في الجزء الثاني من الحديث مع الوالد خلفان الظاهري يأخذنا بوأحمد إلى رسم تصور لمدينة العين في فترة الخمسينات من القرن الماضي، كيف كانت جغرافية المنطقة؟ كيف تشكلت؟ وعلى أي أساس سميت الأمكنة فيها بأسمائها التي مازالت تحملها إلى اليوم؟
ـ لو استرجعنا صورة مدينة العين في الخمسينات، كيف كانت؟
ـ كانوا يسمونها عمان الاول، والسبع بلد (البلدات السبع) عندك منهن العين (واحة العين الواقعة اليوم وسط مدينة العين بجانب محطة الباصات والسوق المركزي)، الناس الاول يحسبون المناطق هنا ويسمونها حسب الافلاج التي فيها، لذلك هذه المناطق او (بلد العين) سميت حسب الافلاج التي كانت تجري فيها، كل منطقة اخذت اسمها من اسم الفلج الذي كان يجري فيها، السبع بلد على سبع افلاج،
هذه العين مثلا كان يجري فيها اثنين من الافلاج هما فلج الصاروج (وهو اسم لحي سكني اليوم في العين على طريق مزيد) وفلج الداودي او العيني (وكان يجري داخل نخيل واحة العين الحالية) ومازالا يجريان حتى اليوم بجهود وتوجيهات المغفورله بإذن الله الشيخ زايد الذي اولى عناية كبيرة وخاصة لافلاج العين لما كانت تمثله من قيمة تراثية وتاريخية لدى ابناء مدينة العين وابناء دولة الامارات بشكل عام،
وعندك الجاهلي كان فيه فلج ايضا لكننا مالحقنا عليه اندثر الا يخبروننا عنه اهالينا واجدادنا ومكانه كان قلعة الجاهلي الحالية ويسقي المناطق المحيطة بالحديقة العامة حاليا، وكان فلجا المويجعي والمعترض يجريان في فترة الخمسينات حتى سنة 1957 - 1958 م، وكان الشيخ زايد رحمه الله قد أعطى أوامره لتقوية هذه الأفلاج وعني بها عناية خاصة الله يرحمه ويغفر له كما قلت.
وهكذا كانت تتم تسمية بقية المناطق في مدينة العين كل منطقة سميت على اسم فلج وكان فلج المسعودي ولحق اهالينا على هذا الفلج وشربوا منه وكانوا يسقون منه مواشيهم ايضا وكان يأتي من شمال هيلي ويجري غربا، هذا في هيلي والقطارة كان فيها فلج يسمى فلج القطاري وغيرها، والأفلاج كلها منسابة من الجبال القريبة.
كانت الناس تستقي من هذه الأفلاج وتروي الأنعام وتسقي المزروعات، الناس كانت تزرع البر وبعض الفواكه والحمضيات حول مجاري هذه الافلاج وتعتاش من هذه الزراعة بشكل رئيسي، اضافة لسقي النخيل، غيرهذه الافلاج والزراعة وغير كد الناس على البوش لم يكن هناك شيء، كان اغلبية الناس تعيش وتعتاش من هذه المهنة ان اردت ان تسميها مهنة، حتى بدايات الخمسينات بدأت الناس تسمع بوجود عمل جديد حين انشئ هذا الجيش البريطاني في سنة 1953م او 1954م لا اذكر بالتحديد.
ـ لو افترضنا اننا الآن ننوي الذهاب إلى مدينة دبي على ركاب (جمال) فأي طريق سوف نسلك، صف لنا الطرق التي كنتم تسلكونها في تلك الايام، من اين نبدا ونحن خارجون من العين حتى نصل دبي؟
ـ كنا نحن ورباعتنا نظهر الاول من هنا من هذه الوديان القريبة من منطقة هيلي، نمر بمنطقة الحمام، ثم البديع، ثم بدع محمد، وبدع بن احمد وهذا الطريق الذي كنا نسلكه نحن، وهذه موارد ماء الناس تستقي منها وتروي البوش وتقف عندها مثل محطات الاستراحة، وبالمناسبة هناك عدة طرق كانت تسلكها العرب وليس طريقا واحدا فقط، لكني اصف لك الطريق الذي كنا نسلكه نحن مع ابائنا،
ثم نمر بعد طوي بدع بن احمد بطوي يسمى الخصوب وقد انقطع عنه الماء وارتأت الدائرة عندنا دائرة الآثار والمتاحف في العين ان نتتبع آثاره إلى ان وجدناها وسوف تقوم الدائرة بتسييجه بغية الحفاظ عليه والعناية به مجددا، ثم نمر بعد الخصوب بطوي الفقع، بعد طوي الفقع بمر بـ (المرة) و(النخرة) وهما قريبان من دبي، بعد النخرة نكون قد وصلنا بعده إلى (زعبيل) ووصلت الساحل، هذا كان خط سير القوافل قديما كما رأيته بنفسي.
