أقامت إدارة التراث التابعة لدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة ندوة حول رعاية وإبراز الحرف والصناعات الشعبية في دولة الامارات ومعرضاً ضم صور الحرفيين والحرفيات والمهن والصناعات الشعبية الإماراتية، كما ضم عرضاً حياً لبعض الحرف اليدوية، يؤكد أن الآباء لم يرموا أي جزء من شجرة النخيل، فإضافة إلى الطعام، صنعوا منها أدوات الصيد والحبال والبيوت وحتى الأحذية، كما يؤكد أهمية الحرف في تشكيل الهوية والتاريخ وارتباط ما هو مادي بما هو ثقافي، حيث تعد الحرف الشعبية واحدة من أهم الرموز المادية في التراث الشعبي للشعوب والأمم، فيما يمثله مخزونها المادي من دلالات وصور عن درجة التطور المادي والمعنوي الذي عاشته، إضافة لحجم وتطور الإبداع البشري والموهبة الإنسانية التطبيقية للموروث الشعبي، كونها بنيت على معرفة المادة وأسلوب التعامل معها وتشكيلها في خدمة الحاجات الأساسية للفرد، والتي بنيت أساسا على خاصية الإبداع عند الإنسان، فالحرفي قدر ما تغنيه التجربة والمعرفة بالأدوات والتصنيع، إلا أن الموهبة والإبداع تعدان من أهم أدوات عمله أيا كان من نسج أو طرق أو تشكيل، وهي كما تعتمد على الإبداع فالإيراث خاصية مهمة في توارثها وانتقالها عبر أجيال عديدة من حاملي الحرفة أو المشتغلين بها.

تمتاز الحرف اليدوية أو المهن الشعبية بخاصية مهمة وهي تماشيها التام مع بيئتها كونها الأساس والانطلاقة لها بما تعنيه هذه البيئة من مواد أولية وأدوات ومواد مصنعة، سواء كانت هذه البيئة بحرية أو جبلية أو زراعية، وذلك باختلاف ساكني هذه البيئات ونمط حياتهم وارتباطهم بالبيئات الداخلية والخارجية، وهي تتفاوت بتطور المنطقة وبعدها أو قربها مع الحضارات الأخرى المجاورة، ومدى التأثر والتبادل بينهما، كنتيجة طبيعية للتفاعل والتواصل يبن هذه الحضارات مجتمعة.

الحرف والمهن التقليدية في دولة الإمارات

أثبتت الآثار واللقى الأثرية وجود حضارات وأمم عاشت وتنقلت في المنطقة لأكثر من ثلاثة آلاف سنة، وهو ما أكدته المدافن والمدن التي وجدت في المنطقة، وأثبتها تصنيفات المنقبين وعلماء الآثار من بعثات أجنبية وغيرها، تنقلت ما بين مليحة وأم النار وباقي مناطق الدولة، أما حول تراث الدولة، والذي يمكن تناوله من بدايات القرن الماضي قد اعتمد على ثلاثة مكونات أساسية للبحث والتناول وهي الإسلام بما يمثله من عقيدة واخلاقيات وتربية، وثانياً العروبة بما تمثله من ترابط ومصالحة وتفاعل بين العادات والسلوكيات والأخلاقيات العربية الأصلية، وثالثا الغوص وهي مهنة 80% من سكان الإمارات ومنطقة الخليج العربي حتى نهايات الحرب العالمية الثانية، وهي المهنة التي تحدثت عنها ثلة كبيرة من العلماء كالمسعودي وابن بطوطة وغيرهما من الكتاب، كما شرحته الحضارات كالسومرية وحضارة دلمون وغيرها، مما يفسر الأهمية الكبرى لهذه المهنة في تشكيل سلوكيات وأدبيات ممارسي هذه المهنة كواحدة من أهم مهن البيئة البحرية إحدى البيئات الثلاث المكونة لمجتمع الإمارات وهي البحرية والزراعية والجبلية، ونحاول في هذا الطرح الموجز تناول كل بيئة البيئات الثلاث وحرفها المرتبطة بها.

