تعتبر جميرا من المناطق المهمة في إمارة دبي لما تتمتع به من تميز عمراني يجعلها تتفرد بمكانة لا مثيل لها من الناحية الجمالية ليس على مستوى دبي فحسب وإنما على مستوى الساحل الإماراتي برمته، وقد تربعت مكانها في الصحراء على أطراف دبي الجنوبية وامتدت قديماً على حدودها واحات النخيل لتشكل بثمارها مصدر رزق ومتنفساً ترفيهياً لأهلها الذين استقروا فيها منذ ما يزيد على مئة عام، إلا أن صيد الأسماك والغوص برزا كمهنتين رئيسيتين عند أهلها.

وبالطبع فإن جميرا تبدّلت كثيراً ولم تكن على هذه الحال قبل عقود قليلة فقط وتغيرت طبيعة الحال فيها ليصبح أهلها قلة بين أمواج من المواطنين والجنسيات المتعددة الوافدة إليها، واختفت مظاهرها الاجتماعية التي كانت سائدة في مجتمع له عاداته وتقاليده وصيغته العريقة على امتداد تاريخه. واختفت بالتالي ملامح الأصالة لبيئة غنية اكتنزت لفترة طويلة في محتواها حالات من التفاعل الحضاري مع المحيط من بحر وصحراء كانت تتسم بالحميمية.

وأصبح أهالي جميرا أسرى الذكريات الدافئة لتلك الحياة التي عاشوها في موطنهم ولم تعد حاضرة ولن يعيشها أبناؤهم. وفي هذا الصدد يحدثنا عبدالله سيف بن مسحار ومساعد مدير عام أكاديمية الاتصالات وعضو في جمعية المهندسين، وهو حاصل على ماجستير في إدارة المشاريع الهندسية وأحد أبناء جميرا الخلص فيقول: يبدو أن اسم جميرا في أصله يرجع إلى كلمة جمرة كدلالة على الحرارة وربما كان المقصود منها دفء الحياة الاجتماعية التي كانت سائدة في هذه المنطقة المطلة على البحر، والتي شكلت موطناً لأناس من القبائل العربية وكان أبرزها قبيلة بني ياس. سكن أهلها الخيام أو مساكن من السعف وهي من جريد النخل أو الدعون، ومجمل هذه البيوت بتجاورها قام بتشكيل أحياء المنطقة المقسمة بين خيام وسعف، وأما الخيام فكانت المسكن في أيام الشتاء وفي الصيف كان ينتقل الأهالي إلى أماكن السعف ومكانها الحالي يقع خلف شارع جميرا حيث توجد الآبار والنخيل التي تعود للأهالي في تلك الواحات. وكانت تعرف الأحياء ذات البيوت المشغولة من سعف النخيل بالعريش وهي مصنوعة بطريقة معينة حيث يتم تشبيكها بالحبال لتترك فراغات من أجل تأمين تهوية مستمرة بداخلها في أيام الصيف.

وأما أحياء الخيام فالواحدة منها عبارة عن خيمة ومطبخ وحوي «حوش» وفيها كل مستلزمات الحياة في تلك الآونة. وهذا ينطبق على منطقة أم سقيم المحاذية لجميرا.

من الزفين إلى المحاربة

وجميرا في أصلها الميداني عبارة عن ثلاثة أجزاء، أولها جميرا أولى التي تسكنها مجموعة من العائلات وأكبرها عائلة الزفين ويعرف الحي الذي فيها بحي الزفين، حيث يقطن الأخوة فيها مع بعضهم ومع بعض الجيران من العائلات الأخرى. وثانيها جميرا ثانية وهي حي الحواضر المعروفة إلى الآن.

وتليها جميرا ثالثة وفيها حي بن ثالث وبعض هذه العائلات مازالت موجودة فيها إلى الآن. أيضاً أم سقيم مقسمة إلى عدة أجزاء، فالأولى فريج المنارة الذي يتميز بوجود أقدم مدرسة تعليم فيها وكذلك مسجد المنار الذي أعيد تشييده منذ وقت قريب. ومن عائلاتها الشعفار وبوسعود ولاحج وساحم والشيخ مطر.

أما الثانية فيمثلها فريج العوابدة الذي يقطنه ثاني بن عابد وأبناؤه وأبناء عمومته. أم سقيم الثالثة عبارة عن فريج بوعميم وفريج الطواير، أما فريج المحاربة فيتبع لأم سقيم الرابعة.

