في إيقاع الحياة السريع.. في لهاثها المتواصل.. في عجلة السنين المفروطة على الطرقات.. في الأحلام المهدورة على الأسرة... في سبات الحلم في انحسار المعنى.. في شبابيك الغربة المطلة على الوطن، في الأوطان المطلة على الخراب.. في الخراب الذي يجتاحنا، ثمة أرواح عصية على الأسر، عصية على الغفلة.
تقترب منها فتفيض عليك، تحاورها فتغتني، تتأمل إبداعاتها فتصاب بالذهول والفتنة. في هذا كله وذاك، تصافح سامي محمد.. النحات الذي قطر من يديه مياه الحياة إلى فم الحجر، ومن ريشته قطر خفقة القلب إلى قماش اللوحة الأصم، ومن صوته المجدول بقلق الخلق فاض بالطمأنينة على الآخرين.
سامي محمد الذي التقيته منذ بضع سنوات في باحة رواق الشارقة للفنون، مسترخياً على المقاعد الخشبية تحت نسائم المساءات وفي اللمة الطيبة لجمع في الفنانين، ومنذ زمن بعيد كنا اطلعنا على بعض منحوتاته، التي تذكر بأعمال النحاتين الكبار، فترسخ في الذاكرة ذلك الاسم الكبير، دون أن نحسب أننا سنلتقيه ونحاوره ونسامره وننصت إليه وهو يتحدث عن حلمه بمتحف خاص يضم أعماله وقصاصاته وأدواته.
متحف محفور على أقواسه اسم سامي محمد الذي طاف في عوالم الفن، مبدعاً ومستكشفاً ومجرباً، راسما أسطورته الخاصة وقد أوقف العمر على لحظات الإبداع الخالدة. منذ عام 1995 اختار سامي محمد الشارقة وطناً آخر له إلى جانب وطنه الكويت، حين دفعه غلاء الأسعار إلى البحث عن مكان آخر يستطيع فيه أن يشيد متحفه على أرضه، وكان قد تعرف للمرة الأولى على الشارقة إثر دعوة شخصية من دائرة الثقافة والإعلام، لإقامة معرض فردي في ردهات قصر الثقافة.
فتنته تلك المدينة الواعدة والمفعمة بالحراك الثقافي والإبداعي، فتنه الفضاء الإنساني، ولمح إمكانية تحقيق حلم هاهنا فسارع إلى شراء أرض، ثم صادف رجلا يدعى خالد شهيل وضع كل ما يملك بين يديه دون عقد أو معرفة سابقة وطلب من أن يبني له بيتاً وغادره إلى الكويت وكان قد سلمه مخطط البيت الذي صممه بنفسه، ليعود بعد ذلك عدة مرات إلى الشارقة إلى أن أكتمل بناء البيت وهو لا يراه إلا متحفاً سيحفظ ذات يوم تراثه الإبداعي الكبير.
البدايات في ابتدائية الصباح
في عام 1943 أبصر سامي محمد النور في حي (الصوابر) أحد أحياء الكويت القديمة، وكان والده خياطاً للبشوت يتمتع بمهارة عالية في مهنته، وكان يلقب بمحمد «الشباب» لاهتمامه الدائم بأناقته، وكان كثير السفر والترحال وقد داهمه الموت في السعودية عام 1975، فحملت أمه المسؤولية باكراً، وغدت بالنسبة إليه الأم والأب، تمده بالحنان والحب الذي لم ينقطع حتى آخر يوم في حياته،
فنشأ مشبع العاطفة ومرهف الحساسية حتى جاءت أعماله مسكونة بتلك الروح الآسرة وتلك القوة الموسومة بالرهافة. ومن فريج الصوابر إلى شاطئ البحر وجد سامي محمد محترفه الأول في رمال البحر وطينه، فبدأت أصابعه تشيد وتبدع أول تكويناته الإنسانية المنذورة للبحر.
وفي طفولته الكثير من الحكايا الحافلة بملامح الوجوه الطيبة والسحنات الحميمة التي ظلت تمد مخيلته بالأشكال القريبة من شغاف الروح، ذلك أن الصورة في مخيلة المبدع هي كائنات ستولد ذات يوم من مسامات الصلصال وكثافة اللون، لتعود من جديد بكامل حياتها وبهائها.
