بينما تتنقل في أرجاء المقهى قاصداً ماشئت من جلسات ومنتقياً بعناية حيزاً ترى فيه راحتك، تفاجئك مجموعة من المشاهد البصرية تعود للوحات تشكيلية افترشت حيز الفضاء متخللة موجوداته على غير عادتها، وكأنها هاربة من الجدران المغلقة لصالات العرض المألوفة إلى خيالات وأمزجة الناس في توقها لملامسة حواسهم ودواخلهم.
تجاورت تلك السطوح المؤطرة مع غيرها من العناصر متربعة تلك الحوامل الخشبية التي انتصبت بجوار كراسي وطاولات وأجزاء جدارية متنوعة التصاميم والتزيين والألوان لتحيلك إلى هروب في عوالم هذا المشهد البصري بما يكتنز من تآلف وما يؤكد من جماليات أرستها رؤية بصرية وهواجس فنانة أرادت من أعمالها نافذة للولوج في أغوار النفس البشرية لهؤلاء الحضور أثناء ممارستهم لنشاطهم اليومي، نافذة عبر حواسهم وتوقد ذهنيتهم وحاجتهم لهذا الخط من اللغة البصرية المدهشة ربما.
وليس بالأمر البسيط أن تصادفك أعمال فنية في مكان أخذ يستقبلك ليمنحك قسطاً من الاسترخاء والتأمل قدراً من الوقت كمساحة للتسامر ولقاء الأصدقاء وملاذ لتناول مشروبات أو بعض الطعام في طقس ألفته منذ زمن، لتجد نفسك تحت وقع مفاجأة اسقطت عليك متعة كبيرة تمثلت بحضور أبهى المشاهد في امتزاج اللوحة بخفاياها ودلالاتها بفضائك المألوف، فتجد نفسك أسير جماليات هذا المشهد الذي يتركك في خانة ممتدة من التساؤلات خاصة وأننا كبشر في سعي دائم للإحساس بالجمال.
نمط جديد ربما من التواصل بين متعلق لا يدرك وبشكل نسبي بالطبع لا يقبل التعميم تلهفه الدفين للمشاهد الفنية وبين مبدع أراد البوح والخطاب الجريء من خلال اللمسة الفنية وما تخفي من قراءات. هذا النمط يؤكد تلك الوحدة في العلاقة المتفردة هذه فيما يخص المجتمع بأطيافه وتفاصيله وبين الفن كلغة جمالية ثقافية فكرية.
هذا المشهد بتفاصيله وإحالاته عاشته كوفي شو بمنطقة جميرا لمدة تزيد على نصف شهر حيث ازدانت حديقة المطعم والأنحاء الداخلية فيه بأعمال الفنانة آمال غصوب مصطفى والتي جذبتها الأجواء العصرية للمكان والتي تبدو هادئة حيناً وصاخبة أغلب الأوقات لتجعل منه ملتقى للأصدقاء والمهتمين بالفن ممن تجذبهم مثل هذه الإبداعات.
بمرورنا على الأعمال نستشف دلالات فكرية معينة ومثال ذلك أن إحدى اللوحات تعبر عن الأمل كمفهوم من خلال مفردات فنية معينة وأخرى تظهر السكينة والصمت بالرغم من أن اللوحة تتصدرها راقصة باليه، ولكن استطاعت الفنانة التقاط لحظة زمنية من تحركات الراقصة على مسرحها كانت غاية في التعبير.
وأخرى من اللوحات يتصدرها ثقب باب يخفي خلفه عين تراقب في رمز للفضول إلا أن الألوان توحي بالحزن، ما يعني أن الفضول في بعض الأحيان يجرك الى الندم فتدفع ضريبة شغفك للمجهول أو حتى في مواقف كثيرة رغبتك في المعرفة ثمناً كبيراً.
وفي لوحة أخرى توحي وقفة راقصة التانغو في بداية الرقص بشيء من الغرور على حركة الأيدي والصياغة الشكلية، الفنانة تؤكد إمكانية اختصار الخطوة في بدايات سياق طويل مفتر ض ضمن قناعات راسخة بأن البداية في خطوة وتتلوها خطوات متتابعة.
من هنا نرى أن الفنانة تنشد خطابها الجريء بلغة سيكولوجية بعض الشيء كمضون وموضوع لتكشف عن مشاعر إنسانية وحالات متنوعة تقدمها ويكتشفها المتلقي، وبهذا فإنها تطلق مزيدا من الأفكار والرؤى التي تلامس دواخلنا بشفافية واضحة.
وتقول آمال: هذا معرضي الشخصي الأول بعد مشاركاتي المتعددة في معارض جماعية كان آخرها في صالات «تريد سنتر» في دبي وأحضر مع مجموعة من زملائي الفنانين لعرض قادم في فندق ماجستيك في بر دبي ضمن بحث تشكيلي معين وكنا اتفقنا على إطلاق تسمية pinxit على مجموعتنا وتعني كل ما يتعلق في التوقيع الفني الذي يرافق اللوحة.
وأنوي في القريب العاجل تأسيس غاليري خاصة بي ولهذا فإن خطواتي الحالية تأخذ منحى تحديد ما يجتذب الأنظار من أنماط فنية من خلال مشاركاتي وعروضي الخاصة وصدى ذلك لدى الجمهور. وتشير إلى أن دراستها الأكاديمية في إطار نظم إدارة المعلومات وأنها تعمقت في دراسة التسويق عموما وشاءت الصدفة أن تعمل في الغرافيك كإعلان
وتصميم وأنتجت بعض الشعارات التي تفتخر بها وبدأت بالتصميم في هذا الإطار ومارسته مدة تزيد على السنة ونصف السنة، تقول: بعد ذلك بدأت أشعر أن طاقاتي ربما أكبر من هذه الحدود حيث عملت في شركة كونسيبت توداي كمصممة ومن ثم مخرجة فنية أضع الأفكار التي تفضي إلى إعلان هادف. وهذه الخطى وضعتني أمام أفكار إبداعية تتعلق باللوحة ودفعتني للبحث فيها.
وتضيف آمال: المعرض بداية جيدة لي، أما أعمالي فأنجزتها بمواد الإكرليك على القماش وفي أغلبها تعبيرية والبعض منها يذهب في اتجاه تجريدي بعض الشيء وتجذبني عادة الألوان الهادئة وأتعامل معها بمزيد من الحساسية بغية الوصول إلى انسجام لوني يوحد اللوحة، وفي لوحاتي دمج بين ما هو حديث وما يوحي بالقديم والموروث من مفردات.
أرى في لوحاتي اقترابا إلى حد كبير من مشاعر الناس وابتعد إلى حد ما عن الخيال باتجاه شيء حقيقي وواقعي فيما يخص المشاعر وهذا ما يدفعني إلى تناول التشخيص وكذلك نوعية الموضوع. وترى الفنانة في أعمالها دعوة لاكتشاف كل منا لجوانبه الإبداعية
فبإيجادها لشيء ما لديها يشكل أهمية معينة عملت بدأب على البحث فيه دون توقف وأبرزته، فبرأيها أن كل يوم جديد تتصدره خطوة مهمة ومعنى كبير، وتشعر آمال بضرورة تناول مسائل معينة كالنسيان أو الخوف أو الغضب بجرأة وبصورة مختلفة إيجابية سعياً للوصول إلى حالة من التفاؤل تفضي إلى الجديد والمهم.
قصي بدر