ينوخون العرب الإبل في العرصة قريب السوق عند محلات بالشالات، واحدة في ديرة من الشرق، والأخرى في بر الشندغة البر الغربي التي يسمونها الغبيبة، ينوخون ركابهم وينزلون أحمال السخام او التمر او ما جلبوه من بضاعة من على ظهورها، ساروا برزوهن وعقلوهن على البحر، قريب البحر ورجعوا إلى الدكاكين في السوق، واشتروا حاجاتهم وحملوه مرة اخرى حسب ظروف كل شخص.
السيرات على الإبل كانت تتم حسب ثلاث مراحل، المرحلة الاولى اذا كان الواحد او الاثنان يركبون مطيتين هذان يستطيعان ان (يسرحا) من العين مثلا فسيضويان (يصلان) إلى دبي في يوم واحد اذا انطلقا بعد صلاة الفجر يصلان قريب صلاة العشاء إلى دبي اذا كانا فوق جمال قوية ومروية وغير جائعة شبعانة (مطايا مرتبة ومطعومة)، وهذا اذا كانا ذاهبين لأمر عاجل ومهم، كأن يكونا حملا رسالة (خط) من عند الشيوخ وينبغي ايصالها بسرعة إلى المعني بالأمر مثلا،
وممن اذكرهم من اهالي العين الذين جربوا هذا النوع من الرحلات السريعة المستعجلة شخص يدعى جعفر بن سعيد العامري توفي رحمه الله السنة الماضية، ظهر من أبوظبي وقت الفجر برسالة من الشيخ شخبوط إلى الشيخ زايد رحمهما الله وكان المرحوم الشيخ زايد في ذلك الوقت يقيم في العين في الجاهلي، فوصل في نفس اليوم حوالي بعد صلاة العصر كان في الجاهلي. اما المرحلة الثانية
فهي رحلات التجارة حين تحمل الابل بالسخام او التمر او اي بضاعة اخرى، فستأخذ الرحلة على الأقل ثلاثة ايام، ثلاثة ايام ونصف او اربعة ايام، اما النوع الثالث من الرحلات البرية على ظهور الابل قديما فكانت مخصصة لنقل العائلات (يسمونهن قديما كريات من الكروة او الاجرة) وتتجه عادة مثل هذه القوافل إلى المقيظ سواء من أبوظبي او دبي إلى العين مثلا، ويسمونهم الحضار، وهذه الرحلة تستغرق وقتا اطول،
حيث يمكن ان تاخذ خمسة إلى ستة ايام ويمكن اكثر لأنهم يحملون النساء وكبار السن والأطفال مما يتطلب عناية ومراعاة ظروف هؤلاء بالتوقف للاستراحة اثناء الرحلة اكثر من مرة. ربما تستغرب لو قلت لك ان بعض البدو قديما من ابناء هذه البلاد كانوا يأتون من مناطق بعيدة لا تتخيل اليوم ان بإمكان المرء مثلا ان يقطع مسافة من مدينة أبوظبي مثلا إلى مدينة العين ويصلها ماشيا على قدميه، لكن مثل هذا الأمر كان يحدث،
وقد حدث مع والدي رحمه الله، قفل من موسم الغوص في ابوظبي، في سنة من السنين، وخرج ماشيا مع احد الأشخاص من معارفه، وهذا الشخص مازال حيا يرزق يسمى نصيب بن قعيط العامري يعيش هنا في العين وان كانت صحته معتلة قليلا، جاءا مشيا على الأقدام من أبوظبي إلى العين، بدون ركاب.
بعد انتهاء موسم الغوص (صيف حار آخر القيظ) لم يجدوا من يحملهم على مطية من معارفهم في ذلك الوقت، اخذوا في مسيرهم ثلاثة ايام، كانوا يمشون ليلا وفي النهار ينامون، في النهار كان الجو حارا وحتى لا يفقدون كميات من الماء كانوا يستظلون بظل شجرة ويستعينون بشربة ماء وما تيسر لهم من حبات التمر، تلك كانت مؤنتهم، ويستريحون ويقيلون (ينامون فترة القيلولة ) حتى يحين وقت المغرب يستأنفون السير وهكذا حتى وصلوا العين وقد قطعوا مايقارب 160 كيلومترا..
ـ ماذا عن مرحلة التحاقك بالعمل في قوة كشافة ساحل عمان؟
ـ كان عمري كما قلت حوالي 15 عاما، سمعت مثلما سمع غيري من الناس من بعض الاشخاص الذين التحقوا قبلنا فيه من ابناء العين، أعتقد انه جاء إلى هنا سنة 1952م، الناس تشوقت للعمل، باب رزق جديد الناس كانت محتاجة، العديد من معارفنا اشتغلوا في هذا العمل منهم علي بن عزيز العامري ومثل حياة محمد بن حيروم هؤلاء رأيناهم مدربين كانوا يدربوننا في الميدان.
