صنع الولد عصفوراً ورقياً، صعد سلم الخشب.. نطّ على السطح.. أطلقه. سرب حمام ألقى شباك الهديل، نفض العصفور ريشه وحلق عالياً.

انتظره طيلة الظهيرة.. لملم الضوء صرّته .هبط السلم، بكى قليلاً.. ناولته أمه خبزها المسجور بنار القلب وحطب الروح. في المساء، تحت غطاء الحلم.. تندّت وسادته، شهق بحرقة.. وغطّ في الرجاء.. كان المطر غزيراً نقر بلور النافذة عصفور ورقي، ابتلت أجنحة الليل وفاض حبر البكاء على الورق. بعد قليل.. غرق قارب القش في لوحة المخمل، تصدّعت جدران الدّار. طار الحمام في فضاء آخر.. غاب طير الماء في عتمة الماء.. هرّت أضلع السلّم.. وابترد التنور في غرفة (السّاكن)، أرخت أمه عصابتها على عينيها ونامت دون وداع.. بكى بمرارة في غربته واشتد به الوجع، وصار يرسم بيته من غرفة العليّة، من شباك السطح الخشبي، حين طيّر عصفوره الورقي، وفاض هديل على ردهات الدار، وفاض الندى من الساجيتين على صورتها، حين ناولته رغيف التنور الحار، ومسحت بيديها الغائبتين طفولته.

وبعد قليل.. حين مال به العمر على ضفة المغيب، تذكر رائحة الحارة وغدران الطين، حفنة القمح ونتف الخبز تومئ للطير، تذكر الزرزور الذي امتنع عن الأكل في قفص الخشب، الحمرات والقبرات، وعربة الأسلاك ولعبة (الشكام) تذكر الكلام المنسي والوجه العصي على النسيان، حكايا الجارة ولمّة الأطفال على عتبة بيتها.

وبعد قليل .. وفي صباحات الغربة كان يمسح مدينته عن جبينه وليلته عن جفونه، وكان يمر بسرب صباحي من طير الحمام والنوارس، ذلك مشهد في ميدان الاتحاد بالشارقة كان يرقب رفيفه في خفقة الروح وبريق دمعة تومض كل صباح، وكل صباح كان يفتش بين الطير.. على حواف الماء. عند حبة القمح.. في الهبوب. تحت جناح فسيح.. في ظل رجل يستريح على مقاعد الذاكرة، عن عصفور ورقي كان قد صنعه ذات صباح وصعد سلم الخشب، نط على سطح الدار وأطلقه.

إسماعيل الرفاعي