الأفق، ذلك الامتداد الفاصل بين عالمين، أول الحجب، خاصرة الكون وأرض المخيلة.. الأفق.. الكلمة.. القاموس، سرير الشمس ومخبأ الحكايا. الأفق، آخر البصر وأول الرؤية، يفتح بوابة الاحتمال ويختزن أطياف اللون والكلام. والأفق هو المحرض الأول والباعث العميق لبحث الفنان محمد القصاب التشكيلي والأرض التي شيد على تربتها الغامضة عمارته اللونية. انه يبحث عن أفق جديد للون، أفق جديد للحوار، أفق جديد للكلام، إنها وجوه الروح نحاول تقصيها، لحظة المكاشفة حين يفتح الإنسان نوافذ على عالمه الداخلي. إنها سيرة الصبا نستهل بها الكلام، حين يشكل الحوار أفقاً جديداً للمعرفة.. ولمعرفة القصاب لابد لنا من أول الخطوات ولحظة التماس المباشر مع الحياة في الأحياء القديمة والفرجان القديمة، ذلك أن البعد الاجتماعي والإنساني ـ على حد تعبيره ـ هو الذي يمنح للإنسان هويته وخصوصية، وبالتالي يحدد بعض اتجاهاته الإبداعية التي يحاول من خلالها التعبير عن الفقد أو التوق أو الحنين الذي قد يشكل الدافع الأساسي والمحرض العميق للهاجس الفني وآفاقه المحتملة.
أدراج الطفولة... ولد القصاب في منطقة ديرة وعاش في (السبخة) تلك الأيام التي يتذكرها بكامل حواسه دون أن يفارقه الحنين إلى براجيلها وأسواقها وحكاياها الطافحة بالمودة، في تلك الحارة كان يتنقل بين السكيك والفرجان، يلعب الكرة ويعبر مع صحبته الشارع عبر مسجد بن مدية ومنه إلى شارع بني ياس الذي كان منطقة خالية آنذاك حين تدور الكرة بين فريق الطفولة والأقدام الغضة التي ما إن تنتهي في فسحات اللعب الواسعة، حتى تهرع باتجاه الخور.. وفي الخور تبدأ طقوس السباحة وهي تبلل الأرواح والأبدان، فيترك الرذاذ وعذوبة الماء، أثراً يستقر في أقاصي الخلايا، ومثار حنين يفجر سحره على الدوام، كلما عادت الذاكرة إلى أدراج الطفولة وتقافزت من جديد في ثنايا الحارة القديمة وحكايا الجارات ووجوه الأحبة والجيرة الطيبة التي لم تنل الأيام من خصوصيتها.
يقول: في تلك الأيام عشت عند جدي مع والدي فترة من الزمن، ثم انتقلت بعدها إلى (قطر) حيث بقيت مع والدي ثلاث سنوات، وعدت بعدها إلى دبي ثم انتقلت للسكن في الشارقة منذ 1978، منذ الطفولة ظهرت ميوله في الرسم، فكان يصور العديد من المواضيع التي كانت شائعة. رسم الموناليزا آنذاك وقلد لوحات الفنانين الكبار وكان يستخدم الألوان الجاهزة التي تدبغ بها الأغنام، في تنفيذ بعض الأعمال الملونة، إذاً خطوط الطفولة والصبا تقاطعت مع خطوط الرسم لتشكل عالم القصاب الإبداعي منذ الاسكتشات التي كان يرسمها على ظهر (الكالندر) وحتى آخر لوحاته التجريدية والمبنية على تقصي (الأفق) واكتناز دلالاته واحتمالاته في فضاء اللوحة التجريبي. ومن جديد يعود بنا القصاب إلى الفرجان القديمة التي لم تبرح ذاكرته، يقول: لا أزال حتى الآن أزور تلك المنطقة أتلمس الشوارع وأتأمل تلك الأيام في السكيك أتذكر طفولتي كنوبة من الحنين الجارف تحملني إلى ذلك المكان بكامل تفاصيله وذكرياته، إلا انه لم يتبق منه إلا انحناءات الشارع وتعرجاته، فالبراجيل والبيوت القديمة وبيوت السعف كلها زالت، ولم يتبق إلا طيف ذكرى تشدنا بقوة بين وقت وآخر كي نعود من جديد إلى النوافذ التي تطل منها على طفولتنا.
بوابات الحياة... ومن نوافذ الطفولة إلى بوابات الحياة العملية، يتعرف القصاب على جمعية الإمارات للفنون التشكيلية في عام 1981 بعد مرور عام على تأسيسها، ويبدأ سلسلة مشاركاته الفنية الداخلية والخارجية بدءاً من معرض الفنانين العرب ومعرض مجلس التعاون الخليجي الذي فاز فيه بجائزة السعفة الذهبية، ويعتبر القصاب أن لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية، التأثير الجذري والحاسم على بناء وتفعيل المشهد التشكيلي في الإمارات وأن الجدل في إغناء المشهد كان بتأثير الفنان من جهة والجمعية من جهة أخرى والتي انعكست على بناء الوعي الفني وتطوير ذائقة المتلقي، فالجمعية ساهمت في إبراز الكثير من الفنانين الإماراتيين، كما أن إسهامات الفنانين رفعت من أنشطة الجمعية وعمقت دورها، حتى أضحت الساحة تعج بزخم الأنشطة والمشاركات الفنية. ويؤكد أن الفن هو جهد شخصي بالدرجة الأولى فمسألة المواصلة في الإبداع والتميز والوصول إلى التفرد في الشكل والمضمون، أمر مرهون بحجم الموهبة والجهد الذي تبذله لتطوير هذه الموهبة، ومن جهة أخرى فان العديد من الفنانين قد خرجوا بدورهم خالي الوفاض من الجمعية لعدم الاستمرار في النتاج الإبداعي، إلى جانب النتاج الإبداعي يمارس الفنان القصاب التصميم الغرافيكي برؤية فنية مرهفة ومقدرة برزت في العديد من المطبوعات والمجلات وقد استمر في عمله مخرجاً حتى مرحلة التقاعد.
