تفتحت مداركه منذ البدايات على حب القراءة واللهاث وراء الجديد منذ تلك الطفولة الهادئة والهائجة وهجر مكان المولد مبكراً تقوده تلك اللهفة وذلك الفضول لما هو قادم وجديد، إلى عالم مشحون يتطلب المزيد من الحكمة والفضول، تنقل بين عمل وآخر وكأن جمر الجديد تفترش الأرض أينما حل، وبين إمارة وأخرى بين صحيفة وأخرى ويترك أثره بوضوح. عاش مأخوذاً بروعة الشعر يبحث عن قصيدته ولا يزال يبحث.
إنه الشاعر أحمد راشد ثاني، الذي عاش طفولته حتى حدود الثانوية في خورفكان وقبيل انهائه للمرحلة الثانوية تلك تركها متجها إلى أبوظبي بقصد العمل وعاد بعد فترة ليحصل على الشهادة الثانوية في خورفكان ويتجه إلى جامعة الإمارات في العين ولم تكن عودته بعد الجامعة الى بلدته إلا لفترة قصيرة. ويقول عن تلك المرحلة: لم تكن الحياة في تلك الفترة مشابهة لما هي عليه اليوم وبخاصة في خورفكان فأنا من جيل نشأ في الستينات من القرن الماضي حيث كان مولدي في بداية ذلك العقد، وكانت مظاهر التحديث متأخرة ولم نشهدها إلا في أواخر السبعينات، لذا فإن طفولتي واكبت الحياة القديمة للمنطقة في مجتمع تقليدي أي قبيل ما يسمى بالانفتاح.. ولخورفكان طبيعتها الخاصة فهي بحرية وتحيطها المزارع الواسعة ولهذا ترى سكانها مزارعين يعملون في البحر أو فلاحين يعملون في الزراعة وقد عشت حياتي في هذا المناخ وسط هذه المظاهر. وفيما يخص طفولتي كنت نشرت في فترة ما بالصحافة مادة طويلة عن تلك الطفولة والآن أعمل على اعادة ترتيب المادة لتخرج في كتاب فحواه تلك العلاقة الحميمة بين المكان وبيني.
التفتح في حي مختلف... ولو ذهبنا في التفاصيل قليلاً وتحدثنا عن ذلك الحي الذي عشت فيه تحضرني مشاهد كثيرة فهو حي جديد نسبياً من أحياء خورفكان ظهر ربما قبل ولادتي بعقد أو اثنين على الأكثر لذلك كنت أرى فيه توليفه جديدة من السكان انه حي المديفي، وكنا نعيش كأطفال مع الجميع، كل من في الجوار صغيرهم وكبيرهم هم رفاقك، حيث تبقى على تواصل دائم معهم، تواصل مع كل الحي، وبالتالي فالحي بكل مكوناته هو بالنسبة لك رفيق. وكأطفال نقضي أوقاتنا معاً في تلك المرحلة كان الشغف الطفولي منغرساً تماما في دواخلنا، وأتصور بأن الأشياء المؤثرة بي من تلك الأيام كثيرة، والشعر خصوصاً كان يمارس بشكل اعتيادي، إلا أنني وقعت تحت ظرف خاص يميزني عن بقية رفاقي، فوالدي كان من دبي وجاء إلى خورفكان وكانت قراءته أجود من كتابته وكان بحاراً وعندما كان يأتي يحضر معه بعضاً من الكتب والتي كانت بمثابة مكتبة القراء القدامى، كسيرة عنترة وفتوح الشام وتنبيه الغافلين وهذا ما كان يثير لدي الملاحظة، ووالدي بحد ذاته ملفت باهتماماته تلك فيكاد يكون الوحيد في الحي ممن يقرأون هذه الكتب.