في غضون ذلك كان محمد قد التحق بمدرسة الصباح الابتدائية وبعدها يشترك وهو في الثالثة عشرة من عمره في إنجاز عمل نحتي جماعي يتلقى إثره هدية لإتقانه عمل الشخوص الذين نفذهم.وفي المرحلة المتوسطة التي قضاها في مدرسة الشامية يتعلم مبادئ الفن على يد الاستاذ القدير شوقي الدسوقي ويبدأ بالتردد على «المرسم الحر» والذي تفرغ فيه منذ عام 1962 بعد أن برزت موهبته متقاضيا راتباً شهرياً دائماً.
وكانت الكويت منذ تلك الأيام من أوائل الدول التي كانت تمنح الفنانين والمبدعين إمكانية التفرغ في مرسم متكامل، ومنذ تلك اللحظة التصق سامي محمد بالمرسم الحر الذي شكل انطلاقته الأولى، فكان يواصل الليل بالنهار وقد شكل المرسم الحر بشبابيكه وشبابيكه المصنوعة من خشب الساج،
فضاء محمد الفسيح وعالمه الذي يحتضن العوالم كلها، هناك تجذرت موهبته، ومن تلك البوابة القديمة، خرجت طائفة كبيرة من الأعمال التي أثبتت للعالم، بأنه وتحت ذلك السقف القديم ثمة موهبة فذة تنسج حكايا بصمت لتغزل نشيداً كونياً متفجراً.
من القاهرة إلى نيوجيرسي
رغم الموهبة الساطعة والمهارة البادية، عكف محمد على تلقي دروس الفن والتعلم الدائم، فدرس على يد الفنان المصري أنور السروجي إلى أن حصل على بعثة لدراسة الفن، حينها التحق في كلية الفنون الجميلة في القاهرة وتمرّس في مختلف التقنيات وشكلت تلك الدراسة سانحة له بالتعرف على الفن الفرعوني وعلى أعمال كبار النحاتين أمثال الفرنسي أوغست رودان.
وما إن ينهي دراسته في الأكاديمية حتى تبدأ سلسلة مشاركاته وانجازاته، بدءاً من المعارض السنوية للجمعية الكويتية للفنون التشكيلية، والتي كان قد ساهم في تأسيسها عام 1967، ويبدأ بحصد الجوائز المتتالية وتنفيذ النصب الضخمة التي عزّزت مكانته الفنيّة، بعدها يتلقى الجائزة الوطنية في المهرجان العالمي الثالث للرسامين في مدينة «كان سورمير» في فرنسا، وفي 1972 تختاره الكويت ليؤسس مرسماً لتدريب الهواة والإشراف عليهم وينظم أول معرض لهم تحت مسمى «معرض الربيع».
يتابع سامي محمد مسيرته وتعليمه فيلتحق بمعهد جونسون التقني للنحت في مدينة برنستون في ولاية نيوجيرسي في أميركا ويحصل على جائزة الشراع الذهبي من خلال مشاركاته في المعرض الرابع للفنانين العرب الذي تنظمه الجمعية الكويتية للفنون في العام ذاته، الذي يرتحل فيه والده في السعودية،
وتستمر سلسلة النجاحات والمشاركات وتتعمق رؤاه الفنية وترتبط بالهم الإنساني والوجداني، فيبدع مجموعة من الأعمال التي تصوّر الإنسان في صراعه الأزلي ضد الوحشية والعبوّدية، ويعتبرها من أهم مراحله الفنية التي صورّت الصراخ والألم الإنساني وأكدّت أن المبدع الحقيقي هو في قدرته على تمثل معطيات عصره وإبرازها كوثيقة إدانة راسخة ضد كل أشكال العسف، إنه الصرح الكبير الذي شيّده بالدم والحجارة والذي سيبقى ماثلاً في الأرواح والأبدان على مرّ السنين،
ذلك أن الفن هو لحظة الانتصار القصوى للحب والحلم على الموت بألوانه وأقنعته وأسماله التي تسحل على تراب الأرض منذ حجارة قابيل التي لا تزال تقطر الدم ومنذ صرخة هابيل التي لا تزال تملأ الآفاق. الحديث عن سامي محمد لا يصل إلى الحروف الأولى لتجربته مهما استفاضت العبارة، والوقوف على سيرته
وهي سيرة الزمن الأصيل والمطلّ على تخوم الأزل، لكنها محاولة لاكتشاف بعض ملامح هذه الكينونة محاولة نستعيد بها بشهادة الفنان الإماراتي عبدالقادر الريس والذي عايش محمد في المرسم الحر لسنوات طويلة، في الفترة التي قضاها في دولة الكويت يقول: «أنا شخصياً أعتبره من أهم المبدعين والرائد الأول في الوطن العربي وإمكانياته ليست أقل من كبار الفنانين العالميين،
