الهند دولة عملاقة بثرائها الأسطوري الذي يصل إلى مرتبة الخيال والتنوع الكبير في ثقافاتها وحضاراتها وأديانها الوضعية وأعرافها الاجتماعية وأعراقها وأساطيرها المحفوظة في ذاكرة شعب يناهز المليار نسمة.

الهند مكونة من آلهة وأديان غريبة وإثنيات وأعراق وأساطير وولايات تحكم نفسها بنفسها وديمقراطيات حقيقية وتكنولوجيا متقدمة وطبيعة خلابة وأفلام هندية ركبت موجة الرقص البوليودي وأحدث شركات تقنية المعلومات وصواريخ نووية عابرة للقارات وبعضها مصنوع خصيصاً لجارتها اللدودة باكستان. الهند المتنوعة؛ حاضنة الأساطير؛ هي دولة القرود والديمقراطية والفيلة والنمور والطواويس والأشجار والأمطار الموسمية. كما هي دولة المهاتما غاندي وجواهر لال نهرو وشامي كابور ورانبراندت طاغور، هي دولة السحرة وثعابين الكوبرا والحواة والفقراء والعراة والروث المقدس وعبدة البقر. كما هي دولة الآلهة الهندوسية تمانيس وسارانيو وسينا وفايو وبارجينا وأوما وبوشان وفسفا كارما وتواشتري ولاكسمي فاربلت وآييبا باشوبا وكورما وباسكار وفاراها وكالكين وجارودا وناندي وفامانا ووجراسيس ويو واللنجا وشاكتي وكاما وفاك وكالي ورودرا وكتابها المقدس المهابهارتا: آلهة للنور والرياح والمعاني والجنس والحرف والمهن ومظاهر الطبيعة والحيوانات.

أبقار وطقوس... كثيراً ما نسمع أن الهنود يعبدون الأبقار! ومَن لم يزر الهند ستظل هذه الصورة مترسبة فيه وماثلة في ثقافته الشفاهية عن شبه قارة كبيرة لا نتخيلها إلا وهي ساجدة للأبقار! فهل حقاً ان البلاد الهندية تعبد البقرة؟! الطائفة الهندوسية تعبد التماثيل والأوثان لا بوصفها حجراً صامتاً، لكنهم يعتقدونها آلهة متجسمة بأشكال وثنية مختلفة، ولهم من الآلهة ما لا يمكن عدّهُ وإحصاؤه، وفي فلسفة غاندي ما يبرر هذا السلوك العبادي الجاهلي حين يصف عبادة الأصنام كونها عوناً لخيال الناس الفقراء الذين لم يحصلوا على تعليمهم الكافي! البقرة الهندية ليست كأبقار العالم أبداً، هي الخرافة والأسطورة والدين والعبادة لأم كبرى. هي الهند بأكملها تحرسها من العواصف والرعود والأمطار والأوبئة والكوارث، وتفتح لها كل الأراضي الشاسعة وكل السموات الفسيحة لكي تعيش بأمن وأمان. البقرة الهندية هكذا، أم الجميع التي تملأ الشوارع والحارات والأرصفة والبيوت؛ تسير بخيلاء الطواويس في أكثر الشوارع اكتظاظاً ولو تسببت في زحام له أول وليس له آخر، حتى لو كان فيه موكب رئيس الجمهورية نفسه! فالقانون هنا، وهو شفاهي أخلاقي ديني، أن تعلو البقرة فوق مقام أي كائن هندي وغير هندي وفوق أي شخص مهما علت منزلته الوظيفية والدينية والاجتماعية؛ فهذه (الأم) لها من التقديس والتوقير ما لم أشاهده حتى عند أكابر القوم مقاماً ومنزلة!

عندما تكون البقرة قصيدة!... قال لي أحدهم بثقة هندوسي أمين: نشرب حليب البقرة مثلما نشرب حليب أمهاتنا، لذلك نؤمن أنها أمنا ولأن البقرة كانت رفيقة الإله شيفا.. وشيفا هو أكبر الآلهة الهندوسية في الهمالايا وسائر الهند. وفي التقاليد الهندية الدينية يعد هذا الإله إلهاً مرعباً لذلك يتوجب استرضاؤه. ويتجسد شيفا على شكل أوثان تسمى (اللنجا) ويعتقد الهنود أنه القوة الباعثة على النشاط الجنسي. كما يعتقدون أن الإله (شيفا) هو الذي يأتي بنبات القنب من المحيط، ثم تستخرج منه باقي الآلهة ما وصفوه بالرحيق الإلهي، كما هو إله الهلاك والفناء والدمار، وهو المهلك للعالم ومهمته نقيض مهمة فيشنو. وفي الثقافة الهندوسية تمثل الموسيقى ما يدعوه الهندوس بقوة الكون، لأن الإله شيفا قد خلق العالم من خلال رقصة دينية أداها على قرع الطبل، وعندما يشيخ العالم ويأتي الى نهايته، فإن الإله شيفا يقف في مركز الكون ليؤدي مرة أخرى رقصته على أنغام الطبل ليدمر العالم ويعيده الى مياه الأبدية. ولأن البقرة هي رفيقة هذا الإله المدمر، لذا يتوجب استرضاؤه بتوقيرها وتقديسها!

