منالي سرة الهمالايا .. مدينة في عاصفة ثلجية

منالي سرة الهمالايا .. مدينة في عاصفة ثلجية

صورة

الصعود نحو جبل (فيو) الخرافي بتضاريسه الصخرية القاسية وطريقه الملتوي يرسم حدودا طبيعة باردة يجمّلها الرذاذ وانبثاق الشلالات المتدفقة ليجمع حشود السياح من حوله فيزيد من إبهارهم مع الصور الفيديوية وصور الديجيتال التي تأخر العالم كثيراً في صناعتها.

حديقة الهمالايا الوطنية الكبرى هي أكبر محمية في هيمتشال براديش تكونت نتيجة تفتت أجزاء من سلسلة جبال كولّو العالية وتشتهر بتربية الماعز الجبلي المتوحش الذي يسمونه «البهارال» والنمر الثلجي والدب البني المفترس.. كل الأماكن آمنة. كل القرى والقصبات والمدن الصغيرة والكبيرة.

لم نرَ مظاهر للشرطة والجيش والعسس، فدار الهند مأمونة ببركات كريشنا، فهو وأولاده وأحفاده الفيلة يحرسون الهمالايا منذ عصور بعيدة، والهمالايا يؤمها عشرات الألوف من السياح الصيفيين من كل أنحاء العالم؛ ما عدا العرب، تتوفر على طبيعة لم يخلق الله مثلها على وجه الأرض، لذلك فالقرويون ينتظرون مثل هذا الموسم ويتكاتفون ليظفروا بالمزيد من السياح والزائرين..

الأحلام تموت حينما تستيقظ

برفقة نهر بيئاس طوينا باندوهدام التي كانت الأمطار فيها ثقيلة بحباتها الكبيرة ،ومع ملامح المساء الجديد كانت (منالي) تتلألأ بالأضواء والأمطار والبرد. وكانت معابدها الملونة تستقبل الوافدين إليها بحفاوة، فيما بدت المدينة مختلفة عن بقية المدن التي مرت بنا، فهي كبيرة بشوارع عريضة متداخلة تعرض محلاتٍ كثيرة تبرق النيونات في واجهاتها وأسواقاً شعبية متلاصقة، ويختلط فيها الناس في كرنفال مسائي ثوّرهُ المطر المترادف وألق الجبال التي تتوارى خلف ظلام بدأ يهبط على مهل.

تقع منالي في قلب عاصفة ثلجية، وعلى مرمى مطرٍ أبيض. تقع أيضاً في قلب عشبة جبلية نادرة كانت قبل قليل حبة ثلج ثم تفتحت فصارت زهرة فريدة تشع بالحب والجمال.أخذت اسمها من الوثن (منو) الذي حفر وجوده في المكان ومن خلال معبد عمره 4000 سنة

وهذا يعطينا فكرة مباشرة عن عمر الدين الهندوسي الضارب في القِدم، الذي لا يُعرف له مؤسس كالدين البوذي. هذا الوثن رعى منالي عبر القرون هو وأولاده وأحفاده الثيران والأبقار وأفاعي الكوبرا لتكون منالي وليدته الجميلة في هذا الحشد من الجبال والأشجار والأمطار؛ يحرسها مطمئناً لينام ليلها على أنفاس روحه الهائمة في كل مكان.

لا يحتكر الهندوس هذه المدينة / الزهرة المتوقدة / بل ثمة تجمعات بوذية وإنْ كانت قليلة، لكنها تشكل جزءاً من المشهد الهمالاياتي بأطيافه المتنوعة. وللبوذيين ما للآخرين من معابد أشهرها (تبتن منا ستري) لكن أكثرها قدسية المعبد الموجود في (درام سالا) الذي يعد المعقل الأول لهم وللتبتيين الهاربين من أوطانهم، لكن أهم معبد بوذي في العالم هو الموجود في (لاهاسا) عاصمة التبت الخاضعة للسيطرة الصينية؛ يعني أن هذه المجموعات تعيش بسلام وتحترم كل مجموعة ثوابت المجموعة الأخرى.

