على الإنسان أن يزن كلمته قبل أن يقولها. الشيخ زايد كان ينصحنا دائما، الإنسان سفير بلاده اينما حل وارتحل لاتنسوا هذا ، حين يلقي أحدكم بكلمة من الصعب أن يستردها فاحرصوا على أن تكون كلماتكم موزونة، فالإنسان مسؤول عما يقوله فانتقوا ماتقولون بتؤدة وهدوء وحكمة .

الحمد لله الذي انعم علينا بنعمة الإسلام ، انا مولود في منطقة هيلي في مدينة العين ، هكذا يبدأ حديثه معنا ، بجانب محطة البترول الموجودة حاليا بنفس المنطقة ، كنا في وقت القيظ نقضي الوقت في هيلي ، وفي الشتاء وحين يظهر الربيع الاصفري كما نسميه نبدأ نتحرك ونرحل مع أهالينا إلى مساكن محيير والى الهير، والعرب والبدوان كانوا متواصلين يتعارفون ويتزاورون، فيقضون القيظ اي فترة الصيف في البلاد والشتاء في المناطق المجاورة ( البر ).

اليوم اصبحت الأمور متيسرة أكثر، رحم الله الشيخ زايد طيب الله ثراه العرب أصبحت متواصلة أكثر ، ولدت في منطقة هيلي وحين كنت صغيرا تعلمت عندرجل طيب كنا نسميه المطوع صياح الشيوخ الله يرحمهم كانوا قد أناطوا إليه مهمة تعليم الأولاد القراءة والكتابة وتحفيظ وقراءة القرآن .

حين بلغت سن الرابعة عشرة او الخامسة عشرة دخلت في تلك الأيام شركات النفط في المنطقة اي في العين ، هذا الكلام قبل أن يتولى المرحوم الشيخ زايد الحكم ، شركات أجنبية مثل شركة بيبي وغيرها منها كانت هنا وغيرها مندوبيها يجوبون من جبل الظنة إلى جزيرة داس إلى ابوظبي والعين ، وأغلبية الناس سواء هنا في العين وضواحيها او في ابوظبي سمعت بوجود هذه الشركات وسمعوا من بعضهم البعض انها تود ان تشغل ناسا في عمليات البحث عن البترول، والناس اغلبهم توجه إلى مواقع هذه الشركات كان اغلبهم يدور العيشة اللي منهم داخل شرطة واللي منهم داخل شركات ، هذه مجالات كسب الرزق التي كانت متاحة ، اتكلم عن فترة سنة 1963 - 4691م ، كان يطلق عليها شركات بيبي الاول ، نحن كنا صغار كنا قد درسنا عند المطوع وتعلمنا القراءة والكتابة والحساب.

التريننغ سنتر

ذهبنا إلى جزيرة داس ، فحصلنا هناك كثيرا من الناس منهم من هيلي ومنهم من أهالي العين ومن اهير والبدوان من مختلف المناطق قصدوا جزيرة داس ومنهم من كان في جبل الظنة للعمل في البترول وكنا من ضمنهم . اشتغلت مدة من الزمن كطالب في الشركة في مكان يسمونة (تريننغ سنتر مدرسة ديلي) كانوا يدربوننا فيه، ثم رجعونا إلى ابوظبي بعد أن قضينا مدة في داس، كنا نداوم في شارع الشيخ خليفة كان المكان عبارة عن مجموعة عرش من سعف النخيل والسوق القديم كان بمحاذاتنا نفسه الذي يجددونه الان هذه كانت ابوظبي في تلك الأيام، كنا ندرس والشركة هي التي اوفدتنا إلى مركز التدريب هذا في ابوظبي.

وكان معي من الجماعة الله يذكرهم بالخير اذكر من الذين كانوا معنا في ذلك المركز مثل فرج بن حمودة، واحمد بدر الهاملي وكنا من الطلبة الذين اختارتهم الشركة للدراسة في هذا المركز بعد ان اجتزنا الاختبارات التي أجرتها لنا حين كنا في داس ، وقد تم اختيارنا على أساس اننا كنا شبابا متعلمين نقرأ ونكتب ووعدونا ان نستلم مناصب جيدة في الشركة.

كانت الشركة متعهدة ان تختار الطلبة ذوي المستوى الجيد لاستكمال الدراسة في مجال البترول ، حتى قبل ان نذهب إلى داس اجري لنا فحص ، وبعد ان قضينا مدة في آل (تريننغ سنتر) في داس اجري لنا فحص اخر على أساسه جئنا إلى ابوظبي . كانوا يريدون ان يرسلونا إلى البحرين لاستكمال الدراسة.

كانت دراستنا تتم باللغة الانجليزية وكانت عن كيفية تعاملنا مع معدات وأجهزة استخراج البترول وربما كنا من أوائل المواطنين الذين انتظموا في تلك الدراسة باللغة الانجليزية في المرحلة المبكرة من بدايات تكوين دولة الإمارات وهذا الكلام في الستينات اي قبل قيام دولة الإمارات . بعض الجماعة ممن اكملوا دراستهم ذهبوا إلى البحرين.