المهاتما غاندي الذي قال في البقرة ما لم يقله مالكٌ في الخمرة!

(عندما أرى بقرة لا أعدني أرى حيوانا لأني أعبد البقرة، وسأدافع عن عبادتها أمام العالم أجمع....وأمي البقرة تُفضل على أمي الحقيقية من عدة وجوه، فالأم الحقيقية ترضعنا مدة عام أو عامين وتتطلب منا خدمات طول العمر نظير هذا، ولكن أمنا البقرة تمنحنا اللبن دائما، ولا تتطلب منا شيئا مقابل ذلك سوى الطعام العادي. وعندما تمرض الأم الحقيقية تكلفنا نفقات باهظة، ولكن أمنا البقرة لا نخسر لها شيئا ذا بال، وعندما تموت الأم الحقيقية تتكلف جنازتها مبالغ طائلة، وعندما تموت أمنا البقرة تعود علينا بالنفع كما كانت تفعل وهي حية لأننا ننتفع بكل جزء من جسمها حتى العظم والجلد والقرون).

الروث المقدس

الأبقار تجوب شوارع المدن وثيرانها الضخمة تتعارك بين الناس والسيارات في مناطحات دموية مخيفة، وفي الهمالايا تعيش مدللة بين الجبال والوديان والسفوح؛ أبقارٌ سمينة انطبعت عليها العافية وراحة النفس بلا خوف من ذبح أو سلخ أو نهي أو زجر أو توبيخ! قطعان سارحة على هواها، الأمكنة لها أينما حلّت والفضاءات مفتوحة لها أينما اتجهت، والمراعي الشاسعة في السفوح مأكلها الأخضر اليانع الذي يزهر طيلة الفصول؛ فهذه (الأم) الكبيرة؛ لا تدري؛ أنها خُلقت في هذا المكان لتبقى خالدة فيه حتى يحين أجلها مصادفة، بينما يقضي قبلها آلاف من الجياع دون أن يتذوقوا لحومها المكتنزة، لأنها (أم) الهند الرؤوم وهي بشكل ما آلهة تسير على أربع وتشارك الناس حضورهم بوهم ضرعها المدرار الذي يغذي شعباً جائعاً وكادحاً كل يومه، بل كل حياته.

أستغربُ ولا أملك تفسيراً واقعياً لهذا التوقير الزائد عن اللزوم لحيوان بدين لا توجد فيه ولا لمسة جمالية واحدة، ولا لهذا التقديس المبالغ فيه لكائن أقل ما يقال عنه انه بليد، وحتى غاندي لم يكن مقنعاً في تبريره لتقديس البقرة كأم للهند، لكن الرجل كما يبدو يدرك طبيعة مجتمعه ومعتقداته ودياناته وبالنتيجة فقره، ويبدو أن الشعوب الفقيرة لها من سعة الخيال ما يجعلها حاضنة للأساطير والأوهام فيمتلئ مشغلها الاجتماعي بكل نادر وغريب وعجيب، ويجعلها قادرة على أن تصنع أوهامها بيسر وتصدقها وتدافع عنها حتى الموت.

أغلب شرفات هذه المدينة القديمة (محجوزة) للأبقار، ك(بيوت) آمنة تقيها من البرد والأمطار والوفر، وهذه الشرفات تتوفر فيها كل ما تحتاجه البقرة من طعام وغذاء ودفء وسكينة! حتى لو اضطر الأهالي أن يناموا في العراء المثلج بدل أن تكون أبقارهم عرضة للزكام والبرد!

