حين تتقاطع جغرافيا الروح وجغرافيا المكان، وتصبح الذاكرة آهلة بالأرض، والأوردة آهلة بأريج الأمكنة، بشلالاتها ووهادها، بجبال الثلج البيضاء وعباءة البحر المائجة، بليلك العشب ولازورد السماء، بالأحاديث المعلنة والمضمرة، بكل هذا وذاك حين يتقاطع الإنسان وأمه الأرض على مفارق الطرق ودروب السفر.. إنها رحلات وجولات ذكريات معتوق أمينة متحف الشارقة للفنون، حاضرة بتفاصيلها، بمائها وترابها وبطبائع الناس الطيبين الذين التقتهم أو مرت بها في جولات العمل أو برفقة العائلة... وفي حديث لا محطة له، وكتابة بلا فواصل أو علامات ترقيم، راحت تسرد سيرة السفر منذ طفولتها:

منذ طفولتي البعيدة، كنت أسافر بصحبة الأهل، إلى مناطق متعددة، إلا أن السفر في تلك الأيام لم يكن يتعدى مفهوم الإجازة أو العطلة، حيث لم يكن لنا حق الاختيار للمدن التي نزورها، لكنها كانت رحلة نقضيها مع الأهل لحظة بلحظة، ومن خلالها تعرفنا على بعض المناطق التي مازالت ماثلة في الذاكرة. بعد زواجي اتخذ موضوع السفر طابعا آخر، فقد صار لي حق اختيار المكان، حتى كانت لي الغلبة أحياناً في التخطيط للسفر واختيار الدولة التي نزورها، وكنت غالباً ما أميل إلى المدن والأماكن الهادئة البعيدة عن صخب المدن.

زرت العديد من المدن وتجولت في أريافها، وأكاد أقول بأنني زرت العالم في رحلات توزعت مابين الرحلات العائلية ورحلات العمل والتي أكسبتني الكثير من الخبرة وعمقت لدي بعض المعلومات والمعرفة من خلال زيارة المتاحف وتنظيم البرامج الثقافية مع الجهات الأخرى، تلك الرحلات أفادتني كثيرا على المستوى الوظيفي وأتاحت لي فرصة الإطلاع على الكثير من المتاحف والأنشطة الثقافية المتقدمة، وفي بعض الدول وجدت أن مستوى عملنا في المتاحف، أفضل بكثير مما لديهم، وهذا عزّز الثقة في نفسي، إلا أني اكتسبت بالمقابل خبرة مهمة من قبل العديد من الأشخاص الذين سبقونا في هذا المجال، ولا يمكن أن ننسى أهمية المتاحف في المدن، فالمتاحف تعكس ثقافات الشعوب وبالتالي يمكن اختصار رحلة إلى مدينة من خلال زيارة المتاحف، وباختصار تلك الزيارات أعطتنا ثقة وقدرة كبيرة على التحكم في الدقائق والثواني، وكيف أكون مسؤولة عن نفسي، وقد سافرت مع مجموعات ألتقي بهم للمرة الأولى، وكانت فرحة السفر لا تعوض، والإنسان أصدق ما يكون في السفر، دون رتوش، والأصدقاء الذين تعرفت عليهم خلال رحلاتي أصبح لدي ثقة كبيرة بأنهم من الأصدقاء الحقيقيين وأنهم أناس جيدون دون أدنى شك، فقد تعرفت عليهم في غمار رحلات العمل وفي بلاد غريبة، فتبين لي معدنهم الحقيقي.

السفر في المجال الوظيفي، يفقد الإنسان الجانب الخاص، الجانب الداخلي والحسي والعلاقة التي يمكن أن يبنيها الإنسان مع المكان. وفيما يتعلق بي فأنا أتعمد أن أُكّون ذكريات خاصة في كل بلد أزوره، فمعظم الأماكن التي أزورها كنت أحاول بناء تلك الصلة العميقة معها، وكوني ولدت في جزيرة فقد نشأت ومنذ طفولتي علاقة خاصة بيني وبين البحر، فحين أرى البحر أخرج من أية حالة أعيشها لأتماهى معه، فمعظم الدول التي أزورها أحرص أن تكون ساحلية أو حتى جزراً معزولة.. وهكذا زرت دول شرق آسيا كلها، أميركا وأوروبا كلها، ألمانيا إيطاليا، فرنسا، بلجيكا، الدانمرك، والعديد العديد من المدن، بلغاريا روسيا تركيا. وزرت مصر لبنان سوريا إيران.. وقد فاجأني في بلاد الشام رغم أنها بلاد واحدة إلا أن كل منطقة تختلف عن الأخرى اختلافاً كبيراً في جغرافيتها وطبائع الناس فيها.

خسرت صورة البندقية الحالمة

من أكثر الذكريات الحاضرة هي ذكرياتي مع فينيسا.. كنت أسمع دائماً بأنها أكثر منطقة رومانسية في العالم، وكنت حريصة على زيارتها ولو لمرة واحدة في حياتي، وقد كان في تلك الرحلة الكثير من العوائق والعراقيل لكنها لم تحل دون زيارتي، فقد أصررت على الزيارة رغم كل شي وقد كنا في رحلة عمل، والوقت غير مناسب فقد صادفت الرحلة في شهر يونيو، وأوروبا كلها بدأت تميل إلى الحرارة في ذلك الوقت، والمجموعة التي كانت برفقتي كانت تحبذ زيارة المدن الكبيرة، وكنت مصرة على اصطحابهم. وكنت أريد أن نعيش هذه اللحظات رغم أن حقائبنا قد ضاعت وألغي الحجز الفندقي، لكن الرغبة في التعرف على أكثر مدينة رومانسية وحالمة كانت أقوى بكثير من العوائق.