الالتحاق بالجيش

انا كنت قد قدمت يوم إجازتي إلى أهلي في العين لزيارتهم في هيلي ، كان الشيخ زايد رحمه الله قد اقترن بالشيخة فاطمة وكان قد اصدر رحمه الله في ذلك الوقت امرا بتشكيل جيش قوة دفاع ابوظبي ، فالذين كانوا في جيش بريطانيا جيش قوة كشافة ساحل عمان انتقلوا إلى الجيش الذي اسسه المرحوم الشيخ زايد مثل حياة سيف بن مية وبالعرطي وخليفة بن حاسوم ودخلوا الجيش الجديد فتطور الجيش، بعد ذلك حوالي سنة 1969م طلب الشيوخ من جميع أبناء القبائل للالتحاق بقوة دفاع ابوظبي الدفعة الأولى كانت من هل بالخيل ثم توالت الدفعات من العوامر.

وهكذا ثم بعد ان تخرجت من الدورة العسكرية عملت بعد فترة في الحرس الاميري وبعدها انتقلت مباشرة إلى الحرس الخاص وبقيت عند المرحوم الشيخ زايد منذ سنة 1971م وشهدت معه إعلان قيام دولة الاتحاد ومراسم رفع علم دولة الاتحاد في دبي والى ان رحل رحمه الله عن هذه الدنيا الفانية .

مدرسة الشيخ

وبعد ان كنا ندرس في مدارس الا ان مدرستنا الحقيقية كانت عند الشيخ زايد، المدرسة العملية التي تعلمنا الحكمة والجد والالتزام ، أحسن مدرسة علمتنا وحفظتنا كل ما يفيد هي جلسات مجلس الشيخ زايد ، الدروس والتوصيات لنا وللمجتمع ولجميع الناس سواء داخل الدولة او خارج الدولة ممن يريد ان يكون ناجحا في حياته.

كانت طريقته رحمه الله يجلس يكلم شخصا ما ويعطيه حكمة وكنا نحن وكل الحاضرين يستخلصون الحكمة مما قاله لذلك الشخص ، كانت له أمثلة كبيرة والإنسان الذي ( يتغذى ) منها يكون مثل الشجرة التي تسقى دائما بالماء تتغذى وتكبر إلى ان تصبح شجرة يانعة وتعطي الثمار.

كنا عنده من ضمن الحرس ، كنا معه رحمه الله واسكنه فسيح جناته اينما يتحرك نتحرك سواء داخل البلاد او خارجها، عند البدو او عند الحضر، صباحا ومساء وفي اي وقت وكان رحمه الله ليس لديه وقت معين يسوي مشروعا او يلوف أحدا ( يمر على ) او يوصل زائرا او يوصل مريضا او أحدا من ذوي الاحتياجات الخاصة .

كانت من ضمن الحكم التي تعلمناها منه كان يقول إن الشخص حكمته في لسانه في كلامه في منطقه، اذا خرجت الكلمة من اللسان لن ترجع ابدا وراحت عليه، لذلك اذا لم تكن موزونة قبل خروجها لن يفيد الندم ساعتئذ، الكلمة اللي انت تظهرها صوب اي جهة او شخص محسوبة عليك، سواء كانت موجهة لأحد أفراد عائلتك او جيرانك سواء خواصك القريبين او البعيدين فهي تبقى مسؤوليتك.

والمثل يقول لسانك حصانك ان صنته صانك وان هنته هانك، كان يوصينا رحمه الله على الحرص على اختيار الكلمات ووزنها بميزان العقل والمنطق والذوق قبل ان نتكلم، لانها سوف تؤثر عليه ومن ثم سوف يكون لها تبعات تؤثر على مسيرة حياته .

لم يكن يدرسنا بالكتاب والقلم والورقة ، بل كانت دروسه أعمق واشمل وكانت الأمثلة نشاهدها ونسمعها باهتمام شديد فالحكم التي كان يقولها لن تتكرر كما هي الأيام التي قضيناها بمعيته رحمه الله لن تتكرر والبركة في عياله الشيوخ صاحب السمو رئيس الدولة الشيخ خليفة وصاحب السمو الشيخ محمد وإخوانهم أصحاب السمو حكام الإمارات حفظهم الله.

كان يقول رحمه الله ان الإنسان الذي يستطيع ان يتحكم بكلامه يستطيع ان يتحكم بكل شئ في حياته، واذا لم يزن كلمته فلا يلومن الا نفسه.

الشيخ زايد كان يرانا كأننا عياله بالضبط، شعبه هم عياله، بهذا الشعور كان يخاطبنا، وكان يقولها دائما ( انتو عيالي ) ويرددها على مسامع الجميع بنبرة الاب الحنون والحريص على مصلحة عياله كل ابناء هذه البلاد في الدولة هم عيالي ، كان يقول لنا (اذا أنت ضويت وعيالك ماتعشوا انت بتتعشى) ، هل تستطيع ان تتعشى وعيالك جوعى، او جارك جائع او ربيعك، كيف انت تتعشى، انت اذا ماعطفت اولا على ذويك ثم على ذوي الحاجة وعلى عيالك وجيرانك ورباعتك ، بعيدك وقريبك ، فكيف ستتعامل مع الناس لو لم تعتني بكل هؤلاء .