ماء الأم المقدسة

عند ساحة دائرية فيها خزان مياه صغير ينتهي بمغسلة تستقبل المياه من ثلاث حنفيات للسابلة والمارة، وقد وضع هذا الخزان للشرب أو للاغتسال أو للتشطيف على ما يبدو، توقفت بقرة مرقطة ضخمة أمام هذا الخزان الصدئ ومدت لسانها لتلعق الماء من إحدى الحنفيات غير المقفولة جيداً. كان لسان الماء ينزل في فم البقرة بشكل بطيء، بدا لي المنظر ظريفاً جداً: أن تشرب بقرةٌ الماء من حنفية!

كان إيقاع المشهد بطيئاً ومملاً بالنسبة لي لولا أني رأيت ما جعلني أراقب المنظر بفضول؛ إذ توقف أحد المارّة وأخذ يمسّد ظهر البقرة بحنان ويحثها على أن تشرب على مهلها، بل فتح لها الحنفية بالكامل ليزيد من إرتوائها، ووقف وراءها لينتظر دوره، ثم تلاه شخص آخر ووقف وراءه وكان بيده طاسة نحاسية، بينما جاء آخر وفتح حنفية ثانية للبقرة لترتوي جيداً، بل ان آخر فتح لها الحنفية الثالثة، وكانت البقرة تلعق من الحنفيات الثلاث وقتاً ليس قصيراً.

حتى خلتُ أن ماء الخزان الصغير سوف لا يكفي لملء بطنها المدورة كبرميل كبير، ذلك الوقت جمع وراءها طابوراً من الرجال والنساء والأطفال الذين ينتظرون دورهم لشرب الماء.الجميع في الطابور الذي بات طويلاً نسبياً دون ضجر أو ملل، فالسيدة الأم تحتسي الماء القراح وعلى الجميع الانتظار! وفعلاً شفطت البقرة ما شاء لها أن تشفطه من مياه الخزان والآخرون ينظرون إليها بمحبة ووله وإعجاب، حتى غادرت المكان وأكثر من كف تربت على ظهرها: بالعافية!

مشوار الثلج

كل شيء هناك يتحول الى ثلج ووفر وبَرَد، كانت التعليمات تقضي استئجار ملابس قطبية خاصة بتلك المنطقة للوصول الى جبل روتانا دون مشاكل صحية ولا تشنجات فقرات.

استأجرنا ملابس حمراء قرمزية وكفوفاً سوداء وأحذية جبلية ثقيلة، محلات الملابس الثلجية متوفرة بشكل كبير ولا شك أنها تدر أرباحاً مناسبة، لأن الصاعدين الى الجبل يعدون بالمئات يومياً.

مشوارٌ جديدٌ بثلاث ساعات ملتوية مع السفوح وصاعدة الى القمم ونازلة الى الوديان، كان الوقت يتموج وسيارتنا الصغيرة تتعلق هنا وهناك مع القرى المعلقة والصخور العملاقة التي تشد من أزر الجبال وترفع فوقها عرائش الكروم وأشجار السنديان الفخمة وشجيرات التفاح المزهرة في كل مكان، فتضيف الى الجبال فخامة فستقية بمزارع خضراء تمتد أينما نمتد مع الوقت. الطريق وعرة وضيقة وصخورها ناتئة في بعض المواقع، وكان زحام السيارات المتراصّة يولّد انطباعاً من خوف غريزي، فالطريق الوحيد يضيق ويضيق حتى يلتصق بالجبل!

الجاموس الجبلي والأبقار الهندوسية وقطعان الأغنام والماعز النازلة من السفوح تكشف ريفاً جبلياً غاية في الروعة والجمال، لكنها كلها عوامل تأخير وشد نفسي، فهذه الحيوانات لها أولوية في العبور والصعود والنزول، وهي لا تذبح على طريقة بعض الأخوة الأعداء الذين يذبحون العراقيين لتحريره من الاحتلال؟

آدم وحواء على قمة جبل

ينفتح الطريق العسير مجرد أن يتفاهم السوّاق النازلون والصاعدون، فيقودنا الى قمم تالية معظمها ما تزال تحتفظ بثلوج تكلل رؤوسها الكبيرة، أما جبل روتانا الشاخص في ذلك الأفق فهو الجبل الأعجوبة ببياضه الدائم ورشاقته المغرية.

في أعلى قمة جبل روتانا الذي نقصده الآن ثمة نبع صغير يجري منذ الأزل. حدث ان مر كاهن اسمه (بيئاس) وكان عطشاً فشرب الماء من هذا النبع الصغير، ومنه اشتق القرويون الجبليون اسم النهر الذي يجري من النبع: بيئاس.

