لم تعد التجارة ركيزة لحديثها بقدر ما أخذتنا إلى فضاءات مجتمعية وتربية أسرية كانت رائدة في فترة الستينات، وكيف أنها استفادت من تلك المرحلة في تربية أبنائها، مفضلة القيام بهذا الدور على كثير من متطلباتها الشخصية، مؤكدة على أن الدور الأمومي تجاه الأولاد لا يعادله دور آخر من حيث أهميته بل وقدسيته، معبراً عن ذلك بقولها ان بناء الأسرة على أسس سليمة ما هو إلا نواة في بناء الأوطان، فلسفة استمدتها عن دراستها في جامعات أميركا، تلك الدراسة التي جاءت لتتوج وتبلور ما اكتسبته من خبرة تربوية على يد والديها.

أما الأهم في سيرتها فهو اطلاعها على روائع الأدب الغربي في مرحلة الثانوية، وشغفها بالعمل الإعلامي كأحد أمنياتها آنذاك، وعلى الرغم من تخصصها في دراسة التاريخ إلا أنها ظلت مواظبة على القراءة . بدايات الستينيات، وفي منطقة ديرة على خور دبي ولدت ثريا قمبر الخامسة في الترتيب بين الأخوة والأخوات، وعلى الرغم من الظروف المعيشية المتواضعة التي كانت سائدة آنذاك، إلا إنها وجدت نفسها في أجواء مترفة قياساً بما حولها، تقول: كان بيتنا مؤلف من طابقين، الأول مكون من عدة غرف يسكنها الخدم، ومجلس كبير دائما ما يعج بالزوار، ومطبخ وحمام، وساحة كبيرة كنا نلعب فيها. أما الطابق الثاني فقد كان يحتوي على خمس غرف ومجلس ومطبخ صغير وحمام لم يكن بيتنا هو الوحيد بين البيوت الذي بني على هذا الطراز، فقد كانت هناك بيوت أخرى تعود إلى تجار وأثرياء ووالدي كان تاجراً بكل معنى الكلمة، يعرف كيف يدير شؤون تجارته بحرفية بالغة كونه درس في الهند، وسافر إلى أوروبا والهند والبحرين، توفي والدي وأنا دون سن العاشرة، لكن لمساته الحانية مازالت عالقة في ذهني.

إضافة إلى حكايات والدتي التي لم تنقطع أبداً وهي تعدد صفاته وتذكرنا بشخصيته القوية، فقد كان متزوجاً من امرأتين احداهما والدتي، وأنجب أحد عشر ولداً وبنتاً، والجميع يسكن في بيت واحد، كانت لديه حنية وقدرة على ذرع المحبة بيننا، ولم يفرق في معاملته لنا أو يفضل أحدا على آخر. وهكذا أنشأنا أخوة وأخوات مترابطين ومتماسكين ولا فرق بين شقيق وأخ من الأب، وعلى أسس أخلاقية واجتماعية ربانا وعودنا والدنا، وهو المشهور له بالحكمة والرأي السديد، فقد كان يحل مشاكل العائلة، وكان يساعد الناس ومجلسه لا يخلو أبداً من الزوار، أما حنيته فقد كانت كبيرة، يستقبلنا بابتسامة وحضن دافئ عندما نعود من المدرسة، كان ينتظرنا عندما ننزل من باص المدرسة وسط غيرة من زميلاتي وصديقاتي وهن يتعجبن من تصرف والدي غير المعروف بالنسبة لهن.

طالبة مشاكسة... وتتذكر ثريا الألعاب التي كانت تمارسها في الصغر بقولها: الحق أننا لم نكن نخرج كثيراً من البيت، وكانت معظم ألعابنا نمارسها في باحة المنزل، واذكر ان وقتها لم يكن الرخام قد عرف طريقه إلى البيوت، غير أن والدي وضع بعضاً من مربعات السيراميك في باحة المنزل، وكنا نمارس عليها لعبة «الصقلة» وكانت ممتعة للغاية كون ان السيراميك يعطي حيوية للصقلة لان تتقافز إلى الأعلى مقارنة بالأرضية الترابية. أما خروجنا من المنزل فقد كان مرهوناً بحفلات الأعراس، وكنا نذهب مع الأمهات ونقتنص الفرصة لنلعب في الأزقة ولكن تحت أعين الكبار، لم نكن نذهب بعيداً عن جدران البيت الذي يقام فيه العرس، اما لعبة العرائس فقد كانت شائعة إلى حد كبير بين البنات، وكان والدي يحضر الألعاب والعرائس معه من الهند والبحرين.

