ما الذي تضمره الأرض لنا، وما الذي يتربص بنا عند حافة السماء، بعد أن رفعنا ألسنة اللهب حتى تخومها، وأشعنا الاضطراب في المعادلة الدقيقة لمجالنا الحيوي ونحن نتنفس هواءه برئة ملوثة، ويد عمياء إنها أرضنا التي أعطتنا بسخاء، فتمادينا دون دراية، وأفرطنا دون حساب للغضب الذي يحتبس في عروقها، ودون اكتراث للأجيال القادمة التي لن نورثها سوى احتمالات الخراب، إن استمر استنزاف الأرض ومواردها على هذه الوتيرة.. بأسئلة كهذه توجه بينالي الشارقة في دورته الثامنة إلى الإنسان.. إلى بصره وبصيرته عبر مجموعة من الأعمال الفنية تصل إلى 80 عملاً لفنانين ينتمون إلى أكثر من 40 دولة جاءوا ليعرضوا في إمارة الشارقة نتاجاتهم الإبداعية ومقارباتهم الفنية لموضوع (البيئة). الذي يندرج تحت شعار الدورة الحالية (طبيعة صامتة: الفن والبيئة وسياسات التغيير).
وافتتح صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة، بينالي الشارقة 8، الذي تشرف عليه دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، في مركز اكسبو الشارقة، كما افتتح الشيخ عصام بن صقر القاسمي موقعا آخر للبينالي في منطقة التراث كما افتتح مواقع العروض في منطقة الفنون ومتحف الشارقة للفنون سمو الشيخ سلطان بن محمد بن سلطان القاسمي ولي عهد ونائب حاكم الشارقة، كما افتتح المعرض السنوي العام الـ 26 لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية، في متحف الشارقة للفن العربي المعاصر، وكان معرض الجمعية قد ضم تجارب 35 فناناً، من ضمنها معرضان فرديان لكل من ابتسام عبدالعزيز ومحمد يوسف، في حين حفلت ساحة الفنون بالعديد من عروض الأداء الحي والأعمال التركيبية وورش الأطفال التي يشرف عليها معهد الشارقة للفنون بالتعاون مع إدارة المتحف والبينالي.
زخم إبداعي كبير وعروض متنوعة، وغنية في مضامينها وسويتها، حفلت بها الشارقة التي شهدت يوماً فريداً من الفعاليات والتي انتهت بحفل العشاء وتوزيع الجوائز الذي حضره صاحب السمو حاكم الشارقة، في رواق الشارقة للفنون، وجمع من الشيوخ والضيوف، وحشد كبير من الفنانين والنقاد والجماهير، وقد منحت الجوائز لكل من الفنانة أمل قيناوي، ومجموعة الثلاثاء التي ضمت «بلال خبيز، فادي عبدالله، وليد صادق»، ومايكل راكوفيتش. كما قامت منظمة اليونسكو بالتعاون مع البينالي بتقديم جائزتين إحداها جائزة اليونسكو لتطوير الفنون والأخرى للمبدع الشاب في الفنون الرقمية وقد نالتها كل من ليدا عبدول، ولارا المرسيغي.
ويعد البينالي أحد الفعاليات الثقافية المهمة التي ربطت الإبداع بأبعاده الاجتماعية والإنسانية والفكرية، والتي انتهجها البينالي منذ انطلاقته عام1993، وصولاً إلى دورته الثامنة. ويتضمن برنامج البينالي عرض محاولات في الفن البصري والأفلام تتطرق إلى التحديات الاجتماعية والسياسية والبيئية المتنامية في العالم والأخطار المحدقة بنا.. محاولاً أن يلعب دور البؤرة المحركة أو المؤججة لهذا الحوار الدائر عالمياً في ظل هذه التحديات. كما عمد إلى تكليف بعض الفنانين بإنتاج أعمال تتناسب مع الموضوعات المطروحة في سياق البيئة المحلية لدولة الإمارات وهويتها الخاصة. وقد أشار هشام المظلوم المنسق العام للبينالي مدير إدارة الفنون إلى أن هذه الدورة هي تتويج لجميع الجهود المبذولة وتعبير عن التطور الثقافي والإبداعي التي استطاعت الشارقة أن تحققه بفضل دعم الحاكم المتواصل والذي جعل من الشارقة خياراً ثقافياً، وبسبب رئاسة سمو الشيخة حور القاسمي للبينالي والتي استطاعت أن تنقله من الحيز المحلي إلى الحيز العالمي.
فيما رأى جاك برسكيان مدير البينالي أن الجذر النظري للبينالي في هذه الدورة هو البيئة وعلاقتها بالفن والمجتمع وفي آلية التغيير التي يمكن التركيز عليها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وتعريف المتلقي في واقعنا بنوعية من الأعمال الفنية التي عكست الهموم الاجتماعية والإنسانية، خارج القراءة الأحادية، أو وجهات النظر المكرسة، وأن ننأى بطروحاتنا البصرية أو الفكرية عن مطب الشعارات مؤكدين أولاً على الشرط الإبداعي في خياراتنا وعلى نوعية من الأعمال ذات الطابع الإنساني الشامل، وعلى ارتباط المشروع بأبعاده الاجتماعية وبالنظر إلى خصوصية المنطقة وطبيعة المشكلات الخاصة بها.
جاءت خيارات القيمين على البينالي وهم محمد كاظم وإيفا شارير وجوناثان واتكنز، في سياق الاهتمام بموضوع البيئة، والمبادرة تحاول أن تكون فاعلة ومؤثرة في وجه الخطر المحدق والكوارث الناتجة عن استنزاف الموارد الطبيعية والتلوث البيئي وخلخلة التوازن الدقيق للبنية الطبيعة للأرض.
عروض البينالي والمعرض العام لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية وعروض الأفلام والندوات الفكرية، كلها تمثل صيغة ثقافية تحاول الشارقة أن ترسخها وأن تجعل منها حدثاً يومياً وليس مجرد تظاهرة عابرة.
إسماعيل الرفاعي



