نشأت في أسرة إماراتية تطبق الموروث الثقافي الذكوري الذي يمنح الذكر حقوقاً ومميزات وتضعه في مكانة مرموقة في العائلة حتى ولو كان أصغر من أخته، بل وتجعله يحل مكان الأب إذا غاب، فهو الآمر الناهي فيما يتعلق بأخواته البنات، والمحامية فرحة المنهالي هي البنت الخامسة في أسرة يبلغ عدد أولادها أربعة عشر، ثماني بنات وستة أولاد، ورغم أن عددهن الأكبر، إلا انهن لم يكن يحظين بنفس الحقوق والرعاية التي نالها ذكور الأسرة، الذين كانت لهم الأولويات في المصروف والدراسة، وتعلم قيادة السيارات، وحتى في اختيار غرف المنزل، وما يفيض عن حاجة الأولاد يصبح من نصيب البنات.
ورغم التمييز في المعاملة إلا أن البنات واصلن دراستهن والعكس كان الأولاد، وكانت فرحة تشعر بأن مواصلتها للدراسة مهدد دائماً في حال ظهر عريس مناسب لطلب يدها، وكثيراً راودها إحساس بالمرارة بأن دورها كفتاة في أسرتها لا قيمة له في القرارات المصيرية التي تؤخذ إذ كان الأولاد مطلعين على كل الأسرار أما البنات فيمنع عليهن ذلك وكأنهن في درجة أقل كثيراً، بل تكاد تكون في القاع، وكانت الأم أكثر تشدداً من الأب في تلك الأمور. وعندما أصرت فرحة وهي أكبر البنات على مواصلة دراستها رفضت الأم، غير أن والدها منحها الموافقة، بل ساعد بناته فيما بعد في أخذ بعض من حقوقهن المسلوبة في العائلة ومكنها إصرارها على الدراسة من نيل شهادة جامعية بتفوق، ثم إدراة مشروعها الخاص كمؤسسة ومدير مكتب فرحة المنهالي للمحاماة للاستشارات القانونية.
تقول فرحة المنهالي: نحن في عصر جديد حافل بالتطورات القانونية والتعقيدات العملية والمنافسة الشديدة في قطاع العمل، أصبحت الحاجة ملحة وخاصة في قطاع رجال الأعمال إلى الاستعانة بالمختصين القانونيين لتسهيل مهامهم، وإزالة كافة العقبات القانونية التي قد تحول دون تطورهم وتقدمهم وتضعهم على الطريق الصحيح، فمن أهم أسرار نجاح الشركات الضخمة الحرص على التعاقد مع المكاتب القانونية لوضع كافة مشاكلهم القانونية تحت أيدي المتخصصين القانونيين فتوفر بذلك الكثير من الوقت والجهد وهو ما يسهل ارتقاء سلم النجاح لذلك قمت بإنشاء مكتبي عام 1998م. وهو من المكاتب الوطنية المعروفة في أبوظبي، ويتولى المكتب تقديم خدمات قانونية للموكلين واتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لرفع الدعاوى بكافة أنواعها والدعاوى المتقابلة، وتقديم الطلبات المستعجلة واتخاذ الإجراءات التحفظية والتنفيذية أمام الدوائر والإعلانات الموجهة لأصحاب القضايا.
كما إنني من خلال المكتب أباشر جميع القضايا المرفوعة من الموكلين أو ضدهم امام جميع المحاكم المدنية والتجارية والعمالية والشرعية ولجان المصالحة وتقديم الدفاع والمرافعة، وتزويد المحكمة بالأدلة والبراهين والمستندات، واتخاذ كافة السبل القانونية الممكنة لحماية حقوق الموكل. واتخاذ كافة الإجراءات اللازمة للطعن في الأحكام سواء أمام محكمة الاستئناف أو المحكمة العليا، وإجراءات التظلم من القرارات والأحكام الغيابية. وفرحة المنهالي حاصلة على شهادة البكالوريوس في الشريعة والقانون من جامعة الإمارات والأولى حاصلة على جائزة راشد للتفوق العلمي في 1996م، ومقيدة بجدول المحامين المتدربين منذ سنة 1997م، واجتازت مرحلة التدريب، مقيدة بجدول المحامين المشتغلين أمام المحكمة الابتدائية والاستئنافية أمام المحكمة الابتدائية والاستئنافية منذ عام 1998م ومقيدة بجدول المحامين المشتغلين أمام المحكمة الاتحادية العليا عام 2003م.
وهي من ضمن عضوات مجلس سيدات الأعمال في أمارة أبوظبي، وكانت أيضا ضمن أعضاء اللجنة المشكلة في الاتحاد النسائي لدراسة مشروع قانون الأحوال الشخصية عام 2003م، ولها عدة مشاركات إعلامية وأراء وأفكار جريئة تعكس الواقع القانوني والاجتماعي في المجتمع العربي والإسلامي، وهي تدعو دائما لمناهضة العنف ضد المرأة والطفل وتطالب بمنح المرأة كافة حقوقها التي أكدتها الشريعة الإسلامية.
تقول فرحة المنهالي لم أكن أحلم أن أكمل دراستي، وكلما شاهدت التلفزيون تمنيت في نفسي أن أتعلم وأعمل، وكان عمل الفتاة في أسرتي من رابع المستحيلات لأنه من المحرمات أصلا، وخاصة مهنة المحاماة، وهذا ما جعلني لا أصرح بأنني أرغب في العمل كمحامية حتى لا أنال غضب الأسرة وتعنيفهم لي.