منالي قرية بحجم مدينة، أعانها الوثن منو لتكون قِبلة القادمين إليها، فهي تقع في مفترق طرق تقود الى مختلف الولايات الهندية، كما تستقطب القادمين إليها من التبت والنيبال وغيرها، كما يمكن ملاحظة حشود السياح يدورون في أعطافها ودروبها ويتوزعون في محالها ومطاعمها ومشاربها، ولم أخطأ في تشخيص الكثيرين منهم وتوقع جنسياتهم، وعندما سألتُ عنهم قالوا لي:

نعم.. كل السياح هنا من الإسرائيليين؟؟ وهذا ما يجعلنا دائماً نتساءل عن هذا (النوع) من السياح ! وهو الأمر اللافت والمثير: أن يكون السياح الأجانب من نوع واحد ومن نقطة انطلاق واحدة! رائحة المغول متروكة على المحلات والبيوت الحجرية بعمر 300 سنة تقريباً وروائح الآلهة تسبغ على المدينة شتى أنواع الطقوس من الديانات المؤشرة على أزياء المناليين؛

فالعمامات الملونة تدل على السيخ والثياب العنّابية تدل على البوذيين وبقية أهل المدينة من الهندوس وطوائف أخرى لا أعرفها. وما عدا ذلك فالسياح يتخاطرون في أزقة المدينة بملامح لم تكن خافية عني منذ الصباح، حيث بات تماماً من أن يهود إسرائيل يملؤون المدينة عن آخرها بفنادقها ومطاعمها وحواريها ودروبها الضيقة ومحلاتها: شباب إسرائيليون من كلا الجنسين وبأعمار تكاد تكون متقاربة.

يهود ومخدرات

قبلي زار الهمالايا مراسل صحيفة «هندوستان تايمز» وتوغل كثيراً فيه وخرج بنتائج عويصة، راصداً حركات الإسرائيليين وتواجدهم اللافت للنظر وكتب أشياء مذهلة ليس أقلها من أن المنطقة تتعرض إلى غزو إسرائيلي في صورة عشرات الألوف من الإسرائيليين الذين يتواجدون في الهند على مر السنة. وكلهم شباب من رجال ونساء يأتون إلى الهند والهمالايا.

والمناطق التي يفضلونها هي مدينة «منالي» بولاية هيماتشال براديش بشمال شرقي الهند ومناطق شمال الشرق حيث ظهرت عدة قبائل تدّعي أنها بقايا يهود الشتات! وبينما يأتي من إسرائيل حاخامات لتعليم رجال القبائل مبادئ الدين اليهودي واختبار مدى تمسكهم باليهودية تمهيدا لنقلهم إلى إسرائيل،

هناك حاخامات آخرون يأتون لإقناع الشباب الإسرائيلي الذي لا يرغب في العودة إلى بلده ويفضل العيش في الهند؛ والخطير في تواجد الإسرائيليين في الهند أنهم قد احتكروا تجارة المخدرات في منطقتي «منالي» و«كسولي» بولاية هيماتشال براديش حيث أقاموا دكاكين ومطاعم وفنادق يرتادها الأجانب وقليلا ما يدخلها الهنود.

ويبدو أن الإسرائيليين قد اغتنوا كثيرا بتجارة المخدرات وهم يتواجدون في الهند بحرية ويفتحون الدكاكين والشركات بدون أن يحصلوا على تراخيص. وأن رائحة المخدرات الكريهة وأنغام الموسيقى الصاخبة تنبعث من المناطق التي يعيش بها هؤلاء. وقد تعلم السكان المحليون اللغة العبرية للتعامل معهم

كما توجد لافتات بكثرة باللغة العبرية في هذه المناطق و يتم زراعةالحشيش بها بصورة غير قانونية ثم يتم تهريبها إلى أوروبا و إسرائيل واليابان. ولم يصدق المراسل عينه حين وجد أن الإسرائيليين الذين يزرعون أشجار الحشيشة في تلك المنطقة المنعزلة، حيث أقاموا مصانع لتكريرها والمواد الكيماوية لإنتاج مواد مخدرة مثل حبوب «كريك» و«سبيد»؛ إذ يجلبون إلى المكان مواد كيماوية ويستعينون بخدمات علماء الأدوية لصنع حبوب مخدرة غاية في الخطورة.

ولا يسمح لأي هندي بدخول هذه المنطقة التي يزرعون الحشيش على جبالها بشكل نجمة داود. وأصبحت مدينة منالي كأنها (إسرائيل صغرى).حيث تتزايد أعداد الإسرائيليين فيها يوماً بعد آخر، وظهرت فيها لافتات باللغة العبرية ويمكن مشاهدة نجمة داوود في كل مكان كما تسمع كلمة «شالوم» أنى ذهبت.