إنه تجربة كبيرة ومهمة على المستوى الإبداعي والإنساني، وقد عايشته في المرسم الحر، واستفدت منه، كما استفاد منه الكثيرون، وكنت آراه يصل الليل بالنهار منكبّاً على إبداعاته ومختلفاً في انشغالاته وهمومه، إنه ذات إبداعية متأصلة في الهم الإنساني والتعبير عنه، وذات تتركز فيها القيم والمودّة والعطاء،
فقد كان يزورني في منزلي ويدفعني للمتابعة ويثني على أعمالي، سامي محمد وباختصار أحد الأساتذة الكبار الذين يندر وجودهم في هذا الوقت».طلال معلا التشكيلي والناقد الذي اطلع على نتاجه بعمق وتأن والذي تواصل معه على المستوى الإبداعي والإنساني يقول:
الفارس الذي يغالب القسوة
«لا يزال سامي محمد يتصدر التشكيل الكويتي كأبرز الفنانين المثابرين في عطائهم الإبداعي في العالم العربي، ومن أبرز المشتغلين على عذابات الإنسان والقلق تجاه مستقبل الحرية في عالم تتباعد فيه المسافة بين الحياة والكرامة لتبقى أعماله شاهداً حياً ـ أينما عرضت ـ
على ما يشغل المبدع وما يدفعه لتعميق أفكاره والاشتغال بأناة على منجز يتشرب خسارة الإنسان لإنسانيته وكأن منحوتاته بيانات غير مؤدلجة في قالب سياسي محدد، بل هي هواء ينعش المكبلين بحقد العنف وارتهان الروح والجسد لنزوات من ينثرون العنف في العالم.
المهم في تقلبات سامي محمد بين الرسم والنحت أنه صاحب مشروع بصري حقيق بالدراسة والاهتمام، وقد لمست ذلك بعد أن تعرفت إليه مطلع التسعينات وكنت أعرف أعماله قبل ذلك، إلا أن اللقاءات المتعددة معه شدتني للتعرف أكثر على كمية الوحشة التي يستشعرها تجاه العالم، ومقدار الصدق الذي يدفعه لتبني الموضوعات الإنسانية من دون ادعاء والتي عبر عنها بصدق يتجاوز الرعب الذي يحسه بمواجهته لحقيقة العنف منذ نهاية السبعينات وحتى اليوم،
بل لعله كان يشير إلى ذلك منذ تمثاله الجوع مطلع السبعينات أو منجزه «العبودية» وما تلا ذلك من موضوعات مأساوية تكاد تشكل نشيداً للحزن والانكسار ليدخلنا إثر ذلك في هواجسه وكوابيسه وزنازينه وصناديقه التي تدفع المتلقي بقوة باتجاه النقيض، إرادة التحرر والانعتاق والتجاوز، وهو ما حققه في منحوتاته ورسومه المنطلقة من مكان واحد في قلب متكسر الأجنحة ولا يعيق محاولته للانعتاق أي
أمر رغم ذلك السواد والحواجز ليصل إلى منجزه (الشلل والمقاومة) مطلع الثمانينات مشيراً إلى العسف والممارسات اللاإنسانية في العالم المعاصر، وبروح متمردة تجلت في لوحاته التي أبرزت الذات الإنسانية معلقة بالحبال في فضاء الطغيان منذ السقوط عام 1979 حتى نهاية الثمانينات. والتي تشير بمجملها إلى أزمة ضمير عاجز عن الفعل والإرهاصات التي تعنيها الذات الحرة في مواجهة الأوجاع.
لقد تعرفت على عمله صبرا وشاتيلا في فرنسا، درت حوله بشكل غريزي وكأني أنظر إلى جسدي في استراحته الأبدية، وقد أعدت صلتي بمجموعة أعماله حين نفذت فيلم الصمت عن مجزرة جنين في فلسطين، هكذا بدقائق كان لابد من العودة إلى جحيم سامي محمد لتلخيص المأساة وتحويلها إلى رمز يبوح بكل اللغات عن مدى الهمجية التي تشرخ الأرواح.
ما زال سامي محمد الفارس الذي يغالب القسوة ليفصح عن التزامه بالإنسان، أي إنسان معتبراً أن الحرية هي النور الذي يقود الناس إلى الإبداع وتمنح الحياة معناها وبراءتها وتزرع في فضاءات الوعي بذور الخصب وأحلام الأمان».
إسماعيل الرفاعي
