الترانزيت هو المنطقة الوحيدة التي تقع خارج الحدود.. يلتقي فيها الغرباء والأقارب والأصدقاء، والخصوم أحيانا، تختلط اللغات.. ولكنها تظل رمزا للحرية وتذكرة بالقيود في آن واحد.

هكذا دائما يشير وليد حيدر في مقاله الشهري في مجلة أسفار التي يدير تحريرها في أبوظبي، وهي المجلة المتخصصة في شؤون السفر والسياحة، والتي تأخذ على عاتقها خلال ست سنوات من العمل المستمر والإصرار على تخطي كل العقبات والمصاعب من أجل إرساء شكل جديد للصحافة الإماراتية المتخصصة في السياحة العربية، وهو كذلك مقدم برنامج المحرر السياحي على شاشة قناة السفر العربي. زار وليد حيدر 50 مدينة حول العالم، بل إنه ذات مرة سافر إلى أربع دول في يوم واحد، حيث انطلق من الإمارات إلى عُمان ثم ألمانيا وانتهاء بفرنسا، وفي السفر يبحث وليد حيدر عن الجبال الخضراء والشواطئ الزرقاء والرمال البيضاء، المتاحف والمتاجر، يتجول بين الحضارات والطبيعة والأنهار، ويعود الفضل للسفر في اهتمامه بتاريخ الشعوب وتراثهم، وتخطيطه الجيد لكل رحلة سياحية يقوم بها من حيث الكلفة وبرنامج الرحلة وزيارة الأماكن السياحية، والطبيعية، وأفضل شركات للطيران يمكن أن ينتقل بها إلى البلدان التي يزورها، يرتب حقيبة السفر والتي يجب أن تضم الأشياء التي لا غنى عنها، ثم يبدأ رحلته.

هل ينقل هؤلاء الحقيقة؟... وكل ما يراه وليد في رحلاته للقراء وللمشاهدين ينقله بصدق وموضوعية ودون تزييف للحقائق، كونه متخصصاً في العمل الصحافي السياحي، وقد بدأت فكرة برنامج المحرر السياحي في قناة السفر العربي (أرابيان ترافل) في ندوة في دبي شارك فيها وليد حيدر وتطرقت إلى دعوات السفر المجانية التي يتلقاها الصحافيون إلى بلدان عديدة بغرض الزيارة والكتابة عن برنامج الرحلة، وعن مصداقية ما يقدمونه من تقارير سياحية عن تلك البلدان والتي يصدقها القراء ويختارون السفر إليها لاقتناعهم بأنهم سيستمتعون حقاً هناك. وقرر مدير قناة أرابيان ترافل جلال الخوالدة عمل برنامج خاص يسافر فيه المذيع إلى تلك البلاد على حساب القناة وعرض ما يدور هناك بالتفصيل وبالصوت والصورة، فلا يقتصر الأمر على إظهار الإيجابيات فقط بل أيضاً إظهار السلبيات حتى لا يفاجأ المسافر بأشياء لم يكن يتوقعها ويشعر بأنه وقع فريسة للزيف والتضليل، مع المحافظة على معايير شرف المهنة ورأى مدير القناة أن من يقوم بتقديم هذا البرنامج يجب ألا يكون مذيعاً عادياً، بل لابد أن يتولى الأمر صحافي متخصص في مجال السياحة.

وكانت البداية من الإمارات حيث تم إعداد عدة حلقات عن الفنادق في الدولة ومدى مطابقتها لمعايير الجودة العالمية من حيث المطاعم والغرف وجميع الخدمات التي يقدمها الفندق، ثم تطورت الفكرة وانطلقت إلى الفنادق في البلدان العربية، ثم تناول البرنامج الشركات السياحية والخدمات التي تقدمها ومدى صدق الإعلانات التي تروجها عبر الصحف مثل الأسعار التي غالباً ما تكون أقل كثيراً في الإعلان إلا أنها تزداد عندما يذهب الزبون إلى الشركة للحجز، كذلك انتقد البرنامج الخدمات السياحية التي تقدم في البلاد التي قرر زيارتها، بداية من الأسعار ومستوى النظافة والاهتمام، والمظهر الحضاري، والشركات السياحية التي تؤمن الرحلات الداخلية وتأجير السيارات والإرشاد السياحي والإعلام السياحي.

بلادنا جميلة ولكن؟

وبدأ البرنامج عمل جولات عديدة متجهاً إلى المملكة العربية السعودية، حيث استعرض أماكن سياحية رائعة قد لا يصدق المشاهد أنها متواجدة حقاً في السعودية، وهي أماكن لا تقل جمالاً في طبيعتها عن تلك البلدان الأوروبية التي تجذب السياح من مختلف بلدان العالم، وتطرق البرنامج لوجود بعض السلبيات التي تحد من إقدام الزائرين إلى تلك الأماكن التي تفتقد إلى الخدمات الأساسية والإرشاد السياحي كذلك سعي بعض السكان إلى هدم الآثار وإقامة مساكن خاصة بهم.

