هذه شخصية حفرت بصمتها في ذاكرة المجتمع الإماراتي والخليجي عامة، فعندما ظهرت الحركة الغنائية في الإمارات في بداية الخمسينات من القرن الماضي وتطلب الأمر تحديا تحملت ضمن عدد محدد مهمة تأسيس هذه الحركة وتثبيتها بالخصوصية بل إبرازها خليجيا وعربيا

فكان أحد الذين شكلوا الشخصية الفنية للأغنية الإماراتية بقالبها الحديث وجعل من أسلوبه في الغناء قمة في الأداء والإبداع كما شكل مع أصدقائه وزملائه الفنانين الآخرين مدرسة غنائية حديثة تجاوزت حدود الدولة إلى الدول الخليجية المجاورة ثم الانطلاق إلى القاهرة حيث كانت هناك تسجل معظم الأغاني في الاستوديوهات الحديثة، ثم بعد ذلك أسهم في وضع ألحانه لفنانين إماراتيين شكلت بدورها إضافة لمشواره الفني الذي اعتبره في وقت من الأوقات رسالة يؤديها لخدمة البلد في مجال الغناء والموسيقى، فالدولة في مرحلة تأسيس ولابد من إبراز تاريخها وظهور مبدعيها، وهكذا استمر في رحلته الطويلة مع عالم الغناء والموسيقى، وواصل ذلك في إذاعة وتلفزيون دبي مشرفا موسيقيا للإذاعة حتى أحيل إلى التقاعد والاستراحة من عناء الجهد والعمل بعد كل هذه السنوات الطويلة والذكريات التي لا تنسى، فضل أن يخلد إلى الراحة والتأمل في عمر انقضى وما قدم منه وما تبقى وكيف له أن يمضيه.

هذه قصة لم تكن من أساطير الخيال ولا هي من قصص الإبداع، بل هي حقيقة بطلها عبدالله حارب الرميثي يصور لنا رحلته الطويلة مع عالم الغناء والسنوات التي قضاها في عالم الشهرة والأضواء، ولحظة التأمل التي ألهمته اعتزال الغناء والابتعاد عن أجواء الصخب كما أطلق عليها، قصة يرويها بكل صدق وشفافية بلحظاتها وساعاتها وأيامها، وكيف انه يعيش اليوم مرتاح البال مطمئن النفس يسعى لوجه الله سبحانه وتعالى مفرغا نفسه من أهوائها وزلاتها، ومكرسا جل وقته لصلواته والتزامه بما يحب. من البداية تبدأ الحكاية. أحلام الغناء وفرقتهافي بداية الخمسينات من القرن الماضي تفتحت عيناي على بيوت متقاربة معظمها من البناء الشعبي القديم،

وعلى أناس يشكلون جميعا أسرة واحدة بتآخيهم ومساعدتهم لبعض، في هذا الحي القديم من أحياء دبي (الشندغة) نشأت وترعرعت بين أسرة مكونة من ام وأب ومن شقيقين احمد وهو اليوم لواء متقاعد وعبدالسلام ورتبته عقيد ومن شقيقة وأخرى من الأم، بدأت دراستي بمدرسة الشعب في الغبيبة الابتدائية والمتوسطة أكملتها في الاحمدية بديره، واستمرت حياتي في هذا الحي إلى فترة السبعينات من القرن الماضي حيث انتقلنا إلى الرفاعة بجوار منزل الشيخة شيخة بنت آل مكتوم ونعتبر نحن وأبناؤها إخوة بسبب العناية التي كنا نجدها منها ومن أبنائها الشيوخ احمد ومروان وبطي وسعيد، ثم انتقلنا بعد ذلك من الرفاعة إلى الجافلية وأخيرا استقر بنا الحال في منطقة الصفا.

وخلال مراحل هذا الانتقال كانت حياتي قد بدأت في التبلور وتتشكل إلى أن وجدت نفسي أهوى الغناء فعملت لنفسي عودا من صفيحة الزيت وخيط الصيد وبدأت ادندن على أصوات الفنانين الخليجيين القدامى، بعد ذلك تعلمت العزف على آلة الاكورديون إلى أن تعلمت العزف على آلة العود وأصبحت أتقنها تماما، وكان الوالد أيام شبابه يقدم المشاهد واللقطات الكوميدية وشكل ثنائيا مع بخيت الشيخ وله ذكريات مع كثر من زملائه وظل يقدم هذه المشاهد إلى أن توفاه الله، بعد ذلك وفي فترة الثمانينات وكان عمري حينذاك 20 عاما التحقت بوزارة الإعلام بدبي ضمن مجموعة من الزملاء وطلب منا أن نضع نواة لفرقة موسيقية تتبع الوزارة تعزف مع الفنانين المحليين او الذين تستضيفهم الدولة ومن الزملاء الذين انضموا لهذه الفرقة عيد الفرج على آلة العود وإبراهيم جمعة وسالم سيف وإبراهيم صالح على الإيقاع واحمد يوسف على آلة الكمان ومحمد احمد على الناي وسالم عثمان وإبراهيم السكار وأنا كمطربين، وقبل هذه الفترة كونت مع الصديق محمد نور فرقة موسيقية تحت اسم (فرقة الأحلام) وشاركت بالعزف مع الفنانين عبدالله بالخير وجابر جاسم وموزة سعيد ومنى مبارك والمنلوجست عبدالله مبارك، أما الفرقة الموسيقية الرسمية والتي تشكلت بوزارة الاعلام فقد عزفت مع كبار الفنانين الإماراتيين والخليجيين ومنهم طلاح مداح ومحمد عبده وعبدالكريم عبدالقادر ومصطفى احمد ورباب ومن العرب عزفت مع سميرة توفيق وغيرهم.