إضافة إلى ان حينا الجديد كان متنوعاً بسكانه فلم تكن فيه قبيلة معينة أو عائلة معينة، فالناس قصدته من مناطق مختلفة وقبائل متعددة، فوالدتي على سبيل المثال من النقبيين والمزارعين فلم تكن لهم علاقة كبيرة بالمالد (احتفال بالمولد) ولم تكن لديهم علاقة حتى بالقصيدة النبطية فهم يمارسون شعرهم كمنتج عن طريق العمل أو الأداء الحركي الرديف وما شابه، فشعرهم جاء ضمن الفنون الشعبية وأنماط العمل فلا يوجد لديهم شعر مستقل أو شاعر مستقل. ووالدي يعرف المالد من دبي ويجد فيه مجالاً لهواه كقارئ، فالمالد له علاقة بالقراءة، فمثلاً في أساسه ديوان لعبدالرحيم البرعي وكانت بعض النساء من جيراننا تطلب منا قراءة بعض ما كنا نحفظ من تلك القصائد، فكانت لهم ارتباطات نفسية وجينية بهذه القراءات وبما أن الأسرة كانت تترك تربية الأولاد للعمل، فالأعمال بتنوعها كفيلة بتربية الأبناء، وهكذا كانت القناعات، فإن العمل مع البحارة يجعلنا نغني مثلهم، وأتصور أن تلك الفترة غنية فيما يخص علاقتي بالشعر لظروف الطفولة تلك.
مغادرون وقادمون جدد
بدأت التغيرات البطيئة تحدث في حينا وبدأ إحداث المدارس منذ بداية الستينات من القرن الماضي، ومن ثم بدأت التغيرات تجري بوضوح وبدأنا نلاحظ التطورات، وأذكر أن المدرسين بدأوا بالتوافد إلى حينا من بلدان عربية عديدة، وبدأ تداخلهم مع أهل الحي، وكنا نلاحظ كأطفال بعض الاختلاف بين أهل الحي وبين المدرسين بدءاً من نمط الغذاء واللباس إلى كثير من السلوكيات، وهؤلاء المدرسون هم في الغالب جاؤوا من مجتمعات مدنية.
وبدأ المدرسون بتبادل الزيارات مع أهالي الحي ليدخلوا بحكاية الحي، إنما كان هناك بعض الاختلافات بيننا وبينهم، وهذا ما يلفت ملاحظتنا كأطفال ويشغلنا، مما دعانا للتلصص عليهم في بعض الأحيان وأحببنا مرافقة أولادهم وتعقبهم وهم في واقع الحال مدرسونا فهناك مزيد من التواصل معهم داخل الصف وفي الحي على اعتبار أنهم جيراننا، ومن جانب آخر فقد ظهر النفط في مناطق خليجية مجاورة كالإحساء والكويت قبل أن يظهر لدينا وأصبحت تلك المناطق تستقطب الناس من أجل العمل، فكثير من أهلنا وجيراننا غادروا خورفكان للعمل في الكويت وفي بحر الخليج كوالدي والذي كان يعمل بالسفينة ما بين الإمارات والكويت ويعيش في الكويت، ومنهم من كان يعيش لوحده في الغربة ومنهم من كان يصطحب عائلته، وهؤلاء جيرانك تفتقد لهم وعندما يعودون في فصل الصيف من السنة كانت ترافقهم مظاهر جديدة علينا.
فهذا العائد إلى دياره في تلك الفترة التي كان فيها المجتمع مغلقاً إلى حد ما كان يُحدث لنا ما يشبه الصدمة، فبحضور أبنائهم الذين يدرسون في الكويت يحضر الاختلاف والتباين بين ما نفكر وما يفكرون وتحدث المواقف بدءاً من الهدايا التي يحضرونها إلى الحياة عموماً، فابن عمك الذي هو في جيلك والذي من المفترض أن تشاطره طريقة التفكير تكتشف بأنه يفكر بطريقة مختلفة تجاه أي شيء، وهناك أشياء بسيطة اليوم كانت تفاجأنا في حينها ومثالها أن ابن عمي كان يحدثني عن كرة القدم التي لم نكن نعرفها، وكنت أتأثر بهذا التباين إلى حد كبير وكانت هذه الظروف بحد ذاتها تفضي إلى مواقف عديدة لا تفارق ذاكرتي.