الهنود يعتقدون إنه مكان لقاء آدم وحواء عندما أنزلهما الله من الجنة الى الأرض. ولما عطشت حواء طلبت الماء من آدم، ولما كان أبونا القديم لا يعرف الماء لأنه كان في الجنة احتار أمامها وظل حائراً لا يعرف كيف يجلب لها الماء ومصادفة مد يده الى مكان النبع فانبجس منه الماء وتدفق الى هذا اليوم.

الهنود يعتقدون إن آدم وحواء التقيا هنا في فوهة النبع قبل أن يتفتق وعلى جبل روتانا، لكن العراقيين يعتقدون أن آدم وحواء التقيا في (القرنة) أمام شجرتهما الشهيرة التي تسمى (شجرة آدم)، والبحرانيون يعتقدون أنهما التقيا في دلمون جنة الله على الأرض، وأهل الأسكيمو يرون أن آدم وحواء نزلا بزلاجة على القطب الشمالي فيما يرى الأفارقة أنهما انزويا في غابات كينيا حتى يغطيا عورتيهما.

ولا نريد أن نثقل على القارئ الكثير من المعطيات التاريخية التي تناقش هذه المسألة؛ فالطبري يرى أن الله سبحانه وتعالى أهبط آدم في الهند على جبل يُعد من أقرب ذرى جبال الأرض إلى السماء، والمقصود هنا قمة جبل إيفرست البالغ ارتفاعها 8848 متراً ويشاركه الرأي هذا المؤرخ ابن الأثير.

قبل روتانا وبعد ساعتين من السير الحثيث بين القمم والسفوح ثمة مكان للاستراحة وسوق شعبي ومطاعم سفري وملابس قطبية للإيجار لمن فاته أن يشتري أو كان يعتقد أن الأمر هو مكان بارد فقط. المكان الصاعد الى روتانا يشهد وفرة من السياح والأسر الهندية التي تستهويها ثلوج روتانا القابع كبطة أسطورية وسط جبال عملاقة تحيط به لكنها لا تتطاول عليه، فهو الأكثر هيبة وبداعة إلهية استقرت هنا.

روتانا تحركه أمواج البشر وأمواج السيارات، حتى بدا الفضاء المعلق بألوان الطبيعة كأنه طائر جوّال يهيم هنا ويحرس روتانا من المطر.

تحت الصفر المئوي

قبل الدخول الى منطقة ما تحت الصفر المئوي ارتدينا بدلات الثلج الحمراء والكفوف السوداء والأحذية الجبلية، وفي منطقة الصفر المئوي تغير الجو كلياً. البرد لاذع لكنه ساحر وأليف. المطر تغير الى وفر وامتلأت عيون الجميع ببياضٍ فاقع كأننا دخلنا الى بحر معلق.

كانت أرتال السيارات تغلق الطريق الصاعد الى قمة روتانا. ولكي نكسب الوقت كالآخرين صعدنا مع الصاعدين من النساء والرجال والأطفال والشباب والشيوخ ملبين نداء روتانا. جبل الثلج الساحر بأناقته ووفره وطريقته الرائعة في احتضان المئات من المهاجرين إليه؛ فغريزة هذا الجبل تدرك أي مسافات قطعها الجميع للوصول إليه والتبرك بوجهه الناصع والنوم بين غيومه التي تلتصق به تماما

نداء بيئاس يلح بقوة وأسطورته تمتلئ بالجمال والكاهن القديم يدعونا الى اثره القديم ولا أدري كيف عطشت حواء هنا في احتفالية الثلج والوفر والغيوم؟

غيمات للذكرى

خبأت في جيبي ثلاث غيمات لذكرى روتانا وابني الذي يسبقني دائماً يتعارك مع ثلاثين غيمة هبطت عليه بوفر صبغ بدلته الحمراء ودفن جزءاً منه.

بدا كل شيء يختلط ببعضه في بياض داكن، فهنا، قبل الوصول الى القمة الأخيرة صار الهواء أشد برودة وملامح عاصفة ثلجية بدت أنها ستتشكل، فمهما كان روتانا طيباً، لابد وأن له نزواته، وهذا الشيخ الملتحي الوقور قد يغضب في أية لحظة ولا يمكن أن تفهم مزاجه. عندما نظرت الى الأسفل باحثاً عن سيارتنا كان كل شيء بحجم علبة كبريت وبدت أرتال السيارات وكأنها قطار ألعاب للصغار.