ذهبت مع بعض الأصدقاء من هنا مشيا إلى منطقة محطة التي فيها بني كعب القريبة من العين، حيث كانت مثل مركز تجمع للراغبين للالتحاق بالعمل في الجيش البريطاني كما كان يسمى، اخذونا في سيارة (بدفورد) إلى الشارقة، كنا حوالي اربعة اشخاص من العين، معي كان جمعة بن رحمة الدرمكي وسعيد بن عبدالله بن بروك الحميري واثنان آخران لم يجتازوا الفحص الطبي الذي اجري لنا في ذلك الحين، وقد اجري لنا الفحص الطبي داخل (المحطة) في الشارقة في مقر الجيش عند وصولنا إلى هناك.
وبعد ان اجتزنا الفحص جندونا نحن الثلاثة، ورأينا أناسا قد سبقونا من أهالي العين هناك، منهم عبدالرحمن الكعبي وغيره. بعد انتهاء التدريب الذي استمر لمدة ستة اشهر، وزعونا على عدة مناطق، فخدمنا في المنطقة الغربية، طريف ومرفع (المرفا)، ثم رجعنا السنة الثانية إلى العين وداومنا في الجاهلي، قلعة الجاهلي مقر القوة آنذاك، بقينا تقريبا نداوم اكثر من ستة اشهر، بعدها تركت العمل معهم.
كان الضباط عندنا اكثرهم اجانب، اذكر منهم واحد يسمونه كابتن (روش)، وكابتن (كليطن) وقد زارنا مؤخرا في دائرة الآثار والسياحة هنا في العين حيث مازلت اعمل، ومن المواطنين من وصل في ذلك الوقت رتبة وكيل، كان عندنا سهيل محمد بالكاز المهيري وكان هو وكيل القوة في الجاهلي في السرية التي كنا فيها، وكان اسمها سرية (بيس كدرن) وعددنا كان كبيرا.
بعد ان تركت العمل عندهم التحقت للعمل في شرطة ابوظبي، (فنشت) من القوة حوالي سنة 1957 م والتحقت بالشرطة اوائل سنة 1958 م. كنا نتسلم راتبا تراوح بين 75 - 100 روبية هندية في قوة كشافة ساحل عمان كمجندين، بينما بداية راتبنا مع شرطة أبوظبي كانت بالنسبة لي 110 روبيات إلى 160 - 071 روبية نعمة الحمد لله.
داومت في العين عند المرحوم الشيخ زايد في المويجعي مدة ستة شهور، ثم انتقلت إلى جزيرة داس في الشرطة اواخر سنة 1958 م، وقد حملونا في (لنش) من الفرضة التي هي اليوم عند موقع ميناء زايد على ساحل أبوظبي إلى هناك. بقينا هناك تقريبا اربعة اشهر،
ثم رجعنا إلى أبوظبي وداومت فترة في (النقطة) وهي مركز شرطة أبوظبي وكان موقعها بجانب قصر الحصن الذي هو اليوم مبنى المجمع الثقافي، ارسلوني بعدها إلى العين وخدمت عند الشيخ شخبوط رحمه الله في الحرس إلى ان انتهت خدمتي من الشرطة.
ـ متى بدأت علاقتك بإدرة الآثار والسياحة في مدينة العين؟
ـ عينت في الادارة في 16 اكتوبر سنة 1974 م، وقد تأسست الدائرة سنة 1969 م، ومجال عملنا هنا يشمل ترميم الحصون والقلاع التاريخية الموجودة في العين، والتنقيب عن الآثار، حيث كنت رئيسا لقسم الآثار ومسؤولاً عن عمل بعثات التنقيب وعن عمليات الترميم ايضا، اول تعاملي كان مع البعثة الفرنسية التي نقبت عن الآثار في العين سنة 1975، ومازالت تواصل أعمالها حتى اليوم حسب مواسم التنقيب.
ـ ماذا تذكر عن سنة الجراد التي مرت على أهالي مدينة العين؟ ولماذا سميت بسنة الجراد؟
في نهاية سنة 1957 م جاءنا هنا الجراد، اسراب كثيفة، المشكلة لم تكن مع الجراد ذي الحجم الكبير الناس كانت تعرفه، والأهالي كانوا يصيدونه ويطبخونه ويأكلونه هذا لم يكن فيه ضرر، المشكلة كانت مع (الدبا) اي الجراد حديث الولادة الذي كان يلتهم الاخضر واليابس لايخلي نخلة ولا يخلي عرج ولا تمر) من المزروعات، يلتهم كل نبات، جاءنا الجراد الكبير صيفا ووضع البيض وطار وترك البيض هنا حتى فقس البيض وخرج الجراد الصغير وهو مانسميه الدبا) الذي كان سبب المشكلة..
عمار السنجري



