بدأت دراسة اللهجات في العصر الحديث على ايدي المستشرقين ضمن النشاط الكبير الذي قاموا به بحثا في احوال امم الشرق وتراثها وحضارتها..
وقد اخذ عدد من المستشرقين منذ القرن التاسع عشر يسجلون ويدرسون نماذج للهجات العربية في مناطق مختلفة من العالم العربي، وجاءت الدراسات اللهجية في انماط مختلفة فكان منها كتب المعاجم، ومنها الدراسات الوصفية، ومنها كتب تعليم اللغة للاجانب وكتب النصوص. ولكن رغم هذا الاهتمام الغربي باللهجات، لم تصادف لهجات الجزيرة العربية عناية كبيرة من قبل الدارسين حتى عصر النهضة الحديث، فقد كانت تقف امامهم في الماضي عقبات كثيرة، وقد انصب اهتمام المستشرقين اول الامر كما يشير الدكتور احمد محمد الضبيب في معرض تقديمه لكتاب المستشرق ت.م.جونستون دراسات في لهجات شرقي الجزيرة العربية الذي قام بتعريبه، بقي اهتمام اولئك المستشرقين على اطراف الجزيرة العربية فنشرت ابحاث تتناول لهجات اليمن وحضرموت والخليج العربي وان كان اغلبها لم يترجم على حد علمنا الى اللغة العربية.
تجاوب الطالبات مع الاستاذة ـ الم تصادفي صعوبات في هذا المجال الذي يمكن اعتباره حساسا بعض الشيء خاصة في مجتمعاتنا العربية؟ـ بالعكس لقيت كل التشجيع والمساعدة لاني كنت اقوم ببحث علمي وبالتالي اطبق المعايير العلمية المنهجية، مثل مسألة القياس وذلك عبر تطبيق معايير معينة على افراد هذا المجتمع من خلال تقسيم هذا المجتمع الى اجيال، حسب الفئات العمرية، وكنت بالفعل قد قسمتها فقلت لابدأ بداية مع الشباب، فهم الفئة الاكثر تعرضا لعوامل التأثير من المواقف الحياتية التي يواجهونها ومن خلال ذهابهم الى المدارس والجامعة وممارسة الدراسة والتعلم وتعاملهم مع الاجواء المحيطة بهم، اردت معرفة مدى تأثير هذه العوامل على مسألة (حديثهم بلهجتهم الخاصة بهم)، وبالفعل تجاوبت معي تلك الطالبة فطلبت منها ان تساعدني في اجراء حديث عادي مع زميلاتها وقد تفهمن الهدف العلمي البحت من الدراسة للهجتهن الخاصة، فقالت ربما يتحرجن من ذلك ، قلت اذن انسب شيء ان تقومي انت بذلك فيما بينكن وانتن جالسات في هدوء وحديث عادي كما قلت ولكن باللهجة الشحية الصرفة، كما طلبت منها ان تسجل بعض الاحاديث لاشخاص كبار في السن من ابائهن وامهاتهن، كان تجاوب الطالبات معي كبيرا، فسجلن وجلبن لي عدة اشرطة استفدت منها كثيرا في عملى البحثي الميداني، تشجعت اكثر فطلبت من الطالبة نفسها ان تساعدني في القيام بزيارة الى مناطق سكن ابناء هذه القبيلة من اهلها (والدها ووالدتها واخوانها واخواتها) وقد زرتهم بالفعل في منطقة غليلة والجير في رأس الخيمة.
