إذا سمعت بأنّ قرداً يطير، وإنّ طاووساً يضيء قبر الإله باسكار في آخر الليل، وإن بقرة تعالج المرضى وأن جبلاً تبخر وصار سحابة زرقاء وإن قمةً جبلية غيرت مكانها في اليوم التالي فلا تعجب، وإذا سمعتَ أن أحداً أمسك القمر بكلتا يديه و دعاه إلى وليمة عشاء. وإن ثمرة تزوجت سنجاباً فصدّق هذا على الفور،
وإذا قيل لك أن قرية زوّجت حمارين قي احتفالية صاخبة، فما عليك إلا أن تهز رأسك وتنتظر ما سيأتي من عجيب الأحاديث ؛ فحينما تكون في بلاد الهند وفي جبال الهمالايا بالذات لن تكون هناك فاصلة مرئية بين الحقيقة والخيال؛ فهنا كل شيء يختلط ببعضه في بانوراما عجائبية غرائبية قلّ أن يحصل مثلها حتى بين الشعوب البدائية.
لذلك صدقوا مَن يقُلْ لكم أن الموتى هنا يتزوجون!والبقرة المقدسة تطير! والقرد يعالج المصروعين ! صدقوا أن المطر في الهند يعشق النساء وإن الشجر يتزوج وينجب أطفالاً ! صدقوا أن بعض القرى تزوج بناتها الصغيرات للكلاب لمنع الشر عنهنّ ! وإن زواج الحمير مباح لإستنزال المطر! وإن الآلهة الهندوسية المنتشرة في المعابد تحرس الجميع وتبارك صباحاتهم ومساءاتهم بعيون لا تنام ! فلا عجب لأنك في بلاد الهند : كنز العجائب وسلة الغرائب.
هذه رحلة إلى جبال الهمالايا الهندية توفرت على مشاهدات ورؤى وفيوضات جمالية كانت نادرة في الطبيعة العذراء التي تتمتع بها هذه البقعة الخلابة، ومع صعوبة تضاريسها المعقدة جداً، بل الخطرة جداً، إلا أنني حاولتُ التكيف مع فصولها المتوالية عندما وجدت نفسي مندفعاً إلى قلب الجبال العملاقة دون تخطيط جدي لهذه الرحلة الظريفة ؛
فالمصادفة وحدها جعلتني أجوب هذه البلاد الهندوسية بدءاً من شمالها الشرقي البارد والممطر والمثلج في كثير من مناطقه ؛ نزولاً إلى جنوبها الحار والخانق على إتساع أراضيها ؛ فالبلاد تعيش في فصول متنافرة كما يبدو، لكنْ لجبال الهمالايا سحرٌ خاص ووقْعٌ أثير، فهي منطقة تقع على روابي الجبال
وقمم الثلوج وسفوح الغابات الخضراء ؛ مكتفية بذاتها كمكان ذي فرادة وتاريخ وطقوس وشعائر هندوسية تكتظ بها المعابد. الهمالايا وطنٌ كبير صاعدٌ إلى السماء بجباله الخرافية وثلوجه البيضاء وأشجاره المتطاولة. وطن هندوسي بامتياز تتقاسمه الشعائر والصلوات ويفترعه التاريخ القديم وتتوالد في تضاعيفه الخرافاتُ والأساطير والآلهة التي لا عذّ لها ولا عدد !
الرحلة طويلة ومعقدة مرت بعشرات القرى والأرياف والمدن الصغيرة والكبيرة والمعابد التي تمتلئ الجبال بها، لكننا سنقصر الكلام على ما كان بارزاً في رحلة الهمالايا، هذه السلسلة العظيمة التي تُعَذ اكبر سلسلة جبال على وجه الكرة الأرضية وتقع إلى الشمال والشمال الشرقي من الهند بامتداد 2500 كم من الشرق إلى الغرب ومن 80 - 150 كلم من الشمال إلى الجنوب وفيها 79 قمة يزيد ارتفاعها عن 6500 مترا وتنبع منها أنهار السند والبراهمابوترا. تكللها قمة إيفرست الشاهقة.