وتناول البرنامج السياحة في الأردن، وهناك انتقد البرنامج بشدة الإهمال والمشاكل التي تتعرض لها السياحة، حتى أن الشرطة أوقفت القائمين على البرنامج للتحقيق معهم وقاموا بمسح الشرائط المصورة، إلا أن فريق البرنامج أعاد التصوير وتناول البرنامج قضية أنه ما يحدث هناك هو جريمة بالفعل في حق السياحة والآثار التي تزخر بها الأردن وكانت المفاجأة أنه عندما تم عرض البرنامج جاء رد فعل رسمي من وزير السياحة الأردني قال فيه انه يعترف بالأخطاء الموجودة فعلاً، ويؤكد أنه سيعمل على اتخاذ الإجراءات المناسبة لتفادي تلك المشاكل والسلبيات، وشكر البرنامج على الجهد الكبير الذي يبذله في إلقاء الضوء على السلبيات من أجل تلافيها والنهوض بالسياحة العربية.

وتطرق البرنامج إلى السياحة في مصر وتحديداً في القاهرة والإسكندرية، وتناول كافة السلبيات من مستوى النظافة والباعة الجائلين، والسلطات المسؤولة عن منطقة الأهرامات حيث رفضوا قيام البرنامج بالتصوير رغم وجود التصاريح المخصصة لذلك، كذلك تناولت إحدى فقرات البرنامج شارع المعز لدين الله الفاطمي الذي يكتظ بالآثار الاسلامية وهو يعاني من أكوام المهملات والمجاري، وبعد إذاعة الحلقة ورغم أن القناة لم تتلق أي تعليقات رسمية إلا أن وزير السياحة المصري أمر بأن يتحول الشارع إلى متحف مفتوح بحوالي 35 مليون جنيه، وقامت الصحف المصرية بتناول الموضوع بأنه رد على الانتقادات التي وجهها البرنامج الذي تناوله.

كذلك زار البرنامج جنوب تونس خاصة المناطق الصحراوية وكان اللافت للانتباه أنها تمتاز بمستوى خدمة رفيع المستوى، وتنظيم المهرجانات والإرشاد السياحي، وكانت السلبية الوحيدة التي انتقدها البرنامج هي الطيران التونسي والذي لم يكن يتناسب مطلقا مع جودة الخدمات التي تقدم هناك، وقد وعدت إدارة الطيران بالتغيير الشامل هذا العام.

ويعود وليد حيدر بذاكرته إلى أيام الطفولة حيث كان مغرما بالسفر والترحال واكتشاف العوالم الغامضة بالنسبة له، فكان يقرأ عن الدول التي يتمنى زيارتها، ويقص على زملائه المعلومات السياحية التي تخص تلك البلاد مدعيا بأنه سافر إليها بالفعل، ثم بدأ الاهتمام بقراءة أدب الرحلات، وعندما عمل بالصحافة وتنقل بين الأقسام المختلفة تمنى أن يستقر به الحال في صفحة السياحة، وكان له ما أراد عندما عمل مراسلاً لجريدة الأخبار القاهرية في المطار، ومن هنا بدأ يتحقق حلم وليد حيدر في الانتماء إلى عالم السفر، وأنجز عدة تحقيقات وتقارير عن حوادث الطيران، وبالفعل صدر له عن مؤسسة أخبار اليوم أول كتاب عن حوادث الطائرات عام 1999 عندما وقعت الطائرة المصرية في نيويورك.

وكانت تركيا أول البلدان الأجنبية التي سافر إليها وليد حيدر عام 1986م، وهناك تعرض لأول عملية نصب في حياته، عندما اكتشف عندما غير نقوده إلى العملة التركية أن هناك زيادة مزيفه في عدد الأصفار تم تصويرها ولصقها بجانب الرقم، هذا ما جعله يأخذ حذره من عمليات النصب والاحتيال التي قد تحدث له في سفرياته فيما بعد.

كما سافر إلى تايلاند وبطريقة المغامر بدأ باكتشاف ذلك البلد الذي يتمتع بطبيعة جميلة، ثم تكونت لديه فلسفة السفر عندما ذهب إلى لندن وقال له أحد الأصدقاء عندما تسافر إلى هناك حاول أن تكتشف بنفسك الفارق بيننا وبينهم ولماذا هم يتميزون بأشياء كثيرة عنا؟ وكما يقول وليد حيدر بدأت أراقب تصرفاتهم وسلوكياتهم، وكيفية تعاملهم مع الآخرين، ووجدت أن الالتزام هو من أهم سماتهم، وهم ينشدون الكمال في كل شيء يفعلونه، كذلك هم منظمون بدرجة عالية جدا، وأنهم جميعا يسيرون حياتهم وفق نظام معين متكامل.