ويتابع بن مسحار حديثه عن الذكريات في جميرا، يقول: كنا ننعم بالأمان بين أهلنا من أعمامنا وأقربائنا، وأذكر أنه في منزل علي بن خلفان بوعميم كنا نجتمع كشباب لنسهر ونحن نشاهد التلفاز الذي عرفناه في حينها لأول مرة كان باللونين الأبيض والأسود، وكنا نشاهد المحطة الوحيدة في تلك الأيام وهي محطة الظهران السعودية ولم تكن الشاشة واضحة أو صافية إلا في أيام الرطوبة، وكنا بعفوية الشباب نتسامر وننام حتى الصباح خارج بيتنا، ومن ثم كل منا يذهب إلى بيته.

فقد كنا نشعر بأننا في بيتنا مع الأقارب والأصدقاء. كنا نذهب لنراقب الصيادين وهم عائدون وبحوزتهم ثمار البحر رزقهم لذلك اليوم، كذلك نشاهد أقاربنا يصنعون شباك الصيد ويرممونها وآخرين يقومون بصناعة القوارب الخشبية من أجل الصيد، كانت ذكريات جميلة.

أذكر في طفولتي في جميرا أنني كنت ملازماً لأبي في أغلب الأوقات كغيري من الأطفال وبعد صلاة العصر كان يجتمع الأهل في الحي أمام المسجد ليتحدثوا عن همومهم ومشكلاتهم وكل منهم يعرف الآخر ومن يكن ضيفاً يلاحظه الجميع.

فيما مضى لم يكن هناك في البيوت خدم فكانت الأم هي التي تطبخ وتغسل الثياب وتنظف أرض الخيمة، وتحضر الماء من الطوي (البئر) فتضع اليحلا (إناء) مملوءة بالماء على رأسها وتقطع بها مسافة طويلة إلى مسكنها لتسكب الماء في الحِب أو الخرْس (آنية فخارية كبيرة) ليبقى بارداً من أجل الشرب.

منظومة اجتماعية فطرية

كانت الأمهات والجدات يقطعن مسافة طويلة لجلب الماء واحضار الحطب اللازم لإشعال النار من أجل الطبخ. وكن يطبخن في بعض الأحيان على الشولة (وابور) الأرز وبعض المأكولات.

وكانت النساء تذهبن بالغنم إلى مكان تجميع الأغنام في المناطق وتعلفها وتعتني بها. كانت المرأة تتحمل مسؤوليات كبيرة ناهيك عن تربية أطفالها وإرضاعهم. فلم يكن هناك دور للخدم إلا في البيوت الكبيرة وهي قليلة.

كانت الحياة بسيطة مبنية على المودة والرحمة والتعاون. أما الرجل فكانت واجباته بالسعي لظروف معيشية جيدة كبيرة جداً، وكان الرجل إما أن يذهب لأشهر عدة في الصيف داخل البحر للبحث عن اللؤلؤ في ممارسة مضنية لمهنة الغوص الصعبة جداً. أو يذهب لصيد السمك وبخاصة العومة (السردين) ليعود برزقه آخر المساء. وأذكر أن الصيادين بعد عودتهم كانوا يعطون السمك (بعضاً منه) لجيرانهم بلا مقابل.

وكان هناك بعض الممارسات والعادات أيام الأعراس ومنها المالد والعيالة والليوة. وكان يقوم بعد ليلة الزفاف صباحاً سباق للهجن وتعطى مكافآت نقدية للرابح ويضعون على رأس الجمل الذي يصل في المقدمة الزعفران. ومن العادات اللطيفة أذكر الرزفة، حيث يتبادل مجموعة من الناس في المجالس الأشعار فيما بينهم في أجواء ممتعة.

وكانت تشتهر جميرا بصناعة السفن وكان يقوم بهذه الصناعة محمد بن ثاني وبن عمير، كذلك تشتهر بجني الرطب وبيعه من مزارع النخيل التي تعود في ملكيتها إلى جميرا. كانت الحياة بسيطة وفي كل حي شخص يمثل الحي أمام الحاكم، كان هناك منظومة اجتماعية فطرية، وكان إذا وقعت مشكلة في الحي يتم حلها داخل الحي ولا تخرج عنه.

