لك أن تستنفر حاستك البصرية وتطلقها في فضاءات المتعة والسحر، لترتد إلى داخلك صوراً تدغدغ مشاعرك التواقة للجمال، إنها الطبيعة التي تنثر عبقها لوحات ليتذوقها المرء على خلفية إحساسه بالمشهد، وعلى طريق الذيد ـ الفجيرة تتجلى المناظر مضفرة بالخضرة في أحضان الجبال، «سبحان الله».

جملة يرددها لسانك كلما باغتتك فتتمنى أن تكون جزءاً منها، وكلما أمعنت التوغل في عمق الصحراء، خرجت رويداً رويداً إلى عوالم جديدة تبدأ معك على مشارف مدينة الذيد، لوحة أولى عند المنحدر، تلبس المدينة غلالة من مزارع النخيل الكثيفة، فتتوارى الأبنية خلف الأشجار حياء من اكتشاف تفاصيلها، مرة أخرى يأخذك الطريق إلى الصحراء الجافة لتغازل عيناك الجبال الشاهقة من البعيد، تأخذك الجبال في أحضانها فيتبدل المشهد صوراً تدعوك إلى الخشوع وإلى شيء من الرهبة الجميلة، منعطف تلو الآخر، وأودية صغيرة سمحت للنخيل والأشجار أن تدق جذورها بين الصخور، خضرة على خلفية قاتمة تميل إلى الاصفرار.

تلك لوحة أخرى بحاجة إلى خيال رسام محترف، منعطف وانحدار ليطل عليك سوق الجمعة بين الجبال، مشهد عام يصيبك بالقشعريرة الساحرة، فإذا كان لديك الوقت الكافي والفضول لأن تتمعن في التفاصيل الصغيرة ترجلت من سيارتك، وتجولت بين الفخاريات لتنتقي ما يروق لك، أو تنزاح قدماك بدعوة لا تقاوم من زهور تبتسم لك، تتنقل بين ألوان الورد في اصصها الصغيرة، وقد تجد نفسك مبحراً في زخرفة السجاجيد وألوانها الزاهية، تشتري أو لا، فهذا لا يهم، سوى أن المشهد في ذلك المكان له خصوصيته ومتعته الفريدة، تواصل الرحلة إلى مسافي التي تستقبلك بالمأكولات الشعبية الخفيفة، باعة على جانبي الطريق يعرضون ما لديهم، «الهريس» و«النخي» و«الباجيلا» والذرة المغلية والمشوية، مأكولات لذيذة استطاعت أن تجمع حولها زبائنها العابرين على الطريق.

من مسافي يميناً إلى الفجيرة، مازالت الجبال تحيطك من كل صوب، والشارع يتلوى في منحنيات لتواصل المسيرة، تأخذك الأودية المخضرة إلى سحرها فتترجل من سيارتك مرة أخرى، لك ما شئت من صور تسكنها الذاكرة، إلى الاسفل، هناك في قاع الوادي، بساتين وأشجار نخيل وزهور، ناقلاً عينيك ما استطعت بزوايا الرؤية، فكلها سواء في السحر وفي الجمال، وحين تغادر المكان، فأنت لا شك ستظل محلقاً فوق قمم الجبال، لكأن جزءاً منك قد غادرك إلى هناك، فتأخذك الأماني لتقطع عهداً على نفسك أن تعود مرة أخرى لتطفئ ظمأك بجماليات لا تنتهي.

عزالدين الأسواني