هل كانت الولايات المتحدة ستقوم بوأد الإنترنت والكمبيوتر في مهديهما لو علمت بأنها تربي في حضنها ما يدمر قوتها في العالم وهيمنتها عليه شيئا فشيئا؟ وهل بدأت القوى تتوازن في أنحاء العالم بفضل الإنترنت؟

لقد أصبحت السياسة والدبلوماسية الدولية تمران بوقت عصيب في عصر الانفتاح المعلوماتي. ففي الماضي كانت القوة المتمثلة في المشاركة في السياسات الدولية، والتحكم بالاتصالات المتخطية للحدود القومية، والمصداقية كمصدر للمعلومات الصحيحة، حكرا على الدول وحدها. أما اليوم فقد أصبحت شريحة أكبر بكثير تمارس ذلك. وكل الفضل يعود إلى الإنترنت، كمصدر سريع وقليل الكلفة في آن للمعلومات.

ونتج عن ذلك الكثير من الصعوبات بالنسبة لصانعي القرارات على صعيد التعامل مع الوضع الجديد. فقد أصبح يتعين عليهم اتخاذها بسرعة أكبر بكثير مما مضى. ذلك لأن الأخبار ترد من البلدان البعيدة عبر الشبكات المتخصصة لتنتشر كالنار في الهشيم. ولا شك أن الكثير من القرارات الدولية التي تم اتخاذها في عجالة وقبل اكتمالها وتقليبها يمنة ويسرة، أدت إلى نتائج مفجعة. كما أن الحاجة إلى التروي والتأني في تطبيق القرارات باتت أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. فالسرعة في الحكم على أية قضية والاستعجال في تنفيذ القرارات بشأنها قد يزيد من تأخرها أكثر مما لو تم التروي في العملية واتخاذ قرارات متدرجة.

وعودة إلى التساؤل الذي طرحناه في البداية، وشرحا لسبب طرح ذلك التساؤل، هو أن الولايات المتحدة لا تسخر قوة الاتصال المعلوماتي الشبكي بين أنحاء العالم لخدمة أهدافها الاستراتيجية بقدر ما تسخر قوتها العسكرية والتي أصبحت موضة قديمة. فهي تحاول لي الأذرع في أنحاء العالم بالقوة في زمن الدبلوماسية الناعمة التي تعتمد على الشرعية الأخلاقية والهوية الثقافية والقيم الاجتماعية ونفاذ البصيرة العامة الناتجة عن الانفتاح المعلوماتي المصاحب للإنترنت، ذلك الطفل الذي أنجبته الولايات المتحدة، وأصبح فيما بعد خصما لدودا لها.

ذلك لأن دبلوماسيي الولايات المتحدة وصانعي سياساتها قابعون خلف موجة الانفتاح في كبسولة زمنية ولا يزالون يتبنون سياسات تصلح لذلك الزمن الغابر. فلو أنهم حثوا الخطى قليلا ليركبوا الموجة التي يركبها بشر اليوم، لاستطاعوا رؤية ما وراء الموجة بوضوح، ولاستطاعوا استيعاب الثقافات والحضارات الأخرى، ولاستطاعوا استيعاب الرأي الآخر، وبالمقابل لاستطاعوا التعامل مع القضايا المعاصرة دون اللجوء إلى القوة.

وذلك يقودنا إلى تساؤل آخر: كيف تكون الدول التي تتبع سياسة القسر والإجبار هي القوى العظمى في العالم، بالرغم من أنها تتبنى سياسات قديمة؟ وكيف تكون الدول التي تتبع السياسة الناعمة وسياسة التروي والتأني في استصدار القرارات السياسية هي الحلقات الأضعف؟ ذلك لغز محير يحتاج إلى من يحله!!

laila_badri@yahoo.com