ولم يكن ينفصل الابن عن أمه وأبيه أوجده فالكل أسرة مترابطة والصغير يسمع الكبير، فكان هناك المزيد من الوقار والاحترام. كان يتمتع أهل جميراً بالشهامة والكرم والجود.

النهضة العمرانية

في الستينات من القرن الماضي بدأت نهضة عمرانية في المنطقة عبر مساكن شعبية منظمة وتتألف كل شقة منها من حجرتين، ثم تلتها مشاريع أخرى في تطور ملحوظ جذب الأنظار وبدأ التوافد للسكن فيها.

وأخذ الناس في المنطقة يبيعون الأراضي وبدأنا نلاحظ ظاهرة جديدة عبر توجه أهل المنطقة إلى العمل في الحكومة والدوائر المحلية بعد تأسيس دولة الإمارات وانتشار التعليم إضافة الى أن البعض توجه للدراسة في الخارج والكثير من الأجيال الجديدة توجه إلى الجيش والشرطة.

وأثناء التوسع العمراني في دبي أخذ أهالي الشندغة وديرة ومناطق أخرى بالتوجه إلى جميرا، وبعضهم من اشترى الأراضي الزراعية ليبني عليها فللاً بغية السكن والتأجير بشكل عبثي غير منظم لتخترق مساكن التأجير الأحياء العريقة للمنطقة، وبهذا الشكل اختلطت أماكن التأجير بأماكن سكن الأهالي، فكان هذا النوع من التخطيط الحديث غير مدروس من الناحية الحضرية حيث لم يأخذ بعين الاعتبار التقاليد وعادات المنطقة وخصوصية البيئة، لم يتم مراعاة كل هذه الأمور.

ويتبين من هذه العشوائية عدم وجود تدابير منهجية فلم تكن هناك مراعاة لخصوصيات الأسرة المواطنة، ومما ساعد على هذا نمط المسكن فيها الذي يتألف من خيام ومساكن عادية فلم يتم اعتبارها أماكن تراثية تمتلك رصانتها أو أن لها كيانها وحرمتها وهذا خطأ فادح.

عندما بدأ توزيع المساكن الشعبية على الأشخاص من أهل المنطقة تبع ذلك توزيع للأراضي التي بنيت بموجب التخطيط بعد الحصول على منح للبناء، وبدأ انتقال الأحياء من شمال شارع جميرا إلى جنوبه، أي إلى منطقة زراعة أشجار النخيل لتتحول تلك الواحات إلى مجمعات سكنية للتأجير والسكن لأهالي المناطق الأخرى الذين وفدوا إلى جميرا.

وهذه الأماكن محصورة بين شارع جميرا وشارع الوصل، ولم يبق الآن من معالم المنطقة للأسف سوى القريفة وهي عبارة عن مسكن للحاكم أيام الصيف. بعد هذه الحركة العمرانية التي تفتقر للتخطيط السليم اختلطت الأمور وألحق الأذى بمستقبل أهالي جميرا، ومن يكبر من أبنائنا ليس له مكان في منطقة آبائه وأجداده.

وتم في السنوات الأخيرة نقل بعض الأسر إلى منطقة البرشاء وفيها أيضاً مزج سكاني كبير، وكل هذا يساهم في تهديد الترابط الأسري عبر حالة عدم التواصل بعد فقدان أجواء دافئة تجمع الأسر الواحدة إلى بعضها.

وبلفتة طيبة من الشيوخ تم تشييد مجلس لكبار السن في كل حي على البحر أمام موانئ القوارب وفيه كل مستلزمات من يرتاده، مما يتيح الفرصة للقاءات أهل جميرا ممن لهم تاريخهم وذكرياتهم حيث يلتقون صباحاً ومساء بشكل يومي إنما تجمعهم حسرتهم على الماضي.

وأرى الآن أن الطريقة المثلى لإعادة تجميع الأسر هي في إعادة تخطيط منطقة معينة وتزويدها بالمرافق والخدمات مع مراعاة حجم كل أسرة، وتكون الأراضي المخصصة مقتصرة على أهالي جميرا وأم سقيم للتغلب على مسألة التفكك الأسري وإقامة منطقة نموذجية لأهالي جميرا ليتسنى للأقارب العيش سوية.

ولندع جميرا منطقة تجارية بحتة والعمل على تخطيط حضري لمنطقة ما جديدة ومراعاة كل مستلزماتها.

قصي بدر