لم يفترق الهاجس الإبداعي عند القصاب عن عمله اليومي، وخصوصا بعد تفرغه في العمل الإداري بعد انتخابه عضوا في مجلس إدارة جمعية الإمارات للفنون، حيث يتآزر المبدع والإداري لخدمة الفن والحركة الفنية، و تنسكب الخبرة التي تكونت بمعايشة الفترات الأولى لتبلور الحركة التشكيلية وصولا إلى المرحلة التي باتت فيها الإمارات تعج بالزخم الفني والأنشطة وبالتظاهرات التي شكلت حالة ريادية في الشرق الأوسط.
حكاية الروح
الاشتغال بالفن هو حياكة للروح من جديد، هو مقاربة للحياة في ظاهرها وباطنها وحكاية لا تغفل تفصيلا، الا وتغنيه أو تسبر أغواره، والقصاب حاول عبر تجربته أن يقلب وجوه الحياة بألوانه وريشته، بأقلام الرصاص وبالتأمل الذي تنامى عبر أعماله وتجلى بالمقاربة والبحث والكشف منذ المواضيع التراثية التي عمل عليها فترة من الزمن حتى تشبع بها دون أن يتأثر بسطوة اللون الطبيعي، بل إن شغفه بالألوان التأثيرية والانطباعية كان قد تملكه وانعكس في مجمل أعمال تلك المرحلة، ومن التأثيرية إلى التجريد اللوني الذي مارس خلاله أسلوب الضربات أو التنقيط في إحدى مراحله، حتى وصل إلى أسلوبه الحالي، حين استقرت الرؤية الإبداعية وتعمقت، وحين نضجت الأدوات الفنية وأصبح للعمل هويته الخاصة وجمالياته التي استطاعت أن تحوز على مراحل التجريب السابقة وأن تصهرها في بوتقة المخيلة التي يفيض بها القصاب على أعماله التجريدية المسكونة بهاجس البحث عن «الأفق» فموضوع الأفق هو الشاغل للقصاب والمحرض لصياغة أعماله. الأفق بمعناه الشامل الأفق الإنساني والبصري.
هاجس البحث عن التدرجات اللونية للأفق وعما فوقه أو تحته ليصل إلى نتيجة بأنه ليس ثمة أفق، إن اتسمت نظرتنا بالاتساع، إلا أنه بحث عن المعنى الذي تكون عليه الرؤية، وبحث عن العمق الذي يكون عليه الظاهر.
صمت العارف
ومن أفق اللون والرؤية، إلى أفق الصورة التي نحاول تكوينها عن القصاب، يدلي النحات والفنان سامي محمد بشهادته، واصفا إياه، بالرجل الصامت والمكافح، الذي ينأى عن الظهور ليتوارى في محرابه الفني غير آبه بالشهرة ... ويرى أنه من المواهب التي تحتاج تسليط الضوء عليها، فهو قيمة معطاءة تتصف بالتواضع الشديد، وهو تواضع غنى الروح والنفس وتواضع العمق، ويعود إلى أن الصمت هو صمت العارف وهو من الناس الذين يجيدون عملهم ويعملون بإيمان وإخلاص وبمثابرة وجدية تتفق مع ثقافته الفنية والمعلومة التي يمتلكها والتي تميزه عن بعض الفنانين وتمنحه مصداقية إلى جانب طيبته وأخلاقه البادية، حتى جعلني لصيقا به، ذلك أن روحه وطيبته تنعكسان في حديثه العادي كما تنعكسان في مجمل أعماله.
الناقد والفنان علي العبدان يقول: القصاب شق طريقه بنفسه وسط جمع من الفنانين الأكاديميين، وقد وهب عينا ثاقبة وعقلية ناقدة، أسهمت في تكوين ذائقته التي مسحت بموشورها الخاص أغلب الأعمال الفنية المنتجة في هذا الوسط الفني، وهو صاحب موقف ففي كثير من الأحيان يكون صمته أشد بلاغة من كلامه ويرى العبدان أن القصاب من الناحية الفنية، لم يبخل على نفسه بدراسة الطبيعة الصامتة والشخوص الإنسانية والمناظر الطبيعية إلى جانب علاقته الواسعة بالألوان تلك العلاقة التي تشبه في طبيعتها الصداقة، وقد أثرى ذلك تجربته البصرية والتي عكست دقته في اختيار الزوايا التي يتناول فيها موضوعاته مما يضفي عليها شيئا من الرمزية.
مفضيا ذلك إلى اعتباره فنانا مستقلا ومنفردا في نظرته التشكيلية، ويضيف أنه في السنوات الأخيرة اشتغل القصاب على التجريدية التعبيرية، وقد برع فيها على طريقته الخاصة، لكنه يرى أن هذه المدرسة قد لا تساعد على إبراز إمكانياته وملكاته بشكل كامل، ويعتبر أن القصاب من الحالات الفنية التي يجب الالتفات إليها وإعطاؤها حقها وتلك مسؤولية النخبة المثقفة والعارفين في الفن ومجاهيله.
إسماعيل الرفاعي