إغراءات القراءة
كنت أرى والدي يقرأ الشعر أينما حل وكانت ذاكرتي تكتنز تلك الأبيات بإيقاعاتها المتنوعة ومعانيها، وهذا كان له أثر بالغ في وضوح ميولي تجاه فن الشعر، إضافة إلى أن الظروف قد خدمتني، فعندما كان يذهب جيراننا من المدرسين في إجازاتهم الصيفية كانوا يرمون بكتبهم ومجلاتهم في الجوار بأزقة الحي، وكنت أقوم بجمع تلك الكتب واحضارها إلى منزلي، وهنا اكتسبت هواية جميلة تتمثل في جمع الكتب، وهذه العملية في النهاية تغري بالقراءة، فأصبحت أقرأ وأقضي ساعات طوال وبيدي الكتاب، خاصة وأنني وحيد لأسرتي ووالدي في سفر دائم، فكانت والدتي تخشى على ابنها من الخروج، لذا كنت أبقى في البيت ولا أخرج إلا للعمل، حيث كنت أذهب إلى الجبل أو أصيد مع البحارة أو في بعض الأحيان أهرب للعب، وفي الغالب أبقى في البيت مع تلك الكتب.
ويبدو لي أن هذه الظروف وأبرزها القراءة مهدت لبروز بذور الشعر لدي، فأثناء الدراسة كنت أقوم بتقليد بعض القصائد التي تعجبني وأحبها أو أسمع عنها من أحد، فكنت أحفظها وأعود لأنظم ما يشابهها.
من بين الأطفال العائدين من الكويت من كان يحب المسرح فأخذنا نشتغل مسرحاً ونقرأ بعض الأخبار عبر إذاعة المدرسة للطلاب وأصبحت في تلك الفترة مرتبطاً بالشعر والمسرح والصحافة والآن يبدو لي وبعد أربعين عاماً من تلك الفترة بأنني ما زلت مرتبطاً بهذه المجالات الثلاثة، إلا أن أبرزها لدي هو الشعر، وبالطبع أجد الكتابة للمسرح ممتعة، وكنت قد كتبت الكثير من النصوص المسرحية طبعاً في فترة لاحقة، ومما أذكر أنني وزملائي المتأثرين بالمسرح في الكويت قد أحضرنا مسرحية قصيدة لتوفيق الحكيم وقمنا بأدائها على مسرح المدرسة، وذلك في بداية السبعينات. كنا نقرأ الأخبار لطابور المدرسة وكنت من يكتبها وزميلي يذيعها وهو الآن واحد من الكتّاب المسرحيين. وأذكر أننا أصدرنا في تلك الفترة ما يشبه المجلة المنشورة وبنسخ متعددة كنا نوزعها على الطلاب.
الهروب من خورفكان
وفي عام 1979 ولظروف كثيرة غادرت خورفكان هرباً إلى أبوظبي ومعي نص مسرحي كتبته في فترة سابقة وكنت أقصد العمل بالصحافة ولم أكن أدرك أنه صعب لهذه الدرجة، ولم أكن أعرف أحداً في أبوظبي، وبعد فترة تحمست جريدة الفجر لنشر المسرحية التي كانت بحوزتي والتي كانت بعنوان «جزيرة الواق الواق» وذلك على حلقات.
ثم قرر عبيد المزروعي تعييني كصحافي في الجريدة بعد نشر المسرحية ولم يكن أهلي علم بمكان وجودي وهنا حدث أغرب موقف ربما في حياتي والذي يشكل مفارقة كبيرة أو حتى نكتة لا تخلو من الطرافة الحياتية فعندما ذهبت لم أكن أريد من أهلي أن يعرفوا مكاني وذهبت للعمل في الجريدة حتى يعلم الجميع بمكان وجودي.
وعلى الفور جاءني الأهل وعدت معهم إلى خورفكان لأعمل من هناك وأكمل الثانوية، وتابعت من هناك الكتابة للصحيفة وبقيت في خورفكان عدة شهور فقط. وبعد فترة من العمل مع «الفجر» عملت في جريدة «الاتحاد» ومنها إلى «الأزمنة العربية» وذلك لمدة عامين وبهذه الفترة تعرفت على العمل الصحافي.