وظل الحال على هذا المنوال إلى أن انتقلنا إلى بيتنا الجديد مقابل مستشفى المكتوم، وكان بيتنا هو الأول الذي يبنى في هذه المنطقة، وقد بناه والدي على الطراز الحديث، كنت طفلة صغيرة في تلك الأثناء.

وكنا نذهب عند المطوعة «أمنة» لنحفظ القرآن وكنا نجلس في حلقة صغيرة تضم الأولاد والبنات سوياً، غير أنني لم أستمر طويلاً في هذه المرحلة، فالتحقت بمدرسة الخنساء الابتدائية، واذكر ان المعلمات كن شديدات ويضربن اذا قصرنا في الواجبات، ولم يكن باستطاعتنا ان نشتكي، وإذا فعلنا فسوف يكون الضرب نصيبنا أيضاً من قبل الأهل، أما مرحلة المتوسط والثانوية فقد درستهما في مدرسة فاطمة الزهراء في منطقة بر دبي، وعلى عكس تحصيلي المتواضع في المرحلة الابتدائية.

فقد كنت ممتازة في مرحلتي المتوسط والثانوية، وفي هاتين المرحلتين بدأت معي هواية القراءة والاطلاع، وقرأت العديد من الروايات والقصص العالمية المترجمة لكتاب كبار أمثال «هوجو» و«تولستوي»، وهذا ما جعلني صاحبة أفق واسع إضافة إلى جرأتي الزائدة في مناقشة المعلمات دوناً عن بقية الطالبات، وأظن أنني في ذلك الوقت بدأت بالتفكير الجدي في خوض غمار التجربة الإعلامية، كنت أريد أن أصبح صحفية، وهذا الإحساس مازال يلازمني حتى الآن، فأنا قارئة نهمة وأحب الإطلاع.

مس «انترناشيونال»

انتهت الدراسة الثانوية وحصلت ثريا على الشهادة لتبدأ مرحلة جديدة ومغايرة في مسيرتها التعليمية، وعلى الرغم من معارضة والدتها لأن تكمل دراستها الجامعية، إلا أن القدر لعب لعبته أمام التحديات المجتمعية، تقول: لم تكن فكرة التعليم قد عمقت جذورها في الوسط الاجتماعي آنذاك، خصوصاً تعليم البنات، وأن تتعلم الفتاة حتى تحصل على الشهادة الثانوية فهذا كثير في نظر البعض، أما التعليم الجامعي فقد كان موجوداً، ولكن عند قليل من العائلات، وكان العائق أمام التعليم الجامعي متمثل في أمرين، إما لظروف مادية عند الشباب، وإما لفكر اجتماعي كان يقف أمام الفتيات.

خصوصاً وأن الجامعات لم تكن موجودة داخل الإمارات، وفكرة اغتراب الفتاة للدراسة كانت تجابه بالاعتراض ولكن حدث انني تزوجت من ابن عمتي فور انتهائي من الدراسة الثانوية، وكان هو يدرس في أميركا، لكن زياراته لنا لم تنقطع يوماً، بل اننا تربينا سوياً، وكان يتحاور معي باستمرار وتعجبه شخصيتي وقراءاتي المتعددة، والأهم أن رغبة والدي كانت قوية بان أتزوج أحد أبناء أخواته البنات.

كما كانت أيضاً أمنياته بان نكمل مسيرتنا التعليمية حتى النهاية، وخلاصة القول أنني تزوجت ابن عمتي وذهبت معه إلى أميركا، وهناك أتيحت لي الفرصة لأن التحق بجامعة «تولسا» في ولاية أوكلاهوما، وزوجي بطبيعته شخصية منفتحة يؤيد التعليم ويشجعه، ولا أخفي سراً إذا قلت بان التحاقي بالتعليم الجامعي في أميركا قد فتح الباب أمام شقيقتي فريدة وناريمان ليكملا تعليمهما الجامعي.

كان ذهابي إلى أميركا في عام 1974 نقلة نوعية في حياتي، فقد تبلورت شخصيتي وتعرفت على ثقافات مختلفة في جامعة تضم طلاباً من مختلف دول العالم، وفي السنة الأولى شاركت تحت إلحاح من زميلاتي في مسابقة تقيمها الجامعة كل عام، وتتضمن المسابقة مجموعة من الأسئلة في مختلف النواحي الفكرية والثقافية، وفزت وقتها بلقب «مس انترناشيونال».