هذه المعلومات جمعها لي صاحب الفندق، وهو صحافي يراسل صحف العاصمة، بطبيعة الحال لم تهتز أمامي صورة «منالي» الجميلة ذات الطبيعة الخلابة، فقد تركتُ كل شيء يمضي على سجيته، لكن اتضحت بعض الصورة الخفية لنشاط هؤلاء في هذه المنطقة النائية. وعموماً فإن يهود إسرائيل هم عصب السياحة هنا وفاكهة منالي المغلقة كمدينة قبلية تشدها طقوس وتعاليم هندوسية صارمة في بعض الأحيان؛ وقد يشكلون في مفاصل منالي ما لا أعرفه على وجه الدقة.

روضة منالي

«منالي» سرّة الهمالايا ومركزها الحيوي وروحها النابضة بالحياة والجمال وألوان الطبيعة. منالي القديمة تقع على أطراف منالي الجديدة. ثمة تاريخ قديم متروك بين الجبال غيبته أشجار السرو العملاقة، لكن لم يغب عن ذاكرة المعمرين الجبليين ولم تغب شواهده وبيوته العتيقة وآثاره التي ظلت تستحضر الماضي بقوة.

المدينة القديمة متآكلة. شبه متفحمة كأنما مر عليها حريقٌ مدمر. بيوتها من حجر يتراصف فوق بعضه ومن جذوع صلبة تغطي سقوفها وتشكل واجهاتها بمعمار بدائي بسيط. لا تزال الحياة فيها بدائية إلى حد كبير كأنما لم تسمع بتطور البشرية ولم تكن على مقربة من قوافل الحجيج الذين يمرون بها من أصقاع العالم.

أبقارها سارحة تروّث الشوارع وكلابها تتشمم الغرباء وأهلها مغيّبون إلى الحد الذي تبدو فيه المدينة كما لو كانت مهجورة، لولا نبض بطيء لحياة بطيئة تتسرب من هنا وهناك لرجال متقاعدين عن الحياة ونساء أكل الشيب رؤوسهن والجميع لهم سحنات مغولية. الحريق القديم يؤشر قِدَم المدينة. وبيوتها المتهالكة تؤشر سريان الزمن العنيف وتعاليم (الآلهة) التي ترافق الإنسان الجبلي هنا وتتحكم بمصيره.

في بيتٍ متداعي الأركان وفي فسحة جانبية منه شاهدنا حشداً صغيراً من الأطفال دون الخامسة من أعمارهم. كانوا جميعهم يتباكون: هذه روضة أطفال!المرأة العجوز التي تدير شؤونهم بدت قديمة جداً، كأن أهلها المغول نسوها هنا. والأطفال ملتمون على بعضهم في بكاء جماعي وتحت طقس بارد.

ما عدا ذلك فالمدينة لا يقطنها إلا العجائز من الجنسين؛ يتشبثون بذكريات بعيدة وشباب آفل وما تزال ذكريات الأمطار تنهمر في رؤوسهم الحية. هؤلاء معمرون وأقوياء بالفطرة والتجربة، لكنهم يعاندون الزمن وفكرة القفز على الحياة إلى الأمام؛ كأجدادنا المزارعين الذين يموتون بالسل ولا يذهبون إلى المدينة للعلاج.

بين المناليتين حشودٌ من الغابات المكتظة بالظلال والبرد الربيعي. التبتيون الهاربون من وطنهم يتوفرون على نحو يمكن تمييزه في محلات الباعة؛ محترفين ببيع الأقمشة والتحفيات والنمنمات التي تستهوي السياح. دخلنا معبداً بوذياً كبيراً؛ جذبتنا ألوانه البراقة وهندسة بنائه. ثمة طقس يجب أن يؤدى بملابس خاصة كان علينا أن نرتديها ونرقص مع أرواح المعبد الهائمة. في الداخل إله كبير الحجم كأنه عبد خرافي ومن حوله أبناؤه الآلهة الصغار.

وحضرة (الإله) مسكونة بالصمت والنور الشحيح إلا من تراتيل كاهن قرأ لي من كتاب مسطور بعضاً منها دون أن أفهم ما القضية!تحيط ببناء الحضرة من الخارج دواليب وبكرات كثيرة وعلى الزائر أن يدوّرها بيده ويمشي معها، وهذا طقس بوذي مصحوب بتراتيل خافتة، وهي أشبه بالدعاء والولاء والتمني لقضاء الحاجات.