طاغور مرّ من هنا
على طريق يقع خارج المطار تفتح فجرٌ صيفي مهادن انبجس من شبكة الليل العريضة مترقرقاً بولادة صفحة ذهبية عمّت السماء ومنذ اللحظة الأولى يمكن أن ترى حياة الفجر موصولة بليلها السابق وترى حشود الهنود متدافعة على الطرق الجانبية بالدراجات النارية والهوائية والعربات التي تجرها الثيران والجواميس والبشر أيضاً، فثمة ما يشير على الفور إلى أن حياة الهندي عبارة عن كد يومي حثيث ؛ لكن المعادلة هنا ؛
وفي أول انطباع مغاير ؛ هو تشكُّل الطبيعة في أول لحظات انبثاقها من الليل وفي أول نصف ساعة فقط ، حين تفتحت عيوننا على أول إطلالة جمالية حينما أخذت كتل الغابات بأشجارها الطويلة وظلالها المرتخية تكشف مفاتنها الزاهية، وبدا أن الطريق سيشق الكتل الخضراء ويمرق إلى حلم الهمالايا الطويل.
وفي هذا التشكيل الجمالي الأول قاطَعنا قطيعٌ صغيرٌ من الطواويس مشرعة الألوان، ترعى مع انعقاد خيوط الشمس في الفجر الهندي فزّزتها بجعات قليلات ثم الحقول ومستعمرات المياه التي اكتظت بالجواميس وقطيع صغير لخنازير وخنانيص تبحث في أكوام القش ثم بقرة سمينة تقطع الطريق بثقة، يتبعهما كلبٌ أدركه الصباح، ثم قرود ونسانيس تتقافز بين الأشجار وطيور مختلفة تتخاطف في الولادة الأولى لنهارٍ جديد ؛
وفي سرعة هذا المشهد : طواويس وأبقار وخنازير وقرود وجواميس ونسانيس وطيور وكلاب أيقنتُ أن الميزة العظيمة للرؤية الأولى هي أن العقل لا يعي قدوم المزيد كما قال الشاعر الهندي طاغور وهو في الطريق إلى الهمالايا عندما دعته تلك الأمكنة بقوة في زيارة تاريخية لها، فالدهشة التي صعقته وهو يتجلى في ماكينة الجمال هذه جعلته يأسف على كل لحظة فلتت من عينيه وباصرته، لأنه يدرك أن الطبيعة لا تكرر مشاهدها العفوية ثانية.
إقليم النساء الجميلات
الوصول إلى قمم الهمالايا يعني المرور بعدد غير قليل من الولايات الهندية المتوالية التي يشكل وجودها مدارجَ صاعدة إلى الغيوم والسماء، ولعل «البنجاب» تكشفت فوراً عن سر من أسرارها الجميلة حين لاحت الأثواب الهندية المزركشة بالألوان كلها على قاماتٍ باسقة ووجوه مغسولة بالعنبر الهندي لنساء بنجابيات،
وفاحت رائحة الغابة التي تحتضن المدينة وكأنها خرجت من عيون البنجابيات البيضاوات فكل شيء أمامهنّ صافٍ وجميلٌ وشاعري، حتى يخالُ الرائي إنهنّ جزءٌ من الطبيعة وجزء من لوحة المكان. تولد البنجابيات من زواج المطر بأشجار البلوط : يولدن بالفطرة ويعشنَ ببركات الإله «شريغانيش» الذي يحرس عيونهنّ من النعاس ويدرأ عن رموشهنّ الغبار..
والبنجابية منهنّ عاشقةٌ بالسليقة وجميلةٌ بالغناء وبيضاء مثل الحليب لأنها لا ترى إلا شمسها التي وُلدت معها ؛ وهي شمس عجنتها حقول الأرز وباركتها الأمطار وحرستها غرانيق البحيرات الساكنة على أكتاف الغابات المتخمة بالأريج.نساءٌ جميلاتٌ وغاباتٌ ربيعية ومطر وغيومٌ وسحبٌ وطواويس وقرود منفلتة وصباحٌ مكتظٌّ بالبشر وسياراتٌ تتعاقب مع المِزَن الأولى ودراجات «الركشا» و«الأوتو» التي تختصر إشارات المرور وتدلف من أضيق الطرق، وهي وحدها التي يُستفاد منها لرخص أجورها.
نساء الدراجات النارية
ولاية « جان ديكر» تعني « البيت الفضي» وهذا البيت الفضي يبدو ولاية حديثة من المشهد المكاني الذي تدور الغابات حوله فأصبحت جزءاً منها، غير أن ما يلفت الأنظار على الفور هو الزحام الهائل والكبير للدراجات النارية والهوائية التي تملأ الطرقات الرئيسية، حتى ليبدو الأمر وكأنه سباقٌ ماراثوني مشترك لهذه الأنواع من الدراجات.