وخلصت من دراستي في جامعة «تولسا» إلى أهمية الطرق التعليمية المتاحة هناك، والتي تفتح أمام الطالب أبواب البحث والمعرفة من خلال الأبحاث التي يقدمها، وعلى هذا النحو اكملت دراستي حتى حصلت على بكالوريوس في التاريخ، ومن خلال إقامتي في أميركا لفترة طويلة وصلت إلى عشر سنوات، أربع سنوات في أوكلاهوما، وست سنوات في كاليفورنيا، أستطيع أن أشهد بطيبة الشعب الأميركي وعفويته في التعامل مع الآخرين.

فقد كونت صداقات مع بنات البقالين وأصحاب المتاجر المختلفة في أوكلاهوما كونها مدينة صغيرة، غير أن تجربة الاغتراب كانت صعبة للغاية في بداياتها، فإضافة إلى صغر سني، فأنا ولأول مرة أبتعد عن والدتي وإخوتي وأقاربي، وأبتعد أيضاً عن البيئة التي احتضنتني، غير أن زوجي هون الكثير من متاعب الغربة وأولها التفكير في الأهل، فقد كان قريباً جداً مني ويساعدني في أعمال المنزل، وهذا ليس سراً، فأنا لم أدخل المطبخ أبداً في بيئتنا، ولا أعرف من شؤونه شيئاً، وهو بحكم اغترابه فقد كان يجيد الطبخ بصورة ممتازة، وهو الذي علمني فنون المطبخ، إضافة إلى تعاونه التام في تربية أولادنا أمير ونجلاء وشيماء الذين ولدوا في تلك الفترة.

سيدة أعمال

بعد عشر سنوات من الاغتراب عادت ثريا قمبر إلى أرض الوطن لتقيم في أبوظبي حيث يعمل زوجها في إحدى شركات البترول، وعن هذه المرحلة الجديدة في حياتها تقول: بعد عودتي إلى الإمارات فضلت أن أتفرع تماماً لتربية أولادي، ولم أهتم أو أفكر أبداً في العمل، فأنا مؤمنة تماماً بأن تربية الأولاد مهمة واجبة على الأهل، وكما ربتنا والدتنا وأحسنت في ذلك، فقد وجدت نفسي أسير على نفس المنهج، وقناعتي بأن الطفل بحاجة إلى رعاية من الأب والأم حتى يشب متكاملاً في التربية.

ومثلما رفضت والدتي أن توكل إلى الخادمة مهمة تربيتنا، فأنا كذلك ودائماً ما أضع مسافة بين الخادمات وأطفالي وأوكل إليهم مهمة التنظيف فقط، حتى عملية ترتيب المنزل فأنا التي أشرف عليها، لكن و في نفس الوقت كان هناك هاجس يراودني دائماً، وهو أن أفتتح عدة مشاريع تجارية بعد أن يكبر الأولاد، لأنني أيضاً مؤمنة بأن الإنسان رجلاً كان أو امرأة، لابد أن يعمل وألا يكون عالة على المجتمع، وكما هي تربية الأولاد مهمة عظيمة، فالعمل أيضاً فعل إنساني محل تقدير.

وبعد سنوات قضيناها في أبوظبي عدنا إلى دبي وانتظرت حتى كبر الأولاد، لأشرع في أول مشروع تجاري بافتتاح بوتيك للملابس باسم «ياسمين» و كان المشروع بشركة مع صديقة الدراسة هناء اليافي، وهي صديقة تربطني بها علاقة قديمة وقوية، وكنا نحضر البضائع من أوروبا، وكنت أحب اسم ياسمين فأطلقته بعد ذلك على ابنتي الصغيرة آخر العنقود.

كانت شقيقتي ناريمان متفرغة من الأعباء الاجتماعية، وتعمل موظفة في أحد البنوك، ولمعرفتها بخبايا أسواق المال فقد تركنا لها مهمة الإشراف على مشاريعنا التجارية، ويحدث أحياناً أن تنشغل في عملها وتطلب مني أن أذهب لتخليص المعاملات في الدائرة الاقتصادية وفي الجهات الرسمية، كنت سعيدة للغاية وأنا أفعل ذلك بنفسي.

وهكذا وجدت نفسي أدخل هذا العالم وأتعلم شيئاً فشيئاً، إلا أن اقترحت عليهم أن أتسلم مهمة إدارة المكتب الخاص بمكائن الديزل، وقد رحبوا بالفكرة وشجعني زوجي وأولادي على هذه الخطوة، غير أنني لم أقدم على ذلك إلا بعد أن دخلت ياسمين المدرسة، ولم يأخذني العمل من مهمتي كأم، فأنا أوصلها بنفسي إلى المدرسة، ثم أذهب لأنجز أعمالي وأعود إليها لآخذها من المدرسة إلى البيت، كما أن شقيقاتها الأكبر يقومون بنفس الدور لو حدث أن غبت سويعات قليلة وهكذا وجدت نفسي في بداية مسيرة شهدت تكوين مجلس سيدات أعمال دبي بفكرة من فاطمة المري وأصبحت عضوة في هذا المجلس.

