خديجة المرزوقي إعلامية شقت طريقها بنجاح وسط أجواء تنافسية فرضتها كثرة المنابر الإعلامية المحلية والعربية في دبي واستطاعت خلال زمن قصير تأكيد حضورها عبر صوتها الإذاعي وأدائها وهي تحمل في نفسها هواجس فنية سينمائية كطموحات مستقبلية ترضي بها ميولا متأصلة وبعد تجربة في تقديم البرامج الإذاعية والتجوال المهني في كواليس الإذاعة أصبحت تدير إذاعة نور دبي منذ أن رأت النور لتنجح في الإدارة كذلك.
قالت المرزوقي عشت أجواء الفرجان بروعتها التي تسحرنا كأطفال فلم تكن الحياة بالتعقيدات التي نراها حالياً. كنا نتلهف للخروج من بيوتنا قبل مغيب الشمس للعب بالفريج، وننادي بعضنا بعضا في شوق لمزيد من الشقاوة والمتعة، وعندما أتذكر تلك المشاهد من طفولتي أشعر بحنين لتلك اللحظات من حياتنا البسيطة تلك، المتسمة بمزيد من الروعة والهدوء والسلاسة، لم نكن نعرف ألعاب اليوم بتنوعها الكبير، ولم تكن هناك ألعاب إلكترونية ولا سواها مما نراه اليوم مسيطراً على معظم أوقات الأطفال واليافعين، توارثنا في تلك المرحلة الألعاب البسيطة ممن يكبروننا سناً بفوارق زمنية بسيطة، وكثيراً ما كنا نبتكر ألعابنا التي تثير فينا الفرح، تلك الألعاب التي لا تحتاج منا سوى مزيد من الحيوية والاندفاع.
ففي سنوات الطفولة تلك كانت للحياة لذتها وجمالياتها بالرغم من بساطتها وغلبة نمط حياتي يكاد يكون وحيداً في تلك الأثناء، فالرابط العائلي عموماً كان أوضح بكثير مما هو عليه الزمن الحالي حيث كنت واخوتي أقرب إلى بعضنا مما نراه في العائلات حالياً، كانت لدينا الأوقات الكافية لنذهب سوياً في نزهات ورحلات ونعيش أجواء حميمة على رمال شواطئنا الدافئة، ونتفيء ظلال أشجار الحدائق القريبة من حيّنا، كان مفهوم العائلة أوضح بكثير مما هو عليه الآن، حيث بدأنا نفقد ذلك التواصل وأصبح لكل فرد في العائلة اهتماماته التي تفرض عليه ظروفاً معينة وتواصلاً محدوداً للغاية مما يفقدنا أجواءنا العائلية المعهودة.
وأثناء دراستي في المراحل الأولى لم أكن أشعر بغربة فكنت ورفاقي مجموعة تنتقل من مرحلة إلى أخرى منذ أن تلقيت تعليمي الابتدائي في مدرسة سلمى الأنصارية حتى وصولنا إلى ثانوية الراية التي بدأنا فيها نشعر بشيء من التغيير حيث تأتي البنات من مناطق مختلفة، ومن المفارقة التي أعيشها أنني كنت هادئة في طفولتي وقليلة الكلام وانتهى بي المطاف إعلامية ومذيعة، أثناء دراستها الجامعية بدأت تشعر بتغير في شخصيتها، فجامعة الإمارات في العين تفرض عليها البقاء مدة أسبوع خارج إطار الأسرة، ما دفعها للتعرف على الزملاء وتكوين بعض الصداقات في المكان الجديد، إضافة لاعتمادها على نفسها في كل شيء بعد أن كانت متظللة بمسؤولية الأسرة، تخصصت في الإذاعة والتلفزيون كدارسة أكاديمية وأثناء الدراسة أخذت بنصيحة أحد الأساتذة الذي شجعني على العمل مذيعة ولم يكن في بالي حينها أن أكون مذيعة فكنت أرغب بالعمل الإعلامي عموماً دون التركيز على هذه المهنة.
الفن السابع في أستراليا
بعد دراستي الجامعية وفترة قصيرة من العمل الإذاعي غادرت البلاد إلى أستراليا لدراسة الإعلام والفنون وأحصل على درجة الماستر، حيث حصلت على منحة «إعداد» من برنامج الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للدراسات العليا.
ضمن أولى اهتماماتي السينما وطموحي دراسة السينما مستقبلاً، حيث أشعر بقدرتي على وضع نص سينمائي جيد والعمل على إخراجه، لذا أرى في السينما مستقبلاً ومجالاً أوسع للإبداع وإطلاق مخيلتي بما تحمل من رؤى واحتمالات فنية.
ميولي السينمائية تقتصر على الأفلام الوثائقية التي تعبر عن واقع ما بحيثياته إضافة للبرامج القصيرة بما تحمل من معلومة ورسالة، وبالاستفادة من تحصيلي الأكاديمي أرغب في التوجه مستقبلاً إلى السينما والتلفزيون.
وفي ما يخص رؤيتي للنصوص السينمائية فهي نابعة من قراءاتي ومحاولاتي في الكتابة، فقد بدأت وأنا في استراليا بكتابة رواية وبالطبع ظروف العمل بعد عودتي حالت دون اتمامها فهي تحتاج إلى صبر ووقت طويل ناهيك عن بعض الحاجات في إعادة الصياغة، فالرواية «نفسها طويل».