استمر أحمد راشد ثاني في نشاطه هذا أثناء الدراسة الجامعية وبعدها عمل مراسلاً لصحيفة «الخليج» حتى تخرج من الجامعة في عام 1985 وفي هذه الأثناء أي بعد التخرج من الجامعة عمل بشكل رسمي في الصحافة حيث أدار مكتب مجلة «أوراق» في الإمارات الشمالية من الشارقة لفترة قصيرة حيث انتقلت إلى جريدة «الخليج» وتحديداً إلى الملحق الثقافي فيها ليبقى فيها ما يقارب ثلاث سنوات.
ويبدو أنه في هذه الأثناء بدأ يشعر بأن الصحافة تتعبه مما دفعه للذهاب إلى خورفكان كي يقوم بتدريس اللغة العربية لعام واحد.
ثم ترك التعليم وسافر إلى المغرب ولم يبق هناك أكثر من عام وعاد إلى الإمارات ليعمل في دائرة الثقافة في الشارقة وكان لديهم في تلك الآونة مشروع إحداث مكتبتين في كل من كلبا وخورفكان. وأصبح أميناً لمكتبة خورفكان ثم مكتبة الشارقة وبقي في دائرة الثقافة في الشارقة إلى العام 1991 حيث انتقلت إلى المجمع الثقافي في أبوظبي وبالطبع كعادته تنقل داخل المجمع بين عدة أقسام بدأها بقسم متخصص بالمسرح ثم رئيساً لقسم الفنون وبعد ذلك جاء إلى المكتبة الوطنية وعمل فيها حتى أدار قسم النشر ليتم تفريغه للبحث في الثقافة الشعبية إلى فترة متأخرة.
النص المسرحي
من الواضح أن منطقتنا الإماراتية غنية بالفنون الشعبية والتقاليد الموسيقية وهي دائماً مرتبطة بالشعر فالتقاليد الموسيقية مرتبطة بالتقاليد الشعرية والتقاليد العربية للمنطقة موغلة في القدم وكانت تناقلها الناس شفاهة حتى العصر الحديث وللأسف فإن اليوم نكاد نفتقد رواتها، وهذا ما يدعو للتفكير في مسألة جمع منهجي للموسيقى (تنويت) وللشعر تدوين، وفي الحقيقة لم أر مثل هذه المشاريع حتى الآن.
وفيما يخص المسرح كان لأحمد راشد آل ثاني تجربة مهمة وإن لم تتعد حدود الاهتمام وبعض التجريب فكان ممن تابعوا الجيل الأول الذي بدأ في العمل المسرحي فالمسرح في الإمارات كما هو أيضاً جديد نسبياً، ويقول في هذا الجانب:
ظهرت في البداية بالأندية والمدرسة فكان النادي منذ بداية السبعينات موجهاً للرياضة والثقافة في آن واحد ففيه مكتبة وفيه مسرح فلم تكن الرياضة مفصولة عن الثقافة عموماً ولذلك فإن غالبية الرعيل الأول كانوا متحمسين للمسرح وبدأوا من داخل الأندية في نشاطهم المسرحي الذي قادتهم إليه بعض الأفكار القومية التي كانت ملتهبة، وهناك آخرون بدأوا المسرح متأثرين بمسرح الكويت من طلاب أو حتى عمال عادوا ليمثلوا ويقيموا مسرحاً كل بمشاركة مجموعته.
وكنا في حينها كجيل جديد نمتلك أفكاراً مغايرة فيما يخص المسرح، فهي أقرب إلى المسرح كفن في حين كان ذلك المسرح متأثراً بالفرجة. فظهر شكلان في المسرح أحد هذين الشكلين يقاد من أفكار معينة عبر منبر هو المسرح والشكل الآخر هو للمتعة أو لسعادة الفرجة.