اليوم وقد رحل رحمه الله إلى دار الخلود اتذكر كلما مر يوم كل كلمة من كلامه، كلما مررت بمكان كنا فيه يوما أتذكر كلماته وملاطفاته لمن حوله، اسير وأفكر فأجد معينا لاينضب من أجمل وأمتع الدروس التي مازلت اتمثلها في العديد من المواقف الحياتية التي تمر بي ، اقسم إني أحيانا وأنا أسير في الشارع فأتذكر حكمة من حكمه فاتوقف واتملاها مليا وأفكر فيها وكأنه معنا بروحه لم يفارقنا رحمه الله.

مثلا قوله لنا ان الشخص هو سفير لبلاده سواء داخل بلاده او خارجها، فكونوا سفراء قدوة لبلادكم، هكذا كان يوصينا، كان حريصا على سمعة بلاده وسمعة عياله ابناء هذا الوطن، وهذه التوصية والنظرة اتت اكلها، لذلك ترى نحن حين نسافر إلى ـالخارج إلى اي دولة من الدول شرقا وغربا شمالا وجنوبا ترى معاملة ابناء هذه الدول لابناء الإمارات معاملة تنم عن احترام وتقدير لانه قادم من دولة الإمارات ، لماذا، لأننا نحترم الجميع ونساعد الجميع ونتصرف بحكمة أسسها في الشخصية الإماراتية الشيخ زايد رحمه الله.

لذلك حين تخاطب اي إنسان في اي مكان ، في اي دولة ويعرف انك من الإمارات يعاملك معاملة طيبة على خلفية الأسس التي رسخها فينا الشيخ زايد. الله يرحمه هذه الثمار التي اينعت من البذور التي زرعها في أساس شخصية الفرد الإماراتي .

الحكومة الحمد لله لم تقصر في شئ سواء على أيام المرحوم الشيخ زايد واليوم في عهد الله يطول بعمره صاحب السمو الشيخ خليفة رئيس الدولة و صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد وإخوانهما حكام الإمارات والفريق اول سمو الشيخ محمد بن زايد جزاهم الله خيرا في حق مجتمعهم و اخوانهم وأصدقائهم القريب والبعيد والله يعطيهم الصلاح والسداد . لقد عملت مع المرحوم الشيخ زايد منذ شهر مارس سنة 1970م إلى يوم اختاره الله إلى جواره

يوم تاريخي

اما ابرز الذكريات التي لا يمكن ان أنساها فهو اليوم الذي تم فيه رفع علم دولة الإمارات لاول مرة في تاريخ دولتنا الحبيبة، وكنت شاهدا وحاضرا في دبي في ذلك اليوم عند الشيخ زايد والشيخ راشد رحمهما الله، كانت فرحة كبيرة ومشاعر لاتوصف، كان احدنا يمشي بعد انتهاء المراسم وكأنه طائر وليس ماشيا على الأرض، يمشي مجنحا لا اعرف كيف اعبر لك عنها ، يوم تاريخي بالفعل.

كما يقولون ، وهو بالفعل، أتذكره وكأنه حدث بالأمس القريب، من الحاضرين في ذلك اليوم كانوا أصحاب السمو شيوخ الإمارات ومهدي التاجر سفير الإمارات فيما بعد في بريطانيا وحمودة بن علي وغيرهم كثيرون وقد قام برفع العلم ذلك اليوم الشيخ زايد وكأني اراه يقوم برفع العلم ومشاعر الفرح والفخر والسعادة تملأ محياه وإخوانه حكام الإمارات والحاضرين في ذلك اليوم، بعد استعمار وتعب وظنك أشرقت شمس الاتحاد والاستقلال احسسنا بالأمان وبأشياء لم نكن نتوقع ان نراها يوما او نلمسها رأيناها ولمسناها عن قرب بفضل الله وكرمه وبفضل ذلك اليوم السعيد الذي نحتفل بذكرى مروره كل عام.

وهذا تتويج لما كان يدعو اليه الشيخ زايد رحمه الله وتشديده على ( العصبة ) والوحدة متمثلا حديثا للرسول الكريم بهذا المعنى والحمد لله رأينا الحلم أصبح واقعا وهاهو العالم كله يشهد ازدهار دولة أصبحت مثالا يحتذى في كل شئ فرحم الله المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم وإخوانهما الحكام رحم الله من غاب عنا وأمد الله في أعمار الموجودين ووفق الله صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي وإخوانهما حكام الإمارات والفريق اول سمو الشيخ محمد بن زايد ولي عهد ابوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة ووفق الله الجميع لما يحب ويرضى ان شاء الله .

عمار السنجري