المشاهد الجبلية هي ذاتها والمعابد متكاثرة بشكل كبير على القمم والسفوح كأنها أبراج مراقبة لجيش سري. والمطر يتقطع والغيوم تلتقي وتفترق ونحن ننزل الجبل تلو الجبل وأغاني الجبليين العاطفية تتردد بين الوديان وربما ترددها معه قرويات عاشقات قتلتهن العزلة الجبلية.

المدن التي عبرناها في الساعات التالية هي: سلابر وكهاكس وبيلاسيور وهي قرى فلاحية أكثر من كونها مدناً كبيرة، لكنها تتوفر على خدمات المطاعم والمحلات وكلها محشورة بين أشجار عظيمة ومزارع فسيحة، حتى (جوكو) المرمية من سفح شاقولي وسكانها مرميون في أجواف المعابد والأكواخ.

ظل طريق بنجو المظلل يقودنا الى المطر، ولم يكن الزحام الذي تحدثه اللوريات البهيجة مزعجاً لنا، بقدر ما كان فرصة لتأمل المكان والناس والمعابد والمحلات والسياح الأجانب المتخاطرين في المكان لأغراض التصوير وطبع الذكريات الجميلة في مكان يتصادم المطر فيه على مدار الوقت.

في هذا الجو المكتظ لفتت نظري ظاهرة غريبة، كنتُ رصدتها منذ دخولنا هذه الولاية إلا أنني عددتها شيئاً عابراً، لكن تكرارها في كل مكان جعلني أتساءل عنها فعلاً، فمنظر الرجال السيخ بعماماتهم الملونة باتت مرأى اعتيادياً وهو زيهم اليومي، لكن مشهد توزيع الماء في الطرقات وعلى المارّة والسابلة هو ما يبعث السؤال والتساؤل؛

فالصِبْية السيخ يملؤون أحواضاً من المياه العذبة ويتسابقون لإرواء الجميع، ومع أن المطر يغسل الشوارع والأرصفة والجو بارد، إلا أنهم مصرون على هذا السعي الحثيث، وأياديهم تتناوب في ملء الطاسات النحاسية وابتساماتهم تشرق في وجوه العابرين، حتى بات المشهد كله ماءً مختلطاً مع المطر الهاطل،

فأسعفني السائق قائلاً من أن هذه عادة هندوسية عندما يكون الجو حاراً نسبياً وهو شعور إنساني لدى هذه الطائفة من أنه لابد من أسقاء المارّة والسابلة حين يكون الجو على قدر من الحرارة! وبطبيعة الحال لم يكن الجو حاراً فما يزال المطر ينقّط خفيفاً غاسلاً كل المدينة والجو شفاف إلى حد الشاعرية،

لكن صديقنا سائقنا أوضح لي من أن هذا الجو يُعد حاراً قياساً إلى شهور الشتاء القاسية، وهنا عادة هندوسية تشبه عادتنا في أيام عاشوراء حين يقوم العراقيون بتوزيع الماء(السبيل) على الآخرين متذكرين عطش الإمام الحسين وأهله في واقعة الطف الشهيرة. والكثير من عادات السيخ عبارة عن تأثرات في طقوس الهندوس والإسلام.

(الإله) ديفدا يستصرخ الشملاويين

أكثر من أربع ساعات هي الحصيلة الأولى في هذا التفاف حلزوني يشبه لعبة (حية ودرج) فما إنْ تصل الى القمة حتى تبتلعك الأفعى لتبدأ المشوار ثانية مع جبل آخر، حتى تل جاكو وعندها تبدأ المدينة كأنها لا تنتهي لسعتها من ذلك التل الشاهق ولوقوعها على مفترقات طرق تؤدي الى كولّو ولاهول من الشمال والى سولان وسيرمور الى الشرق.

شملا: منتجع أخضر زاه بخضرته العميقة، وهي العاصمة الرسمية لولاية هيماتشال براديش التي كانت ذات يوم العاصمة الصيفية للبريطانيين في الهند. مناخها بارد طيلة العام وطقسها صحي. وتاريخياً تم فيها توقيع قضية فصل الباكستان عن الهند وتأسيس دولة الباكستان الحديثة.

وهذه المدينة الجميلة هي قرية كبيرة وتقع على مفترق طرق كثيرة تقود الى أعماق الهمالايا أو توصل الى مختلف ولايات الهند المتفرقة. وتقع شملا على قمة أكثر من جبل وتنحدر بيوتها الحديثة والقديمة على أكثر من سفح وهي محطة استراحة للسياح والزوار، إذ يمكن المبيت في أحد فنادقها.