الحرف والصناعات للبيئة البحرية (الحضر)

1 ـ صيد اللؤلؤ (الغوص):

الغوص أو صيد اللؤلؤ تعتبر مهنة أهل الحضر، وهي مهنة مارسها أبناء المنطقة منذ قدم التاريخ، دون تاريخ محدد، وذلك حتى اكتشاف النفط وحدوث ما يسمى بالطفرة النفطية ودخول الدولة عالم الصناعة والنهضة العمرانية والصناعية، وذلك في نهاية الثلاثينات من القرن الماضي، وقد شكل الغوص دخلا أساسيا للعائلة في الدولة، بما شكله والحرف والعمالة المرافقة له من عصب أساسي للحياة فيها، ويندرج تحت صيد اللؤلؤ مجموعة وظائف عديدة منها النوخذة (القبطان)، المجدمي، القعيده، الغيص، السيب، الرضيف، التباب ثم النهام، وهي مهنة تستهلك معظم الرجال في المنطقة لأكثر من ثلاثة أشهر من موسم الصيف وتشكل مصدر دخلهم الأساس للحياة والعيش حتى الموسم المقبل، أو المواسم القصيرة المتداخلة بين كل موسمين.

2ـ بناء السفن:

شكل بناء السفن كمهنة أساسية بدأت مع ارتياد الإنسان البحر مجموعة أهداف وذلك منذ الحضارات الأولى حتى يومنا هذا وإن اختلفت الأهداف، وفي الإمارات نشطت هذه المهنة وتخصصت في بناء السفن لثلاثة أغراض مهمة وهي الغوص وصيد السمك والسفر لغرض التجارة.

اعتمدت صناعة السفن في الإمارات على محورين أساسيين وهما العمالة ومواد صناعة السفن، أما صناعة السفن فقد قام بها عمال مهرة إما تعلموا الصنعة أو توارثوها من آبائهم وأجدادهم، وقد تخصصت فيها عائلات كثيرة، غلبت الحرفة على مسمياتهم الأصيلة فأصبحوا يسمون بها، ويطلق على صانع السفن (الجلاف) وجمعها (جلاليف)، أما المهنة فتسمى (الجلافة) أو القلافة، وتعتمد على جانبين أساسيين وهما المعرفة والإبداع، فالمعرفة هي العلم باستخدام أدوات القلافة كالجدوم والمنشار والجوبار والمنقر، إضافة لأنواع الأخشاب والحبال والكلف، أما الإبداع فهو تشكيل الخشب وثنيه وقطعه بما يتناسب وجسد السفينة من انحناءات وثنيات وغيرها من تشكيلات معقدة، لابد من توافر الموهبة والإبداع والمقدرة في تشكيلها.

صنعت معظم أدوات الجلاف محلياً، عدا البعض منها كالمنشار والمسامير، أما الأخشاب والحبال والكلف فقد جلب معظمها من بعض الدول المجاورة، مثل الهند التي شكلت أعلى نسبة في تصدير هذه المواد إلى الإمارات.

ارتبطت بصناعة السفن مجموعة صناعات مرادفة وضرورية منها صناعة المجاديف والأشرعة والصل (وهو زيت يستخرج من الحوت تدهن به السفن لمنع تسرب المياه إليها) وغيرها.

3ـ صيد السمك:

اختص بصيد السمك قديماً من لم يذهب للغوص بداية، وذلك للاستخدام المحلي، ثم تخصص بها بعد ظهور النفط صيادون محترفون لغرض التجارة والامتهان وسد حاجة المجتمع للأسماك سواء أكانت مستعملة للأكل أو كعلف حيواني أو سماد زراعي.

اعتمد صيد السمك كحرفة على مجموعة من الأدوات مثل الليخ (الشباك)، والقراقير (أو الدوباية وهي الشباك المصنعة من الأسلاك المعدنية) وأسلاك النايلون (وتستورد من الدول المجاورة) والبلود (أثقال الرصاص) والميادير، ولكل منها تخصص وحرفة، انتعشت مع تزايد المجتمع على السمك كغذاء أساسي، تطور وازداد عدد السكان، كنتيجة طبيعية للطفرة النفطية والاقتصادية.

الحرف والمهن للبيئة الصحراوية (البدو)

تعتبر البيئة الصحراوية أساس تكون أهل الإمارات، بما تعنيه من قبائل وعشائر وجماعات، استوطنت الصحراء وانتشرت بها بحثاً عن الماء والكلأ والحياة، ضمن نسيج قبلي متوازن ومتطور للدخول في بيئات ومجتمعات أخرى.