الهروب من الكيمياء
وظل حلم العمل كمحامية يطاردني بعد أن شعرت بأنني أقوم بهذا الدور في أسرتي، ومع زميلاتي في المدرسة اللاتي كن يؤكدن لي دائما أنني أصلح لهذا الدور بل أطلقوا على لقب المحامية، الا أنني في داخلي لم أصدق أن تتحقق رغبتي يوما، وبعد حصولي على الثانوية العامة التحقت بالجامعة وتمنيت دراسة علوم الكيمياء التي أحببتها أيضا، الا أنني فوجئت بقبولي في كلية التربية، وبعد الانتهاء من المرحلة التمهيدية قررت ترك الكيمياء خاصة وبعد أن شاهدت إحدى الطالبات واحترقت يدها بسبب التفاعلات الكيميائية، وقررت دخول كلية الشريعة انطلاقا من حبي للدين، ووقتها ضمت الجامعة دراسة القانون للشريعة، وهذا أحببته كثيرا حيث لأنها دراسة الدين والدنيا.
وقبل دراستي للقانون تخيلت كما هو السائد في بعض العقول أن القانون مخالف للدين، إلا أنني وجدت العكس تماما، ووجدت نفسي قد أبدعت في دراسة القانون لأنه المنطق، ووجدت أن تلك الدراسة أشبعت لي نفسي، وفرحت بها حتى لو لم أعمل محامية فيما بعد، يكفي أنني عرفت علم ومنطق المحامي في حياته العملية.
وعندما انتهيت من دراستي وحصلت على البكالوريوس بتقدير جيد جداً، تعبت نفسيتي من كثرة البحث عن وظائف، ولم أستطع طرح فكرة العمل محامية حتى لا أخوض جدلاً عقيماً مع والدي، وذات يوم تحدثت فيه مع أستاذي في الجامعة فقال لي أنني أتعجب حقاً من عدم دخولك ساحة المحاماة، ومن المعروف أن هذا الدكتور نادراً ما يمتدح أحد ولا يجامل أبداً في كلامه، وعندما قال لي هذا الكلام دفعني إلى أن أخذ الأمر بجدية، وقررت أنه إذا حدث وصليت الاستخارة وعرفت أنني لابد وأن أعمل كمحامية سأذهب إلى والدي وأقول له ما نويت مهما حدث، وكانت المفاجأة أو والدي وافق على الفور، فتيقنت أن المحاماة هي قدري بإذن الله.
وتدربت في مكتب أسعد طاهر، وتتلمذت على يد عباقرة المحاماة، ومسكت أول قضية في حياتي وكتبت المذكرة الخاصة بها وكانت لوالدي.
لابد من الاختيار
وبعد الانتهاء من التدريب تقول فرحة كان أمامي خياران إما أن أعمل من خلال مكتب محاماة أو يكون لي مكتبي الخاص، والحقيقة أنني واجهت صعوبات كثيرة فالمحامون الذين يريدونني كفيلة لهم يتحكمون بي كأن يكون معاشي 3 آلاف درهم، وألا يكون لي مكتب خاص وأجلس مع سكرتيرة المكتب، وأن أكتب المذكرات ولكن ليس من حقي أن اخذ قضايا خاصة.
ووقتها كانت الدولة تصرف للمتدربين مبالغاً مالية حتى إذا انتهوا من التدريب عليهم أن يمارسوا مهنة المحاماة وإذا لم يفعلوا يجب عليهم رد المبلغ ثانية، لذلك احتفظت فرحة بتلك الأموال في البنك واعتبرتها أمانة يجب أن ترد في حال عدم تمكنها من ممارسة المهنة، فقررت أن تفتح مكتباً بتلك الأموال، وتشير إلى ذلك قائلة لولا تلك المكافأة التي منحتني إياها الدولة للتدريب لما اتطعت إقامة مشروعي.
وتؤكد فرحة أنها تتلقى كافة القضايا خلال مكتبها إلا أن الأكثرية منها قضايا مدنية أي تخص المعاملات المالية، وخلالها تشعر فرحة بالاستغراب لأن معظم موكليها في تلك القضايا من الرجال الذين يثقون بقدرة المرأة أكثر من المرأة ذاتها، فالرجل يقلل من إمكانيات المرأة إلا أنه جدياً يلجأ إليها في هذا النوع من القضايا.
ويستقبل مكتبها أيضاً قضايا الأحوال الشخصية وغالباً تكون النساء اللاتي يرغبن في الطلاق، وكثيراً شاهدت فرحة تعنت الأزواج وتعسفهم تجاه الزوجات المغلوبات علي أمرهن، وكانت قد اتخذت قرارا من قبل في عدم قبول قضايا أحوال شخصيه يرفعها رجل ضد امرأة الا أنها قبلت هذا النوع من القضايا مؤخرا، بعد أن شاهدت نماذج سيئة لبعض النساء المهملات في حضانة أولادهن بالأدلة، واقتنعت أن هناك رجالا مظلمين بالفعل وطيبون إلى درجة أستأسدت بعض النساء عليهم. كذلك لاحظت أن شهامة بعض الرجال تجعلهم يحجمون عن إيذاء المرأة إلا أنها لا تفهم ذلك فتزيد من طغيانها عليه.
أيضا تترافع فرحه المنهالي في القضايا العمالية سواء كانت للعمال أو لأرباب العمل، بجانب قضايا الشركات المؤسسات وغيرها.
وتقول فرحة المنهالي إنها عاشت طفولتها تحلم بأن تكون محامية، وعندما دخلت ساحة المحاماة شعرت بأن الله سبحانه وتعالى خلقها لأن تكون فعلا محامية، وأنها أنسب مهنة لها، ورغم ما تعانيه من غلاء الإيجارات، إلا أنها مصرة على العمل من خلال مكتبها لتثبت للجميع أنها قادرة على الوقوف بمهارة مع زميلات وزملاء المهنة، وداخل ساحة القضاء.
إيمان قنديل



