ثم مجلة زهرة الخليج برئاسة عبلة النويس، ثم ماجد برئاسة أحمد عمر.

وفي عام 1980م عادت جريدة الخليج للصدور بعد أن توقفت فترة، بسبب تولي د. عبد الله عمران وزاره التربية والتعليم ثم وزيرا للعدل فيما بعد، وتعيين المرحوم تريم عمران سفيراً للإمارات في مصر، وشهدت الثمانينات نهضة صحافية وثقافية بصدور جريدة الخليج، ثم جريدة البيان، وفي تلك الفترة أيضا شهدنا نهضة أخرى على صعيد جمعيات النفع العام مثل ظهور اتحاد كتاب وأدباء الإمارات.

وظهرت جريدة صوت الأمة والوثبة، وظهرت جرائد أخرى ثم اختفت، وتعددت أسباب منع صدورها، اما لأسباب سياسية، أو تجاوز قانون المطبوعات، وغيرها. كما ظهرت جريدتا الفجر والوحدة في السبعينات، بعد صدور الاتحاد مباشرة، ورغم وجود منافسة هامشية بين الجرائد التي ظهرت في أبوظبي، إلا أن الاتحاد كانت أقوى جريدة في أبوظبي، من حيث الدعم، واستقطابها لكبار الصحافيين المصريين الذين شكلوا فريقاً متجانساً، ساهم في نجاح الجريدة، هؤلاء هم أيضاً الذين أسسوا جريدة الوفد المصرية وتناوبوا على رئاستها. ورغم وجود الكاتب والصحافي محمود السعدني في جريدة الفجر، إلا أن لتجربة الاتحاد شكل مختلف.

ظهور واختفاء

ويواصل الصايغ وتوقفت الوثبة وصوت الأمة واستمرت الوحدة والفجر، ثم ظهرت جريدة أخبار العرب بشراء ترخيص جريدة الوثبة. وأصدرت مجلة «أوراق» من لندن عام 1983، وهي مجلة ثقافية، وزعت في الوطن العربي وأوروبا، ثم نقلتها بعد عامين إلى أبوظبي فيما بعد، وبسبب عدم وجود دعم حكومي، توقفت المجلة.

تجربة الإذاعة

وبدأت إذاعة أبوظبي من خلال شقة في شارع حمدان، وكان بثها محدوداً، وكان محمد صوانا هو مدير برامج الإذاعة حينذاك، وعملت معهم، حيث ساهمت في برامج الشعر، وكانت الإذاعة بالنسبة لي وسيلة جيدة للانتشار حيث انني أعتمد على إلقاء الشعر بصوتي، وهذا أضمن أن يسمعه الناس دون أني يقرأوه في الجرائد بأخطاء مطبعية.

واعتمدنا ونحن صغار على سماع الإذاعة من خلال أجهزة الراديو الترانزيستور، ثم بدأت الناس تهتم بالتلفزيونات، في أوائل السبعينات، وكان تلفزيون أبوظبي في البداية يبث الحفلات الوطنية والأعراس، وأتذكر أن أتت أم كلثوم للغناء في أبوظبي عام 1973م، وقدمت حفلها على مسرح أحد الأندية آنذاك، وحضرت الناس جميعاً، ونقلها التلفزيون.

وأتذكر أنه عندما كان يسافر الشيخ زايد ويعود ثانية إلى أرض الوطن نذهب جميعاً لاستقباله في المطار، وكان يزورنا باستمرار في المدرسة، ونراه في السوق ويقف معنا ويسألنا عن أحوالنا، وكان يعرفنا جميعاً وبالاسم وعند قصر الحصن، تتواجد مقاعد يستقبل فيها الشيخ زايد الناس وفي الهواء الطلق، وكان الشيخ زايد حنوناً عطوفاً كريماً، يشعرنا جميعاً بأبوته لنا، وكان طموحه غير محدود، وكان يمتلك حلماً في رأسه يسعى إلى تحقيقه، فكان يتحدث إلينا ويسهب في الكلام، ليوضح ويشرح ويمهد للحلم الذي يسعى إلى تحقيقه لوطنه وشعبه، إلا أنه ومع مرور السنوات لم يعد يحتاج إلى ذلك، فمع الزمن بدأنا نرى حلمه وقد تحقق على أرض الواقع..

إيمان قنديل