النقطة اللافتة والتي لا تغيب عن النظر المباشر وحتى العابر هي منظر النساء اللواتي يقُدْنَ الدراجات النارية والهوائية، وهذه الولاية هي ولاية النساء بامتياز، كل النساء تقريباً سائقات ماهرات لدراجاتهنّ، وستبدو هذه الرؤى المفاجئة شكلاً من أشكال التحرر الطبيعي من الفقر وضغط الحياة التي يُعوزها الكثير من الكماليات اليومية،
لذا فإن النساء هنا على أشكالهنّ لا يعرفن من السيارة إلا أنها سيارة يركبها من هو قادر على ركوبها، لكن الركشا التي هي نوع من أنواع الدراجات النارية المحوّرة توفر للراكبات السرعة المطلوبة في زحام الطرق لصغر حجمها. هذه الولاية تعد من الولايات الفقيرة، يُباع هنا كل شيء مهما صغر حجمه وقلّت قيمته، وبائع الآلهة هنا عادة ما يكون متنمراً،
سريع البديهة، يشرح لك «فوائد» الإله وأهميته في الحياة اليومية الهندية ؛ فهذا شريغانيش مذلل الصعاب وهذه القديسة هديبمبا رسولة الهندوس، وهذا آييبا قاضي الحوائج وهذا تريبوتي إله النقود وهذا شيفا الإله المدمر المخيف. فلا تعجب لتعدد الآلهة، لأن المجتمع الهندي هكذا والهندوسي منه على وجه الخصوص، مجتمع يبالغ في وثنيته،
حتى تجد المعابد في ولاية واحدة تضاهي في عددها جوامع الشرق الأوسط كله! ثمة من يتجول بإله واحد أو إثنين في عربة خاصة وقد زركشه بالزينة والشموع المضاءة ليضفي جواً من القدسية على الإله الذي يستجدي به، وفي الغالب سيجد هذا المتسول ما يسد غائلة جوعه من المتصدقين والمتعبدين الذين يرتبك يومهم إذا لم يقدموا الصَّدَقة الواجبة للإله الذي يصادفهم في الطريق.
قصة حب مغولية
تمتد السهول والغابات مع امتداد ولاية «بنجو» التي أفصحت أن جوها يشي ببرودة شتاء لا يغادرها مهما تبدلت الفصول وتلونت السماء والحقول.أكبر الآثار الجميلة الشاخصة في المكان هو قصر بنجو الذي تركه المغول كفاصلة امتازت بفخامة البناء وجمال العرائش والحدائق العملاقة التي تحيط به.هذا القصر له قصة حب مغولية عاشها قائد مغولي ؛
وقصة الحب هذه تركت للتاريخ قصراً منيفاً وحدائق عامرة بكل أنواع الفاكهة والحمضيات والأشجار والشجيرات ما كان متوفراً منها في البانجو أو ما جُلب من البلدان الأخرى ؛ إرضاء للحبيبة التي سلبت قلب القائد المغولي، ومع أن التاريخ لم يسعفنا أن نرى شمائل هذه الحسناء،
إلا أنه كان كريماً أن يخلد ذكراها في قصر شاهق تحفه الكروم وأشجار المانجو الخضراء ، وبانجو ولاية تبدو صغيرة ابتدع ملكها العاشق قصراً وقلعة عالية جلب إليها وإلى حبيبته من أرجاء العالم كل أصناف الورود والأزاهير والفاكهة النادرة وكل الأشجار والشجيرات كالمانجو والخوخ والخيزران والدردار والتوت والريحان والقطن والبتولة والأقحوان والتين والقيصوم والجلبان والزنابق
والجوز والموز والزعفران والماتي والكافور والنعناع والحور والخزامى والدفلى والزيتون والسمسم والنرجس والسنديان والسوسن والبلسم والياسمين والنسرين والبنفسج والبيلسان والبهار والجلبان والكمون والشيح والصفصاف والصندل والفل والعنّاب والتفاح والبرتقال والأجاص
والقرنفل والكادي والليلك والينبوت؛ من كل الألوان والأوطان والرياض والأفنان؛ وما تزال تلك التشكيلة الأعجوبة ماثلة إلى الآن، تنمو وتتوالد في أرجاء القصر الشاهق وحدائقه البيضاء والخضراء والحمراء المشتعلة بورودها وأثمارها كسر من الأسرار الملكية الغامضة حتى الآن.