ثريا قمبر تحب المجوهرات الجميلة وتشتريها دون تردد، وفي المقابل لا تبدل سيارتها إلا قليلاً، أول سيارة قادتها كانت لاندروفر خاصة بوالدها في نهاية الستينات، أما أول سيارة اقتنتها فقد كانت مرسيدس وحصلت على رخصة القيادة من أميركا، تهوى القراءة وتمارسها في أوقات الفراغ، وتمارس رياضة اليوجا، لا تشاهد التلفزيون إلا أيام الخميس وتحب الأفلام العربية القديمة، أغاني عبدالحليم تعيدها إلى الذكريات الجميلة.

والدة صبورة ومثال يحتذى

لعلنا نلمح في مسيرة سيدة الأعمال ثريا قمبر عطاءها غير المحدود لأسرتها وأولادها، وحرصها على تربيتهم والتفرغ لهم على حساب متطلباتها الشخصية، لهذا كان لابد من شهادة تفسح فيها المجال أمام الأبناء ليعبروا عن مردودهم لهذا العطاء، وكيف يقيمونه، وفي هذا الصدد تقول نجلاء العوضي:

من المؤكد أن شهادتي في حق والدتي ستكون مجروحة وأنا أريد أن أوفيها ولو بعض من دينها الذي يطوق رقبتي، منذ تعلمنا منها المبادئ والأخلاق الحميدة، والإيمان بالله حق الإيمان، ووالدتي صبورة جداً وخلوقة إلى أبعد حد، لديها ابتسامة جميلة أمام التحديات التي تواجهها، وأنا أعتبرها نموذجاً للمرأة الإماراتية ومثالاً يحتذى به، سواء على مستوى تحصيلها الدراسي كواحدة من أوائل الإماراتيات اللاتي أكملن دراستهن الجامعية، وفي أميركا على وجه الخصوص بالنسبة لوالدتي، أو على المستوى الأسري بإشرافها الكامل على تربية أولادها وتنشئتهم على أسس صحيحة.

وقد فضلت هذا الدور الإنساني والأسري على كثير من الأمور الأخرى، فتربية الطفل أهم شيء عندها، ونعمة من الله أن للمرء أم تهتم به وتفني حياتها من أجله، وأنا أعتبر نفسي محظوظة بأمي التي اعتبرها صديقتي الأولى، أستأنس برأيها وآخذ به، وهي أيضا تستشيرنا في بعض الأمور، وبشكل عام أنا تعلمت كثيراً من تجربة أهلي، وأتمنى أن أرد لهم الجميل بالعمل والأفعال وليس الكلام، ومع أن تجربة والدتي في مجال الأعمال قريبة جداً إلا أنها خرجت بشكل قوي، يدفعها إلى النجاح طموحها الكبير وقدرتها على التحدي.

هناء اليافي تقول: تربطني بثريا صداقة عمر تعود إلى أيام الدراسة، وهي أخت وصديقة عزيزة قل أن يجد المرء مثلها في أخلاقها وحبها للناس، فهي طيبة للغاية وتساعد الآخرين في حدود امكانياتها، وقد جمعتني بها علاقة عمل أيضا حيث افتتحنا سوياً محل ملابس جاهزة، واستمرينا 18 سنة دون أن نختلف ولو لمرة واحدة، وما زلنا حتى الآن على تواصل مستمر وزيارات متبادلة وبالنسبة لعملي معها فقد اقتربت منها أكثر وتوطدت علاقتنا إلى درجة كبيرة عكس ما كان متوقع ممن حولنا أننا سنختلف ما دمنا قد دخلنا في شراكة.

واعتقد أن سبب نجاح صداقتنا واستمرارها طوال هذه الفترة، أن ثريا بطبعها إنسانة خلوقة وطيبة، وبشوشة وصاحبة ابتسامة جميلة حتى وان كانت تمر بظروف صعبة، وأنا أجلس معها أكثر مما أجلس مع أهلي، وإذا لم أرها ليوم أو يومين نكون على اتصال هاتفي دائما، ونحن نستشير بعضنا البعض في أمورنا العملية والاجتماعية وغالبا ما يكون رأيها صائبا، فهي أيضا صاحبة تجربة حياتية وتعليمية تؤهلها لأن تكون امرأة متزنة في آرائها وتوجهاتها، ومن كل قلبي أتمنى لها مزيداً من النجاح والتوفيق.

عزالدين الأسواني