غير أنني أكتب أيضاً القصة القصيرة تعبيراً عن مواقف أو لقطات حياتية، فالفكرة عندي وليدة اللحظة تظهر مع ولادة النص. كانت دراستي في استراليا فرصة كبيرة أغنت حياتي، فقد وجدت نفسي لوحدي في بلد غريب لم أكن أعرف فيه أحداً، وبدأت اعتمد على نفسي بكل التفاصيل الصغيرة والكبيرة، حيث اكتشفت هناك مزيداً من قدراتي، فاستطعت المحافظة على خصوصيتي من دون أن أكون معزولة عن محيطي هناك، فقد تعرفت على المجتمع هناك بثقافاته المتنوعة. وتبلورت استقلاليتي لأعيش في حياة ذات نمط مختلف تماماً عما كنت عليه.
الدخول إلى كواليس الإذاعة
بدأت المزروقي عملها المهني في إذاعة دبي إف إم، وهي جزء من دائرة إعلام دبي، وفيها مارست أعمالا عدة، تنقلت فيما بينها، فكانت مذيعة ومبرمجة في مرحلة معينة ومخرجة وإدارية، وكذلك في مكتبة الإذاعة، تعرفت وكونت خبرة بين وقت وآخر على كل تلك الأعمال في كواليس الإذاعة لتجد نفسها أقرب إلى مهنتها على الأثير.
مضى على عملي مذيعة ما يقارب ثلاث سنوات ونصف السنة، وأشعر بأننا في الإعلام نتطور مهنياً يوماً بعد يوم، فكل لحظة قادمة كفيلة بتقديم ما هو جديد.
وعملت بعد ذلك في صوت الأصالة مديرة برامج، وهناك العديد من الإذاعات المشابهة لبعضها، ولدبي إف إم، لذلك قمنا في صوت الأصالة باختيار ما هو جديد كمادة بشكل يتماشى مع الواقع والزمن المعاصر.
أما في إذاعة نور دبي فلم تكمل عامها الأول بعد، إلا أنها مسموعة بشكل واسع وهي ذات هوية واضحة أردناها اجتماعية برؤية إسلامية، وهي متنوعة اخترنا محاور برامجها في إطار ما هو عام وضروري لتلامس بأثيرها غالبية الناس على اختلاف اهتماماتهم وأعمارهم.
كذلك أردنا من برامجنا في بداية بث الإذاعة ان تكون تأسيسية تمهيداً لما هو أكثر تخصصاً، أردناها جاذبة وسلسة بقوالب معينة كي تلقى اهتماماً من المستمعين وتستقطب غالبية الناس، وما لاحظناه من ردود الأفعال الإيجابية وذلك الاهتمام الواسع بما تقدمه الإذاعة يعد مبرراً قوياً لاختصار المسافة التي كانت في خطتنا وبالتالي الانتقال لتقديم ما هو أعمق وأكثر تخصصاً.
برامج الإذاعة منذ انطلاقتها تعنى بكل نواحي الحياة فيما يلامس هموم الناس واهتماماتهم وتطلعاتهم لما يمتعهم عبر تنوع المحاور التي نعتمدها في طرحنا لأفكار البرامج وأنواعها والغاية منها، فهناك البرامج المباشرة عبر تواصل حي مع الناس من خلال تلقي مكالماتهم وسماع آراءهم ومشكلاتهم واقتراحاتهم وهناك برامج في الإذاعة محضرة ومعدة مسبقاً وأردنا من برامجنا كما ذكرت التوجه لكل التخصصات والاهتمامات من اقتصادية وتعليمية وشبابية واجتماعية ودينية وانسانية وصحية.
وما أسعدني حقاً تلك المبادرات من جهات رسمية لدعم البرامج والمشاركة بها في كثير من الأحيان. خصصنا جزءا كبيرا من اهتمامنا لشريحة مهمة من المجتمع واقصد هنا ذوي الاحتياجات الخاصة عبر برنامج يقدمه كفيف ترافقه مذيعة وأردناه مقدماً للبرنامج، يخاطب من خلاله ذوي الاحتياجات الخاصة لعمق شعوره بهم.
نقدم رسالة حضارية نرى نتائجها جلية في ردود أفعال أفراد المجتمع ونشعر بأننا قمنا بعمل رائع في حال غيرنا مسارات الناس في حياتهم باتجاهات أكثر إيجابية، غير أن متعتنا لا تضاهى حينما نكون سبباً عبر برامجنا على سبيل المثال في تأمين فرصة عمل لفرد من المجتمع.
ومما يسهل مهماتنا كإذاعة مقومات مذيعينا عبر إلمامهم المعرفي بأمور كثيرة وثقافتهم إضافة للشخصية التي يتمتعون بها من خلال الأسلوب المؤثر والأداء والصوت وسلامة النطق فيما يخص مخارج الحروف، وأرى أن من أبرز مقومات المذيع إضافة لما ذكرت سرعة البديهة والحيادية في مناقشة القضايا.
وبالطبع فإن مهمة الإذاعي تفوق في صعوبتها مهمة مذيع الشاشة فلا يصل المستمع سوى صوت الإعلامي المذيع أما سوى هذا، أي في التلفزيون فإن مؤثرات كثيرة تساعد المذيع كالإضاءة والديكور والشكل الذي يتمتع به المقدم.. الخ.
إدارة العمل الإذاعي تعتبر من المهمات الصعبة للغاية فمن الواجب معرفة كل مراحل العمل وترقبها لحظة بلحظة وأخذ القرارات المناسبة بالسرعة المطلوبة وتقييم أداء المذيعين وكذلك تطوير دورات البرامج التي تتغير بشكل دوري وتحديدها، ويبدو أن المرزوقي تفوقت إلى حد كبير فيما يخص محتوى الإذاعة وما تقدم فالصدى عند الناس يتسم بالرضى.
قصي بدر



