ضيقة هي الأمكنة بحجم الزنازين الصغيرة وقضبانها الرفيعة، فسيحة هي الأمكنة باتساع الفضاءات وانطلاق الروح إلى ما خلف أسوار الوهم المقنع، هنا.. وهناك.. في سوق الطيور، تنطلق العيون متنقلة بين الأقفاص الحديدية لتقتنص متعة من رفرفة الأجنحة الصغيرة، أو تتسمر الآذان لسماع زقزقة العصافير وألحانها التي تنساب في أروقة المكان وكأننا في سامر فريد من نوعه، سامر مطربوه وملحنوه من مخلوقات نحبها ونعشقها لدرجة اغتيالها خلف القضبان،
هكذا رأينا محبة الناس تتقافز من عيونهم مبدين انبهارهم برؤية عصافيرهم المحببة، أو بمداعباتهم التي لا تنتهي لعصافير الكناري والببغاوات محاولين استنطاقها ولو بالعنوة، آخرون يتجهون لركن الصقور متسائلين عن نوعيتها وقوتها، أما ركن اليمام والحمام بأنواعه فهو قبلة للباحثين عن الوداعة والرقة والهديل الآتي من البعيد، سوق الطيور، ساحة من الجماليات تزينها ألوان الطيف، الأخضر بدرجاته المتفاوتة في أجنحة تضرب الهواء،
والأصفر بدرجاته المختلفة على زعانف أسماك الزينة في أحواضها الزجاجية، وقطط تنفض فروها وتنظف ما علق بشعرها من شوائب، بعينين عسليتين شبه نائمتين تطلق نظراتها المستهجنة في وجه المتلصصين على خلوتها، وسحالف صغيرة تتدثر ببعضها البعض بحثاً عن مكان آمن في القفص الكبير،
لا بأس، يملك مخلوقات راقها جمالها وعذوبة صوتها لكي تصبح مجرد مادة بحرية وصوتية ترفيهية يستمتع بها الإنسان، غير أن المشهد برمته يترك في النفس آثاراً تختلف باختلاف الميول والأمزجة، ومدى إحساسنا بقيمة هذه المخلوقات وحقها في الانطلاق إلى مداراتها التي صنعت من أجلها.
في سوق الطيور لحظات المتعة كثيرة، لكن لحظات التأمل أكثر أمام الذين يقفون منصتين لهمسات وهمهمات الثنائيات، زوج من الحمام يلتقيان بمنقاريهما؟ الحبات المتناثرة، ثم يعلوان برأسيهما وبينهما حديث لا ينتهي، لا فرق إن كان حديثاً محملاً بمشاعر جياشة أو كلام عتاب، عصفوران يضربان الهواء بأجنحتيهما الصغيرة ودا لو أن السياج يمتد لمساحة أكبر فيتسع للهوهما البريء، حتى الأسماك أبت
وهي في غمرة الزحام إلا أن تسبح ثنائيات تتابع بعضها البعض، ثمة لغة تجمع هذه المخلوقات لا شك، لكن هل هناك من يطلق زفرة من أعماقه؟ لتلتقي مع نظرات المناجاة، لربما أدركنا حينها قسوة الأقفاص المسيجة، لربما قفزنا فوق لحظات المتعة الوقتية فأعتقنا أرواحنا لتسافر مع عصافير الجنة وغناء الببغاوات.
عزالدين الأسواني