وحين وصلنا البندقية، ترى ماذا وجدت؟ لقد وجدت مدينة على النقيض تماماً مما تصورت، فقد كانت درجة الحرارة عالية جدا، ولم أشعر بها بالمطلق، لكنني تعلمت شيئاً هاماً وهو أن الشعور الرومانسي نحن الذي نخلقه، ونستطيع أن نعيش هذه المشاعر العميقة حتى ولو في الصحراء.. طالما توفرت الرفقة المناسبة والوقت المناسب.. لكنني حزينة لأن صورة البندقية قد تغيرت في ذاكرتي وخسرت صورة المدينة الساحرة الحالمة.

تمرد على 11 شهراً

على المستوى العائلي استفدت من هذه السفرات في صقل شخصية أولادي، أضع بعين الاعتبار أولادي أولا، أحاول اختيار أنسب الأماكن، زرعت في نفوسهم حب المعرفة لتقاليد الشعوب وعاداتهم، وثقافاتهم، وأصبحوا يلاحظون المختلف في عادات الشعوب في الملبس والمأكل وفي العادات ولتقاليد، صار لهم حيز في اختيار الأمكنة التي نزورها، وكنا نعيش اختياراتهم، حتى وإن كانت سيئة، تخطيط الرحلة جماعي، حتى صار لأولادي أصدقاء من جميع أنحاء العالم، يتواصلون معهم، كما غرست في نفوسهم حب القراءة وكنت حريصة على شراء مجموعة من الكتب يقرؤونها في السفر، وصار لديهم ملكة تقدير وتثمين الوقت.

وبالنسبة لي هناك وقت مخصص لي فقط، فقد قررت أن لا أقرأ أية جريدة أو مجلة أو أشاهد نشرة الأخبار، فهذا الشهر لي، وأنا معزولة تماماً عما يحدث في العالم الخارجي، فأي حادث بسيط أو خبر بسيط يمكن أن يعكر صفوي في هذه اللحظات الثمينة، ومن الطرائف أن العديد من الحوادث الكبرى قد حدثت دون أن اسمع بها إلا بعد عودتي، حروب أقيمت ومدن أزيلت وأنا في عالم آخر، فالسفر تغيير في عادتنا وأوقات نومنا ويقظتنا حتى أني لا أفرط بلحظة من اللحظات طالما أنا في هذه السانحة الجغرافية الجديدة. وما يحدث في شهر السفر هو أن نعمل ثورة على باقي أشهر السنة.. على شاطئ البحر أغمض عيني واستلقي لأنصت لصوت البحر ممزوجاً مع أصوات الناس ثم أعود في الليل لأنصت إلى صوته منفردا، وكأنه يخبرني عن أحاديث الناس وحكاياتهم.. أشرطة الموسيقى دائماً معي، ورغم عشقي للبحر إلا أنني لا أعرف السباحة وقد تعرضت للغرق أكثر من مرة وفي كل مرة كانت ابنتاي الصغيرتان تنقذانني وحدث معي نفس حكاية الراعي والذئب، ففي كل مرة كانوا يقتربون مني كنت أبعدهم عني بحجة أن يتركونني وشأني، حتى أصبحن لا يردن علي.

السفر منحني فرصة كبيرة لتقوية الروابط بيني وبين زوجي، فقد كان جو السفر ينعكس على نفسيتي بشكل كبير كنت أتحلل خلاله من جميع أعباء الحياة وأصبح قادرة أكثر على المنح وعلى العطاء، وما أشعره من سعادة داخلية كبيرة سرعان ما كان يغمر البيت كله.

مدن بيضاء

أجمل المدن التي زرتها النمسا وسويسرا، ولكنها ليست أحب الدول إلي، فالدول الأثيرة إلى نفسي ليس لها علاقة بجمال الجغرافيا.

ألمانيا هي الدولة الوحيدة التي عشت فيها أيام كانت فيها درجة الحرارة 20 درجة تحت الصفر، كانت تجربة جميلة للغاية وسيئة للغاية، فالمدينة كانت بيضاء بجمال طاغ إلا أنني افتقدت الألوان التي أعشقها بطبيعتي. لكنها محطة لن أنساها وكانت ضمن رحلة عمل بدورها.

أحب الدول إلى قلبي هي دول شرق آسيا بجزرها الهادئة وشعبها المسالم المضياف والودود رغم اختلاف العادات في كل شيء لكنك تشعر وكأنك في بلدك..

بعد تجوال في ثنايا الكلام وتفاصيل المشاعر التي كانت تنتاب ذكريات.. تتوقف برهة وتعود لتعترف بأن ما يحدث لها في لحظات السفر والمتعة التي يمكن أن تحوزها لا يمكن أن تعادل تلك الثواني القليلة التي تقترب فيها من الإمارات وترى أضواء مطار دبي من الأعلى.. تلك اللحظة، لحظة الإياب، لحظة العودة إلى حضن الإمارات هي أجمل وأثمن لحظات تشعر بها، فثمة حنين غريب يسحبها دائماً وعلى أية أرض تكون، حنين إلى الإمارات يزورها يوميا، وإن كانت في رحلة عمل قصيرة.. إنه الحنين الذي يربطك بجذرك وناسك ومائك وهوائك.. إنه معنى أن تكون لك مساحة متأصلة في الأرض تحمل نفس وأحلام وآلام ذويك.

إسماعيل الرفاعي