عزاؤنا في هذه الوحشة الجبلية أننا نستريح على أكثر من غيمة نتأمل المكان وطوابير الناس الصاعدة ونداء بيئاس يمنحنا الصبر ويشد من عزيمتنا لبلوغ منبعه العجيب.

جثة هندية

وصلت اليّ جثة سوداء فقدت توازنها وانقلبت في دحرجة متتالية حتى استقرت أمامي، فسارعتُ بشهامة لمساعدتها. كانت جثة حية لفتاة هندية تشقلبت وفقدت توازنها حتى وصلت أمامي وأنا مستريح على غيمتي، شكرتني وهي تسوّي من وضعها وبدلتها السوداء وتتفحص جسدها وأنا أنظر إليها صامتاً، وعندما همّت بالصعود عرقلتها كدمات في ركبتيها: بليز.. كان يو هيلب مي؟ لا أستطيع الصعود هل تسمح أن توصلني الى هناك؛ وهناك كان شيء يتوارى خلف الغيوم والوفر ووجدتها فرصة أن أصعد أنا الآخر. الهندية السمراء قادمة من ولاية بوبال مع أهلها للاصطياف على جبل روتانا الشهير؛ كانت ترتدي بدلة سوداء وتضع على عينيها نظارة سوداء وهي سوداء كأية هندية؛ نحيفة، طويلة. بدت لي من اللحظة الأولى أنها سعيدة في جو مثالي نادر في الصيف الهندي الثقيل.

سألتُ البوبالية: أريد أن أصل الى نبع بيئاس أين هو؟

ـ هناك.. بعد السفح الأخير وسترى الناس يتجمهرون، إنه مكان جذاب وأعجوبة من الطبيعة لن ترى مثلها.

تحملتُ الساعة الأولى بعفوية الانجذاب الى المكان وفرادته؛ فما تحت الصفر المئوي يمكن احتماله لأول مرة، بسبب الدهشة والتجربة المتكونة لتوها وحب الاستطلاع والفضول الإنساني الطبيعي ومن ثم الفضول الصحافي الذي اعتاده كلما ذهبت الى مكان جدي.

غطى الوفر القطني المكان كله، وانمحت السفوح، حتى السيارات التي كنت أراها قبل وقت قصير كالقطط البيضاء ابتلعها الوفر والضباب والسحب النازلة بقسوة. وضاعت الأشياء في لجة الحصار الأبيض، ورغم قلقي، إلا أنني كنت مندفعاً الى هذه الورطة، مرتجفاً تماماً، وولدي يتزحلق ويطير كقرد مدرب.

أسطورة النهر

عكسنا يجري نهر بيئاس، أعجوبة الطبيعة الثانية متدفقاً مزبداً وأمواجه المتصارعة تتسلق السفوح وتقتحم الصخور وتمرق بين الأشجار العملاقة.

المشهد كله يحبس الأنفاس لجاذبيته وعفويته، والمكان يحتاج الى عشاق من طراز نادر وشعراء استثنائيين ومؤرخي جمال ورسامي أرواح هائمة وموسيقيي نايات قصبية ومزامير رعاة تسكنها الأقمار والأوتار والأمطار والأشجار.

من هنا يجري نهر بيئاس، من ذاك النبع الصغير؛ نبعٌ بحجم الرأس يقذف شلالاً لا يتجمد، لكنه أصغر من خرم الإبرة بقياس الجبل العملاق. هذا الشلال المتدفق يجري بين الصخور والعيون المخفية ويصير نهراً عملاقاً يخترق الهمالايا طولاً وعرضاً مررنا به بين الولايات المختلفة ونحن الآن في منبعه الصغير مشدوهين لهذا الجوف الصغير الطالع من الجبل وهو يقذف المياه بعنف حتى تصير نهراً كبيراً تولد على ضفافه حيوات وطقوس وأديان وقرى ومدن وحضارة عظيمة. كل شيء متجمد إلا هو. يفرش ماءه كشبكة الصياد ثم يلتم في مجرى صغير يغور بين الصخور ويطلع من هنا وهناك ويلتقي بنفسه كلما هرب من وادٍ الى آخر.

تحتنا غيوم ووفر قطني متدفق، والجميع يستلطفون لعبة الثلج ويمارسون طفولاتهم بشكل غريزي والنبع الصغير يتدفق ويصير نهراً عملاقاً، والسياح من الهنود القادمين من الجنوب الحار وغيرهم يرسمون لوحة زاهية من لوحات الجمال ويختلطون بالطبيعة الى حد الاندغام التام.

وارد بدر السالم