في منحدرات شملا معابد صغيرة ومتوسطة وبأشكال هندسية اغلبها بدائي، ومن البديهي أن تكون المدينة هندوسية لها من الطقوس والأفكار ما لا أستطيع الوقوف عنده في هذا الحيز؛ غير أن ما لفت نظري وفاجأني حقاً هو صراخ القرية المفاجئ نساء ورجالاً وظهور رجال وشباب حاملين الطبول والدفوف والصنوج، يصفقون على إيقاعات بدت أولاً ناشزة، إلا أنها تساوقت في نهاية الأمر. هبّ الجميع الى مكان معين يتراقصون ويطبلون ويزمجرون.

تجمعت القرية في مكان صغير نسبياً أمام تمثال صغير وُضع بين جدران محاطاً بالزينة والشموع، وهي ترقص وتطبّل وتنشد التراتيل بخشوع، فيما كان الصغار يتسابقون لهذه الرؤية التي تشدهم الى خيالات طفولية لا اعرفها، وكان المطر يزيد من انفعالات الجموع ويسبغ عليهم ألفة طقسية فريدة جداً. كان سائقنا يتأثر بهذا المشهد، فالرجل هندوسي وابن شملا البار ورأيته منشدّاً الى الحفل الارتجالي الذي تكوّن فجأة.

ذلك التمثال هو وثن محلي اسمه

(ديفدا) ومعناه (المعبود) وهو وثن يقود الهندوس الى الفضيلة ونبذ كل أعمال العنف والشر، أما سب هذا الاحتفال الفجائي، فأهل شملا يعتقدون أنه إذا تحرك هذا الوثن من مكانه، فإنما يدعوهم الى الفضيلة والخير، ولابد من وجود علّة ما في هذا المجتمع الصغير، لذا يتحرك، أي يتململ في مكانه، وأي شخص يراه عليه أن يبلغ أهل القرية فوراً ليؤدوا هذه الطقوس على الفور، إرضاء لديفدا معبودهم!

وعندما رأيتُ التمثال الصغير في نهاية الأمر تيقنتُ أنه لا يتحرك مطلقاً، فهو من حجر ثقيل ولا أدري كيف يتحرك! تفسيري البسيط لهذا «المزحة» وبعدما تيقنتُ من الآخرين من أن الوثن ديفدا يتحرك أحياناً من مكانه ثلاث أو أربع أو خمس مرات في اليوم الواحد، إنما يعود الى أمرين لا ثالث لهما:

الأول : بما أن العقيدة الهندوسية (وهي وثنية) ضاربة في أعماق المواطن الهندي كدين حقيقي، متجسمة في الأوثان الكثيرة التي يعبدونها ليل نهار، فمن المحتمل أن هذا الوثن الموضوع في وسط القرية، وهم يرونه في اليوم عشرات المرات يشكّل (عيناً) راصدة للجميع باعتقادهم،

فمن يخطأ أو يرتكب إثماً مهما كان فإنه يشعر أن الوثن ديفدا يراه بطريقة أو بأخرى، وبالنتيجة فلابد أن يرى ذاك الآثم من أن الوثن قد تحرك غاضباً، لهذا يبادر على الفور بدعوة القرية رجالاً ونساء لتأدية تلك الطقوس كي يزيح الهمّ من صدره وهو نوع من تعنيف الذات طلباً للتطهر.

الثاني : تأتي أيام لا يتحرك فيها الوثن كما عرفتُ أيضاً، وهذا يعني أن لا طقوس مفاجئة ينتظرها الجميع؛ وهذا مدعاة للقلق عند أهل القرية، وبما أن ديفدا معبودهم راصدٌ لحركات وسكنات الصغار والكبار من النساء والرجال ولا يغفو لحظة واحدة عنهم فلابد وأن خطأ ما يحدث بينهم،

أي لابد من خائن بينهم خدع الوثن ديفدا، مما يزيد من تراكم القلق لدى الآخرين، ويحدث أن احدهم متعبد تخر العبادة من أذنيه، فيُخيل إليه أن الوثن ديفدا يتحرك ويدعوه الى الغفران، فيكون عاملاً مهيجاً لسكان القرية الذين يتوافدون من كل الاتجاهات وهم يتبركون بمعبودهم الجاثم على دكته!

وارد بدر السالم

تعليقات

تعليقات