وكان الرجال متفهمين جدا جدا لطبيعة عملي البحثي العلمي هذا، واحبوا مساعدتي بعد ان شرحت لهم طبيعة البحث اللغوي الذي اقوم به عن لهجة الشحوح ومدى مسؤوليتي بان اقدم عملا بحثيا علميا رصينا لا يغفل الجانب الميداني لذلك كانوا متحمسين للتعاون، فطلبت من الكبار في السن من الرجال ان يسجلوا لي بعض الاساطير والحكايات الشعبية التي يتميز بها الموروث الشفاهي الشحي الغني وباللهجة الشحية، هذه الحكايات هي التي افادتني اكثر في عملي البحثي. بعد ان حصلت على تلك التسجيلات، اتصلت بالدكتور كلايف هولز وهو من الاكاديميين المتخصصين المعدودين المهتمين بدراسة اللهجات في الجزيرة العربية، وكان هو الممتحن الخارجي لي في رسالة الدكتوراه التي حصلت عليها من جامعة لندن للدراسات الشرقية والافريقية، والممتحن الخارجي لي ايضا في هذا البحث الذي قدمته لجامعة اوكسفورد، وله العديد من المؤلفات القيمة عن لهجات الخليج فله كتابات عن اللهجة البحرانية والبحرينية ويكتب دائما عن دول الخليج وله كتاب مهم اسمه (العربية الخليجية)، وهو يتحدث العربية بطلاقة، المهم اهتم الدكتور هولز بموضوع بحثي هذا، وساعدني كثيرا بعد ان سافرت الى لندن لمقابلته واطلاعه على ما وصلت اليه في البحث، بعد العديد من المراسلات بيننا حيث ذكرت له انني انوي دراسة هذه اللهجة (الشحية) وعدم توفر المراجع اللازمة للبحث وما مدى امكانية الاطلاع على المراجع المتوفرة لديكم في مكتبة جامعة اوكسفورد.
قاموس جياك
بعد ان وصلت كان قد جهز لي مقالة واحدة لجياكر والاخرى لتومسون وهما من اوائل الذين كتبوا عن لهجة الشحوح، الاولى كتبت عام 1905م والثانية كتبت عام 1930م، وكنت قد أخذت معي الاشرطة التي سجلتها هنا مع مجموعة من ابناء الشحوح وحسب الفئات العمرية كما قلت، فقال لي هذا هو المختبر اللغوي عندك يمكن ان تستخدميه في جامعة اوكسفورد في مركز الدراسات الشرقية، والمكتبة الغنية المليئة باهم المراجع عن الدراسات الشرقية.
فقرات في البداية عن اللغات السامية لاني قلت ان هذه اللهجة لها علاقة باللغات السامية ولابد ان يكون لها مشابه في هذه اللغات، ولم يكن لدي اطلاع عميق عن اللغات السامية من قبل كوننا نعتقد ان اللغة العبرية هي لغة سامية هذا فقط ربما ماكنت اعرفه عن اللغات السامية، فاطلعت على عدة مراجع وقرأت الكثير منها، بل قمت بقراءة مسحية عن كل ماكتب عن اللغات واللهجات التي كانت موجودة في منطقة الجزيرة العربية،ثم بعدها رجعت حللت الاشرطة السمعية من الامارات، ودونت بعض المفردات التي وردت في هذه الاشرطة وغير موجودة في اللهجة المحلية.
ورجعت الى القاموس لبعض المفردات الشحية التي جمعها جياكر ودونها في بحثه المنشور وقال بان هذه اللهجات اصلها عربي وهذه اصلها كمزرية وكان هو اول من اطلق على اللهجة الشحية اللهجة الكمزارية وهذا غير صحيح، لان الكمزارية هي لهجة هجينة (كريول)، لها علاقة بالوجود الفارسي والبرتغالي في اقدم الازمان وتأثيراتهما هنا في منطقة ساحل عمان وبالذات في منطقة رؤوس الجبال، جياكر كان موظفا واعتقد انه كان ضابطا في شركة الهند الشرقية ارسلوه في يوم من الايام الى منطقة الخليج، حوالي سنة 1901 - 2091م.
فاجرى هذه الاستفسارات عن هذه اللهجة ونشر مقاله هذا في بومباي ماغازين، وكان قد لاحظ اثناء مروره بهذه السواحل فوجد هؤلاء الناس يتحدثون بهذه اللهجة فتحدث معهم، ثم مشى عنهم فوجد جماعة اخرى فتحدث معهم ايضا وكانت الجماعة الثانية هي مجموعة من الشحوح، فكتب مقاله السابق في انثروبولوجيا هذه القبيلة عن عاداتها وتقاليدها ولهجتها، ثم ذهب وحلل ودرس اللهجة من الناحية التاريخية وعلاقة هذه اللهجة باللغات السامية والاكتشافات الجغرافية للمنطقة وبشكل مسهب.