الغناء مع الكبار

عرفت الغناء قبل أن التحق بوزارة الاعلام وكنا نحيي حفلات أعراس الأصدقاء وفي الجلسات التي تجمع رفاق الحي او كما نطلق عليه (الفريج) لكن بعد ذلك وبعد أن أصبحنا من أصحاب الشهرة طلب منا أن نغني في المناسبات الرسمية واذكر أن أول حفل شاركت فيه مع مجموعة من الفنانين الخليجيين والعرب كان في عرس صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الذي استمر أسبوعاً وكان ذلك في زعبيل وشارك فيه محمد عبده وطلال مداح وعبدالمحسن المهنا وسميرة توفيق وغيرهم، كما شاركت بعد ذلك في حفل زواج سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم وهكذا توالت بعد ذلك المشاركات في الداخل والخارج وكنا نسافر إلى القاهرة لتسجيل أعمالنا هناك على احدث الأجهزة وخلال هذه الفترة سجلت أكثر من 50 أغنية لم اعد أحفظ منها شيئا، والحقيقة ان هذه الفترة تشكلت فيها ذكريات جميلة مع كثير من الأصدقاء وظهر العديد من الفنانين الإماراتيين اذكر منهم عبدالله حميد وجابر جاسم من ابوظبي وعلي بن روغة وإبراهيم الماس وسالم عثمان وإبراهيم السكار من رأس الخيمة وعيد الفرج من عجمان وموزة سعيد ومنى حمزة وعبدالله مبارك من دبي، وظهر أيضا في هذه الفترة من الأشقاء اليمنيين الفنان سالم بازياد وهو عازف العود الفنانة موزة سعيد وكان يغني من الأغاني اليمنية المشهورة.

الاعتزال أصعب قرار

سنوات مرت وأنا في هذا الهوس الذي شغلني كثيرا بأمور الدنيا كنت أعيش العمر وكأنه لحظات خاطفة لا تشعر بقيمة او طعم الحياة، سنون مرت وأنا انظر إلى نفسي وما الذي أقدمه للناس، حتى الدخل المادي الذي كان يصلني من ريع الحفلات وأشرطة الكاسيتات كنت انظر إليه وهو يطير في الهواء كالرماد لا اعرف متى استلمته ومتى أنفقته، وفي لحظة من لحظات العمر وقفت متسائلا لماذا أنا في هذا الخط، ولماذا لا أشعر كما يشعر غيري بحلاوة وطعم الحياة وبالطمأنينة والراحة؟ بل ما الذي يمنعني من تصحيح حياتي السابقة إن كانت خطأ؟ جملة تساؤلات أفقت من خلالها على اتخاذ قرار باعتزال الفن والابتعاد عن كل ما هو غناء وموسيقى، وقلت في نفسي كما دخلت مجال الفن والموسيقى بقرار من نفسك فليكن أيضا قرار الاعتزال من نفسك ودون رجعة فيه، وفعلا اعتزلت هذه المجال في التسعينات من القرن الماضي ولم أعد إليه إلا مرة واحدة في عام 2004 عندما طلب مني المستشار إبراهيم بوملحة أن أقوم بتلحين أنشودة عن القدس ينشدها الأطفال وتعرض في مسابقة جائزة القرآن الكريم، ولان هذا الخط يتواكب مع مسيرتي الجديدة ولانه عمل يصب في مصلحة الدين لبيت هذه الرغبة واعتقد أنها جاءت في مكانها الصحيح، بعد ذلك أخلدت للراحة والتفرغ للعبادة والصلاة ونبذت من حياتي كل ما هو ماض وبدأت في النظر إلى الحاضر وما يمكن أن أقوم به وكيف أصل إلى ما يرضاه الله وان أسهم في مساعدة الآخرين خاصة عندما يحتاج المسلم لأخيه المسلم في مد يد العون والمساعدة.

تركت قسماً للموسيقى بالإذاعة

من المحطات التي لازمتني في حياتي هي محطة العمل بوزارة الإعلام حيث ظللت أمارس عملي بإخلاص خاصة وانني أنشأت القسم الموسيقي بالإذاعة وعملت على إنشاء جيل جديد يحمل هذه المهمة والحمد لله انني تركت هذا القسم في أواخر 2005 وأنا مطمئن مستقر الحال، بل خلفت ورائي ذكريات طيبة مع مختلف العاملين في الوزارة او في الإذاعة والتلفزيون، واليوم أعيش بهدوء واستقرار وأتواصل مع الأصدقاء والزملاء بالخير فلم اقطع العلاقة او الاتصال وأتواصل مع الجميع بكل الحب والإخلاص، وحتى أكمل طريقي في خدمة الوطن ونرد شيئا من الوفاء لشيوخنا الأفاضل على رعايتهم ومساندتهم لنا، فقد أنشأت بالتعاون مع أبنائي مكتبا يختص في التدريب والاستشارات الإدارية وقمنا بعدة دورات في هذا المجال أهلنا خلالها الشباب المواطن في تحمل مسؤوليته، ونصيحتي لكل الشباب والشابات أن يستمروا في حياتهم من خلال العمل والاستفادة من خبرات وتجارب الآخرين، وعلى كل من يجد فيه موهبة جميلة ان ينميها بقراءة القرآن والأذان فهما أفضل الطرق للوصول إلى بر الأمان، إن الإنسان يشق طريقه في غالب الأحيان وهو أعمى البصيرة ولكن متى تفتحت عيناه على الحقيقة والواقع فسوف يجد أن الأمن والأمان والاستقرار هما من خلال الاستقامة والالتزام بالدين الإسلامي السمح.

جميل محسن