عندما كنا في خورفكان وفي الجامعة قمنا بتكوين فرقة مسرحية وكان لهؤلاء الشباب أفكار مختلفة عن المسرح وحتى أفكار مختلفة تجاه المجتمع والحياة عموماً.
المؤسسات الثقافية تتعامل مع المسرح بشكل مختلف ولم تكن موجودة سابقاً لتتعامل مع الرعيل الأول الذي كافح وتفانى كثيراً فكان يبني مسرحه ويقيمه في آي مكان حتى ان بعض المسرحيين كانوا يعرضون في البيوت.
بعد ذلك مع جيلنا اختلفت الأمور فبدأ المخرجون الكبار يتوافدون من العالم العربي كصقر الرشود الذي أتى من الكويت وإبراهيم جلال من العراق وهناك أسماء مسرحية كبيرة، وبدأنا نرى المهرجانات المسرحية والفرق التدريبية والورشات الفنية وغيرها فأصبحت هناك نشاطات غنية ومتنوعة في العمل المسرحي. وفي الثمانينات سواء بالمتابعة الصحافية أو بمشاركتي في تكوين فرقتين مسرحيتين على الأقل كنت متحمساً للكتابة المسرحية وكتبت عدة نصوص مسرحية وتم عرض عدة مسرحيات لي في المسرح القومي وهناك عملان لم يقدر لهما العرض هما قفص مدغشقر وألعب وقول الستر.
الايقاع الشعري
في عام 1978 بدأت تتشكل للشاعر أحمد راشد ثاني ملامح التجربة الشعرية الخاصة والتي تندرج تحت مسمى الشعر العامي، يقول: أذكر أنه في تلك الفترة ومن بين جيراننا مدرس موسيقى وكنت أتردد عليه بشكل دائم ولم يكن لدينا أي مظهر من مظاهر التكنولوجيا الحالية، حتى ألعاب الأطفال لم نكن نعرفها، وكنت أسمع منه كلمات الأغاني، وأمعن التفكير فيها، وبدأت أقول القصيدة العامية عن عالم ومناخ خورفكان بالتفعيلة وعندما بدأت العلم بالصحافة بدأت أقرأ للناس هذه القصائد التي تراكمت لدي وكنت ألقى انطباعات جيدة من الناس فلم تكن قصائدي تقليدية وصدرت مجموعة قصائد هذه الفترة في دمشق.
واستمرت تجربتي هذه وفي الجامعة أصبح عالمي وأفقي أكثر انفتاحاً عما كنت أعيش من أجواء في القرية. وأصبحت أشارك في أمسيات وبدأ يعرفني الناس كشاعر عامية وبهذه الآونة بدأت ومجموعة من الشباب بكتابة قصيدة التفعيلة وهي فيما عدا بعض التجارب القليلة التي سبقتنا كانت تتسم بالجدة. وكنا كمن يرتكب جريمة عندما نكتب قصيدة التفعيلة والغريب أن قصيدة التفعيلة كانت محبوبة ومرغوبة وعندما نكتبها بالفصحى فأنت خارج عن القيم ومارق.
وفي منتصف الثمانينات وجدت نفسي أنفصل عن ذلك الجو الذي كان وقود القصيدة العامية والذي يتمثل بالعالم الكتابي الذي ملأ ذهني عبر قراءاتي وبارتباط القصيدة العامية بخطاب سياسي ما وفي تلك الفترة بدأت أدرك بأن الشعر ليس بحمال للخطابات، وأنني بإمكاني الكتابة حتى خارج التفعيلة، وهنا انقطعت عن القصيدة العامية. ولاحقاً بعد عشر سنوات من ذلك أصدرت مختارات من التجربة ككل وأقصد التجربة العامية والتي انحصرت بين أواخر السبعينات ومنتصف الثمانيات أو بعد ذلك بقليل وهذه المجموعة هي «يا لما كل خنيزي ويالخارف ذهب». ومن هنا بدأت أكتب ما يسمى بالقصيدة الجديدة وقصيدة النثر.