مختبر اكسفورد الصوتي
برجوعي للقاموس الذي وضعه جياكر وبما كنت اسمعه من الاشرطة التي سجلتها ودونتها وضعت قاموسا لبعض الكلمات تجاوزت المائة مفردة، وحاولت التوصل الى اصولها وجذورها، فقلت لابد ان اكتب تاريخي بشكل صحيح ولايمكن ان الجا الى التلفيق والتفسيرات غير العلمية كما كتب البعض عن هذه اللهجة بدون سند علمي لغوي، وهنا بيت القصيد.
بعد ان قرات عن العبرية وتقريبا عن كل لهجات جنوب الجزيرة العربية وحتى اللهجات الاشورية والسومرية والاكادية، انا شخصيا ركزت على جنوب الجزيرة العربية لعلاقته بموضوع بحثي، ثم وقع بين يدي بحث تومسون المار ذكره عن لهجات جنوب الجزيرة وتوقعت انه سوف يتحدث عن لهجة الشحوح، كان قد وضع تومسون جدولا عبارة عن اربع اعمدة لمفردات ماخوذة من اربع لهجات مختلفة من لهجات جنوب الجزيرة العربية تشمل : اللهجة البطاحرية، واللهجة الشحرية، واللهجة المهرية، واخيرا الحرسوسية، كنت قد سمعت عن الشحرية من قبل لكني لا اعرف ماهيتها بالضبط، واعرف شيئا عن المهرية، كان بحثه بصراحة مفيد جدا بالنسبة لي على الاقل عرفني اكثر على ماهية هذه اللهجات.
اللغات السامية التي تشمل العربية والعبرية والاكادية والاشورية والسبئية ولغة قتبان وغيرها وهي تنسب إلى سام عليه السلام ابن سيدنا نوح، اما اللغات الحامية التي تنسب الى حام عليه السلام ابن نوح وهي اللغات الافريقية عموما كالقبطية مثلا.
وضعت مجموعة كلمات من اللهجة الشحية وحللتها صوتيا في المختبر الصوتي بجامعة اوكسفورد، فاكتشفت ان بعض الكلمات من اللهجة الشحية فيها تقارب لفظي مشترك ملحوظ مع كلمات من بعض الكلمات من اللهجات السامية الاخرى، هذا الامر ولد لدي نوع من الارتياح لان هذا ينفي نفيا تاما علاقة اللهجة الشحية باللغة البرتغالية كما زعم بعض الباحثين غير المتخصصين وادعو ذلك دون وعي او دليل علمي، بل ان هذا الامر يثبت بما لايدع مجالا للشك عروبة لهجة الشحوح، عربية الاصل والجذور والمنبت، وهي لهجة اصولها عربية سامية، نبتت وبدأت واستمرت وتطورت على انها لهجة عربية، اما الكمزرية التي تحدث عنها جياكر في بحثه فهي اللهجة الهجينة (الكريول) المأخوذة من الشحية، وهي تبتعد عن اللهجة الشحية الاصلية بشكل كبير.
وهذا الاستنتاج العلمي والقول الفصل بعروبة لهجة الشحوح اسكت بصراحة العديد من التخرصات والادعاءات التي ساقها بعض الباحثين غير المتخصصين بالامر عن علاقة هذه اللهجة باللغة البرتغالية، وحتى بعد ان تحدثت مرة في محاضرة عن بحثي هذا والنتيجة التي خرجت بها من هذا البحث واكدت عروبة هذه اللهجة، شوهت المحاضرة وللاسف في وسائل الاعلام من قبل اناس ايضا غير متخصصين ونشر كلام ومعلومات لم ترد لا على لساني ولا في بحثي هذا اساسا.
عمار السنجري