الصحراء بيئة قاسية وشحيحة في مصادرها وحرفها، التي ارتبطت وتفاعلت معها وبها ومنها الرعي كمهنة أولى وأساسية، لارتباطها باحتياجات البدو الغذائية من منتجات الألبان والدهن الحيواني واللحوم، كما ارتبط جز الصوف الحيواني وغزله من قبل المرأة البدوية بالمغزل اليدوي وخياطته، والقيام بمجموعة صناعات منه كالخيام والملابس والمفارش (البسط).

كذلك ساعد الرجل المرأة في غزل الصوف، وذلك لجاجته في صنع الحبال الصوفية المستخدمة لربط الخيال أو كلجام للخيل والجمال والحمير.

اتسمت البيئة البدوية بالاتساع وكذلك شح الموارد، مما حفز سكانها للاستفادة من الطبيعة وما تحويه، فجمعوا أغصان أشجار (السمر والغاف) المنتشرة على رؤوس الكثبان والوديان، واستخدموها لطهو طعامهم، وجمعوا نبات (الشام) كعلف حيواني وتاجروا به في المدينة لشراء حاجاياتهم من المواد الغذائية كالسكر والطحين والأرز، ولأن الحاجة أم الاختراع فقد دفن البدوي جمره المشتعل من شجر (الغاف) لفترة بسيطة وأعاد بيعه كمادة وقود عالية الجودة، في المدينة الساحلية التي شكلت المصدر الأساسي للمواد الغذائية غير المتوفرة في بيئته الصحراوية.

حرف ومهن البيئة الجبلية

تضم البيئة الجبلية في معظمها الجبال المتاخمة لسلسلة جبال عمان، ويقطن قبائل الشحوح الغالبية من هذه المناطق، وهي قبائل عربية تداخل في تكوينها الحس البدوي والجبلي، فسميت (البدا) كتمييز لهذه الخاصية.

مارس أهل المنطقة الرعي كحرفة أساسية، حيث رعوا الأغنام والمواشي في السفوح والمنحدرات الجبلية، واستخدموا منها منتجات الألبان من جبن وزبد وحليب، كما استفادوا من شعرها في صناعة المفارش والحبال الصوفية، إضافة لجمع عسل النحل من المناطق الجبلية المشهورة بمناحلها وعسلها.

ساعدت التربة الطينية (المدر) المتوافرة في مناطق الجبال على انتشار وانتعاش صناعة الفخار (البرامين) فصنعوا منها مجموعة من الأدوات والأواني الفخارية والمنزلية، مثل البرمة، الخرس، الحب، الكروة، المدخن....... الخ.

حرف ومهن البيئة الزراعية

اشتهرت بعض من إمارات الدولة ببيئة خصبة ومياه متوافرة، مما هيئ مناخ طبيعي للنشاط الزراعي لكافة أنواع المنتجات للاستخدام المحلي وخارج الإمارة.

المزارع (البيدار) من أول وأساس البيئة الزراعية، حيث يتكفل المزارع بالبذر والحرث والحصاد لمجمل منتوجاته الزراعية من خضروات وفواكه والقمح والشعير، كما شكلت زراعة النخيل مهنة أساسية ومهمة لكثير من مزارعي الدولة، التي أولت زراعة النخيل عناية خاصة ومكانة عالية، مما وضع دولة الإمارات في مصاف الدول الأكثر انتاجاً واهتماماً بزراعة النخيل في العالم، وذلك لجملة أسباب كثيرة أهمها تشعب وكثرة منافع النخلة كغذاء حيث يؤكل بسرها ورطبها وتمرها ودبسها، كما يستخدم ليفها لصنع الحبال، أما الخوص فقد برعت المرأة في الإمارات بتجديله وتسفيفه (السفافة) لكثير من الأدوات المنزلية (الجبه، المهفة، السمة، السرود، القفة، المبردة، المشب...الخ).

كما استخدمت دعون النخلة في أعمدة البيوت (العرشان) ومنها خرجت مهنة زفانة الدعون، والعديد من مزايا وفوائد النخلة التي لا تعد ولا تحصى فيما شملته من خير ورخاء ومنفعة مازالت مستمرة حتى يومنا هذا.

محمود أبو حامد