وفي منتصف التسعينات جمعت قصائد التفعيلة وأصدرتها بمجموعة ثم جمعت قصائد التفعيلة الفصحى في مجموعة: «جلوس الصباح على البحر». لم تصدر في السابق مجموعاتي الشعرية بانتظام لأسباب تتعلق بموقفي تجاه النشر والآن أوشك أن أنتظم في نشر ما أكتب.
ولدي مجموعة من القصائد تحت الطبع وهي بعنوان «فراشة ماء مجفف» وأخرى بعنوان «يأتي الليل» وهي مجموعة قصائد منتقاة مكتوبة منذ الثمانينات وحتى السنوات الأخيرة. ورأيت بأنها أقرب إلى الكتاب الشعري حيث يتم تقديم تجربة شعرية وليس مجموعة قصائد متفرقة مضمومة إلى بعضها، فما أنوي إصداره هو كتاب شعري يحوي تجربة ما.
زمالة في قاعات الدراسة والإلقاء
خالد البدور، عضو مجلس الإدارة في مجلس دبي الثقافي يقول عن تجربته مع الشاعر أحمد راشد ثاني التقيت أحمد راشد ثاني في أول أمسية شعرية أمام جمهور عام 1981 على ما أذكر في قاعة افريقيا بالشارقة. قرأ هو قصائد باللهجة العامية، وكانت مختلفة ومغايرة حيث إنها موزونة دون أن تكون نبطية تقليدية، بل نهجت نهج شعر (التفعيلة)، كما أن أغراضها لم تكن غزلية أو من شعر الفخر كما كان سائداً. كانت أشعاره ذات مسحة وطنية تتحدث عن الأرض والحنين للطفولة والبحث عن الأم التي لا تعرفه. لم تكن أشعاره العامية وقتها بعيدة عن تلك الأجواء لهذا ظهر أنه من الطبيعي أن تبدأ بيننا علاقة أدبية بشكل ما.
بعدها التقينا في قاعة المحاضرات في جامعة الإمارات وفي السكن الداخلي. بعد أشهر شاركني في تأسيس (فرقة المسرح الحر في الجامعة) مع أصدقاء آخرين. قدمت الفرقة أول أعمالها من أحد نصوص أحمد، بعدها رغبنا تقديم أنشطة ثقافية وأدبية وأن نصدر مجلة وغير ذلك.
وجمعتنا اللقاءات في غرف تحرير مجلة الأزمنة العربية وقاعات معارض الكتب، وبعد سنوات في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات. عديدة هي الأوقات التي جمعتنا ثم فرقتنا ثم جمعتنا.
التقينا في حب الشعر، وانتظار الأجمل الذي لم يأت بعد، وحلمنا بالشواطئ التي لم نزرها افترقنا بسبب المسافات، إلا أننا وعلى طاولات كافتيريا الجامعة تحدثنا طويلاً عن العرب الأوائل وفلاسفة الإسلام. تدارسنا في الليالي الطويلة في أشعار محمود درويش ونظرات أدونيس. بحثنا عما تركه الماجدي بن ظاهر وراشد الخضر في شعرنا النبطي من جواهر، وقلبنا أوراق فلاسفة وعشاق صوفيين وحكماء. كنا نرسم الأحلام التي لا تتحقق في أرض الواقع، لهذا لم نحب إلا نشيداً عزف الأمل ونفتح نوافذ الحرية بين سطور القصائد والأوراق والأمسيات، أشعار كتبناها ووزعناها على الصحف، تركنا منها صوراً شعرية على طاولات المقاهي ونثرناها لتحلق في الهواء مع تقلبات الفصول وتواتر السنين.
ما أستطيع قوله أن لهذا الكاتب صوتاً يستحق أن يسمع، ونتاجاً يستحق أن يتوقف عنده الناقد والمهتم بالشأن الأدبي والمسرحي والبحث في المأثور الشعبي والتاريخي في الإمارات. أتمنى أن تشجع هذه المشاركة على الالتفات لصوته وأصوات هذا الجيل الذي بدأت تختفي سماته وملامحه الأصيلة أمام فورة التحديث والتغيير السريع والمتلاحق.
قصي بدر