شملا ومندي
(شملا) أول مدينة كبيرة تختفي بين جبال الهمالايا، وهذا يعني أننا نحتاج إلى وقت غير قصير نصعد فيها القمم ونهبط منها إلى الوديان. كان الوقت يتغير والمناخ يتغير والشمس تطلع وتختفي وراء حُجُبٍ من غيوم تتراصف وتفترق، لهذا تسودُّ الظلال وتبيضّ، فتنكشف وتختفي نمورٌ وأيائل وطيورٌ وصقورٌ وغزلانٌ وأبقارٌ وأغنامٌ وقرى صغيرة متناثرة وبيوتٌ منفردة وشلالاتٌ وينابيعٌ وأنهارٌ..
الجبليون يدركون المخاطر بحواس خفية ليست لنا مقدرة على فهمها بالشكل الصحيح مادام الصعود إلى السماء مكلفاً ؛ والهندوس من سكنة الجبال لهم أنوف كلاب بوليسية مدربة على تشمم أي خطر طبيعي وغير طبيعي، وكل واحد منهم سليل هذا المكان وحفيد الإله شيفا لديه أنف شافط للمخاطر وعينٌ ترى ما لا نراه ؛
وكاد المساء يبتلعنا تماماً لولا أنوار متباعدة على السفوح والقمم القريبة والبعيدة، وهي أنوار متفرقة لسيارات تكابد الظلام وتتسلق السفوح الصعبة، فبدت كأنها نجوم سقطت من السماء سهواً واختارت أعشاشها بين الأشجار العالية والساكنة على دبيب المطر والقرى الهاجعة في ليل أول بارد، وهو ليل غريب بسكونه ومطره انمحت فيه الجبال تماماً وانطبق السواد على السواد إلا من تنقيط متحرك لأضواء السيارات المعلقة هنا وهناك.
أشجار الأناقة والأنوثة
تلك القمم البعيدة التي كنا نراها طائرة بين السحاب والضباب والسراب الجبلي صرنا فوقها قبل قليل.إنطوت خمس ساعات بين القمم والسفوح والقرى المتناثرة والمراعي البكر والأشجار الطويلة والحقول التي تشي دائماً بطبيعة شديدة الخصوصية وجمال مثالي نادر، لكن القمم لم تنتهِ بطبيعة الحال، فما تزال في الأفق قمم شاخصة وشاهقة، وثمة قمم بيضاء كأسراب من البط القطبي.
استقبلتنا المعابد قبل المطر في «مندي» وهي عبارة عن سلالم من الأزهار وسقائف من الأشجار وقطعة كبيرة من إخضرار فاقع.المدينة صممتها الطبيعة لتكون حاضنة مطر وبرد ورذاذ وسحب عابرة إلى قمم الثلج، وما لفت نظري فيها هو الأشجار العملاقة التي لا أبالغ إذا قلت أن طول الشجرة الواحدة هو عشرات الأمتار الصاعدة من الوديان العميقة بأشكال وَبرية وإبرية ومسطحة وملفوفة،
ولها تصاميم هندسية لا تشبهها أشجار أخرى؛ وهي غاية في الأناقة والأنوثة الصعبة المتمرسة على العزلة والتوحد، فتشكل جزءاً من المشهد المندي لقرية غامضة توسعت مع قوافل الحجيج إلى المعابد والقادمة من التبت والنيبال لتصير مدينة، فيشكل الهندوس كل سكانها تقريباً، لذلك تتكاثر المعابد والآلهة وتتكون مدينة وثنية لا علاقة لها بكل الكون حين تعيش في هذه العزلة الفريدة مظللة بالأشجار والثمار والأمطار والآلهة المرمية في المعابد تجعلك تعيش في زمن قديم،
لكن هذا الزمن المتقدم في العصر النووي والجرثومي والجيني يضع أكثر من علامة استفهام لست بمعرض الحديث عنها الآن، فالهند النووية والدولة العملاقة في الصناعة والتصنيع والسياحة والزراعة والأساطير والخرافات تضعنا أبداً في قلب الأسئلة وهذا سر غرائبيتها، والهندوس كائنات فوق الخيال وأعلى من الأساطير، بل أرقى مما يمكن للزائر أن يصورهم ويكتب عنهم.
