سوى الصوت لا نسمع، ذلك الصوت الرخيم بنبراته المتنوعة بين خافتة ومشتدة وبإيقاعاته المتسايرة وطبيعة المعطى الذي يحمله من معاني تنقلنا إلى عوالم مختلفة بين الواقع بحقائقه والخيال بسحر التجوال في أروقته. ونبقى مأخوذين به كصوت يقترن بجماليات البوح وحساسية الإلقاء، وهو يدغدغ مسامعنا دون استئذان على مدار الساعة، فنحرص بشدة على تلقفه عبر أثير الاذاعات سعياً للمعلومة في لبوسها المعهود من المتعة والتسلية.

سوى الصوت لا نسمع، ويتحرّض فينا الذهن لمزيد من التفاعل مع ما يحيط بنا، لمزيد من الرغبة في خوض مالا ينتهي من حوارات بدءا من حوارنا مع ذلك الصوت وانتهاء بحوارات تتداعى فيما بيننا كأفراد في مجتمع له مكوناته التي يدركها ذلك الصوت بخلفيته الفنية فيلقي وفراً من الظلال عليه تفضي برصانة إلى حالة من التواصل بين الإذاعة والمتلقي وبين المتلقين فيما بينهم.

نسمع ذلك الصوت من مذيع أو مذيعة، ونألفه، نتعود عليه، ننتظره والصبر يكاد ينفذ من كينونتنا، ونعشق في كثير من الأحيان. إلا أن فضولنا ولهثنا وراء المعلومة وتلذذنا بجماليات الصوت وغرقنا في هذا النمط من التواصل لا يحيلنا جميعاً إلى تخيل الأجواء التي يعيشها المذيع والتي تتم فيها التحضيرات المضنية من أجل تقديم المادة الإذاعية. هذه المادة التي تخضع لمزيد من المراحل وربما المعقدة حتى تخرج بشكلها المألوف وتتلقفها مسامعنا.

في الكواليس تلك، هناك خلية من العمل المترابط الذي يجري بتفاعل بالغ يسفر عن نتائج غاية في الأهمية. للمادة مصادرها وهناك من يحررها وينقحها إضافة لعناصر تقديمها من مخرج ومعد ومقدم ضمن دائرة من الإنتاج تحرص على آلية فنية ضمن تقنية عالية كفيلة بنجاح المهمة.

وأما البث الحي فيحتاج إلى جهد مضاعف ضمن حدود المسؤولية المعهودة في كافة البرامج المقدمة، فالتواصل الحي مع المتلقي يتطلب آلية عمل ذات طبيعة حساسة بين المخرج والمقدم لا تحتمل الخطأ بين أجهزة متعددة تبدو معقدة تحيط بالمذيع والمخرج ومن ينظم عملية التواصل بين المقدم ومن يتصل به من المتلقين. إنها عملية معقدة تدور ضمن جدران الاستوديوهات المغلقة لمقر إذاعة نور دبي، هذا المكان الحميم لصاحب الصوت الذي يأسرنا الرفيق الدائم لتحركاتنا التي لا تنتهي.

قصي بدر