ليون مدينة برائحة التاريخ

ويتحدث وليد حيدر عن رحلته إلى فرنسا وتحديدا مدينة ليون قائلا عنها هي المدينة الثانية في فرنسا، وتقع في الجنوب الفرنسي على بعد ساعتين بالقطار من باريس، وقريبة جدا من الحدود السويسرية وهي مدينة ذات مذاق مختلف ولها رائحة مختلفة، رائحة فرنسية اختلطت عبر التاريخ بالرائحة الرومانية والسويسرية ومن أجمل الأماكن هناك سوق الحرير وهو مصنع صغير وقديم للحرير يديره ويعمل فيه بمفرده شاب فرنسي من أحفاد صناع الحرير، ولا يزال يعمل على نفس الأنوال القديمة يدويا، ويبيع متر الحرير الواحد بسعر يتراوح بين ثلاثة و12 ألف يورو للمتر.

وفي القرون الوسطى كان هناك مهرجان سنوي لبيع الحرير يأتيه التجار من كل مكان في العالم خاصة أوروبا، حيث كان يباع الحرير بأسعار رخيصة بعد ان أعفى الإمبراطور الروماني تجار الحرير من الضرائب، وتقول كتب التاريخ ان هذا المهرجان يعد بمثابة أول سوق حرة في العالم، مما جعل تجار العالم يتوافدون إلى ليون.

وفي ليون تعد وجبة غسل الحصان من الوجبات الشهيرة هناك، وهي وجبة رخيصة كانت تعد في الماضي لأبناء السبيل المارين عبر ليون أثناء استراحتهم وغسل أحصنتهم، ولا تزال الوجبة تأخذ نفس الاسم، وهي سريعة ومشبعة ورخيصة وتجدها في مطاعم الشارع التجاري.

وفي ليون يقام مهرجان الحياة في شهر ديسمبر، حيث يتجمع سكان المدينة ويحيون كل أنواع الفنون في الشوارع وينضم إليهم الفنانون والسياح من كل دول العالم ليعيدوا للحياة رونقها بالفنون الجميلة.

وفي فرنسا أيضا زار وليد حيدر قرية «دييبروج» وهي كما يقول قرية لم يقترب منها العصر الحديث حيث الشوارع والأبواب والمباني هي نفسها منذ القرن التاسع عشر بكل تفاصيلها، ويتذكر مقولة المرشدة السياحية التي كانت ترافقه في الرحلة عندما كان يسير على أحد جانبي الطريق بشكل تلقائي، قالت له تبدو وكأنك مثل كونت أو رجل ثري من أهل القرية، وعندما استفسر عما تقصده قالت له، انها عبارة شعبية يطلقها البسطاء من أهل القرية على ابناء العائلات الثرية الذين يسيرون على جانبي الطريق أثناء هطول المطر للاحتماء بأسقف المنازل، أما الفقراء فلا يهتمون كثيرا بأن يبلل ملابسهم المطر فيسيرون وسط الطريق.

الجوخ والمهرجانات

ويعلق وليد حيدر على رحلته إلى فرانكفورت قائلا:

هناك أماكن عديدة للزيارة مثل «لاينفاند هاوس» أو بيت الجواخين، وهو من أهم الأشخاص الذين يشتغلون في صناعة وبيع الجوخ، وكانوا يتخذونه مقرا لعقد مجلسهم، ويعود تاريخ بنائه إلى القرن 14 م، وقد تم ترميمه مؤخرا عام 80م، وهناك أيضا بوابة وبرج ايشنهايم وتعود إلى عام 1426 م وهناك قصر أمراء تورن وتاكسس والذي كانت تقام فيه اجتماعات المجلس التشريعي للتحالف الجرماني، وتعتبر كاتدرائية القديس بارثولوميس من أهم الأبنية الدينية الموجودة بالمدينة وشيدت في القرن 13م على أنقاض كنيسة قديمة (القرن التاسع م ) وكان الأمراء يأتون إليها من أنحاء البلاد الألمانية ويقومون بانتخاب إمبراطور جديد بينهم ومنذ عام 1562م أصبحت المكان الذي تتم فيه مراسم تتويج الأباطرة الجرمانيين.

وتشهد فرانكفورت وخصوصا في موسم الصيف العديد من المهرجانات والاحتفالات الشعبية التقليدية حيث تلتقي فيها فئات من مختلف الأعمار والجنسيات، ومن تلك المهرجانات مهرجان ناطحات السحاب في شهر مايو من كل عام، والمهرجان السنوي المعروف باسم صوت فرانكفورت في شهر يوليو.

إيمان قنديل