جاهليون ؟ نعم!
أسطوريون؟ نعم.
خياليون ؟ نعم.
وثنيون ؟ نعم..
هم كل هذا المزيج الغريب، يتشكلون منه ويتشاكلون مع الحياة والطبيعة والدين الذي يسيّرهم على حافة شعرة رفيعة جداً. وما تزال صورة غاندي العظيم على عملتهم الوطنية، لا تتغير مهما تغيرت الأحوال، لأنهم يحترمون رموزهم الوطنية التي قارعت الاستعمار، وفي كل الشوارع الهندية لا ترى إلا صورة الهند فقط.
سادلوج
نهر سادلوج الذي يجري قادماً من الحدود التبتية الصينية. كان نهراً شديد البياض يغور في الوديان كثيراً ويدور مع المنحيات في رحلة طويلة الأمد، لكنه وفي آخر ساعة تقودنا إلى مدينة ( كولّو) ينهض من تلك الأغوار العميقة ويفك عقدة نزوله الأزلية في الوديان ليطفو على المدينة كنهر هادئ وجميل،
فيشكل كورنيشاً طويلاً يتمشى فيه العشاق وتلعب القردة على ضفتيه وما يزيد الجو ألفة هو المطر الحميم الذي لا يكف عن الهطول.سادلوج الذي أوصلنا إلى كولّو سيتحول بعد قليل ويترك المجال إلى أسطورة بيئاس : النهر الآخر الأكثر جمالاً بأسطورته الغريبة.
«كولّو» مدينة خضراء عن آخرها.كل شيء فيها أخضر.الشارع شريان أخضر. الغيوم خضراء..البرد أخضر. المطر أخضر. البيوت خضراء، حتى الرذاذ هنا أخضر، ولشدة إخضرار المدينة يراها الناظر قبل دخوله إليها كتلة من السواد !
وحتى الورود والأزاهير هنا تضيع في لجة الدم الأخضر المتكاثف إلى حد الإعجاز.هذه المدينة الجميلة فيها مطار بونتار؛ يستقطب السياح من مختلف ولايات الهند وفيها تُصنع أفضل الشالات النسائية التي تسمى ( أنكوري) ويتكاثر الطلب على هذه الصناعات المحلية من دول خليجية معينة.وتعد هذه البقعة الخلابة من بين أضيق الوديان في العالم، لأنها تقع بين نهر وسلسلة جبال عملاقة.
معابد وكهنة
البشر ذاتهم.نفس السحنات السمراء. لم يتغيروا منذ يومين رغم المدن والقرى التي مررنا بها في رحلة الصعود المضني.ويبدو أن للدين علاقة في تكوين الشخصية الهندوسية اجتماعياً ونفسياً، ومع أن هذه المدن الرابضة فوق القمم والسفوح المنحدرة متباعدة نسبياً،
إلا أن رابطة الدين الهندوسي هي أقوى الروابط التي ينتظم الجميع فيها، لذلك لم تتغير أمامي الوجوه منذ أول مدينة مررنا بها ؛ أعني أن الدين الهندوسي بكل تفريعاته وفلسفته وعقيدته وأفكاره (نحت) الإنسان الهندي بالشكل الذي هو عليه الآن، وحتى الأجيال الجديدة لم ترَ من الحياة غير المعابد والكهنة والطقوس.
بمعنى آخر أن الدين الهندوسي تمكن حتى من الانتصار على الطبيعة ؛ فالهمالايا جنة أرضية لا مثيل لها بين جنات الأرض، لكنها لم تعطِ من شكلها أي ملمح للهندوسي الفقير الراكض وراء يومه بلباس التقوى الدينية التي لا تنفع ولا تضر في النهاية،
وهذه ملاحظة شخصية وجدتها في كل الوجوه والقامات والسحنات : نفس النمط الآدمي.نفس الوجوه.نفس العبادة.نفس المعابد.نفس اليوم بساعاته الطويلة؛ مع أن الطبيعة تتجمل مع الساعات وتغرق في أكثر من حلّة جمالية وتبتكر لها صنوف التحولات السريعة كواحة كبيرة عليها أن تستبدل ثيابها في الأوقات كلها..
وارد بدر السالم


