عندما أعلنت مدرسة حلوان الإعدادية في الشارقة عام 1979 عن بداية نشاط المسرح المدرسي، كان إبراهيم سالم الطالب في الصف الثالث أول من تقدم للانضمام إلى فرقة المسرح المدرسية، ووقع عليه الاختيار من الفنان المصري لطفي لبيب المنتدب من وزارة التربية والتعليم للإشراف على المسرح المدرسي ليقوم بدرو الراوي في أول ظهور مسرحي له في مسرحية (انتصار الإسلام )،

وكان ضمن مشاهدي العرض الفنان عبدالله المناعي والصحافية هند عمرو، اللذان ركزا على أدائه وأشادا بقدرته على تجسيد الشخصية، ومنذ ذلك الوقت شعر إبراهيم أنه يمكن أن يكون ممثلا وبدأت موهبته تتنامى، ومثل سالم أول عرض جماهيري له على خشبه المسرح (الله يكون في العون )، وبعدها توالت مشاركاته المسرحية، وأثناء ذلك نال دورة تدريبية في المسرح عام 1982 أقامتها وزارة الإعلام والثقافة.

وعندما انتهى إبراهيم سالم من دراسته الثانوية التحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية في الكويت ونال شهادة البكالوريوس في الإخراج والتمثيل عام 1988، وخلال دراسته في المعهد اشترك في عملين لمنظمة التحرير الفلسطينية وهما «عريس الأرض» وهي مسرحية مستقاة من الفلكلور الفلسطيني، «باب الفتوح» للمؤلف محمود دياب والمخرجة اسمهان توفيق،

وأدى في هذا العمل بدور الراوي وكان دورا مؤثرا تكمن صعوبته في إلقاء قصائد محمود درويش وسميح القاسم، وبجانب هذين العملين قدم إبراهيم سالم عدداً من المتفرقات لإذاعة وتلفزيون الكويت، وبعض الأعمال الفنية أثناء عودته إلى الإمارات في الإجازة.

وعقب التخرج اشترك سالم كمحاضر في ورش تدريبية، وشارك بمسرحية المنديل المأخوذة عن عطيل لشكسبير في مهرجان القاهرة التجريبي الأول عام 1990، وشارك في الأعمال الدرامية فعمل في مسلسل الكفن وبيت الشمار، وفي الإذاعة مثل واخرج آهات البحر،

وفي المسرح أخرج المواطن عنتر، زجاجة فارغة، قريبا من ساحة الإعدام، ومسرحية الزمزمية التي نالت أربع جوائز في التمثيل والإضاءة والتأليف والصوت في أيام الشارقة المسرحية، ومسرحية الرحى من اعداد مرعي الحليان عن مسرحية الثمن لآرثر ميلر والتي فاز بها كأفضل مخرج على مستوى الوطن العربي في مهرجان الأردن العربي 2000.

ومثل في مسرحية باب البراحة تأليف مرعي الحليان وإخراج ناجي الخاي والتي عرضت في ايام الشارقة المسرحية وفاز فيها بجائزة أفضل ممثل دور أول، وشاركت نفس المسرحية في المهرجان الخليجي في قطر ولأول مرة يأخذ الممثلون الأربعة المشاركون في العمل جائزة عن دور أول،

وحصلت المسرحية كذلك على أفضل نص وأفضل عرض متكامل، ودارت إحداث المسرحية حول أربعة جسدهم كل من إبراهيم سالم، احمد الأنصاري، عبدالله صالح، وفاطمة الحوسني وأصغرهم يبلغ عمره حوالي 70 سنة ويعيشون في مركز للمسنين، ويعانون بالطبع من أمراض الشيخوخة مثل رجفة الجسد ورعشة الأيدي وتفاصيل الوجه،

وطوال ساعة ونصف الساعة وهي مدة العرض يمر هؤلاء بأحداث فيها حزن وضحك ومأساة بجانب التركيز على إيقاع الجسد وحركته والأعصاب، وتعد تلك المسرحية من المحطات المهمة ليست فقط في حياة إبراهيم سالم الفنية ولكن هي أيضا من المحطات المهمة في تاريخ المسرح في الإمارات.

الحكواتي البهلوان

وعلى ما يبدو ان دور الراوي ظل ملازما للفنان إبراهيم سالم في معظم أعماله منذ صغر سنه، فقد اختاره الفنان جواد الأسدي ايضا لتجسيد دور الحكواتي في مسرحية (ليالي أحمد بن ماجد )، والتي تعد من المحطات المهمة ايضا في حياة ابراهيم سالم، حيث كان الحكواتي جزءا من العمل وضمن شخوص الرواية،

ولم يكن رجلا عجوزا كما اعتدنا ان نرى الراوي بل كان مهرجا يقترب من شخصية بهلول في مسرحية الملك لير، ومن خلال ادائه الذي يعتمد على الكوميديا والتهريج يقول الحكمة والتي لها دلالات خاصة في معانيها، كما يرافق هذا المهرج احمد بن ماجد منذ طفولته وحتى الكبر وأثناء معاناته مع الرحالة البرتغاليين ومن المعروف ان القصة والإخراج للدكتور جواد الأسدي.

ويعد مسلسل (بنت الشمار ) لتلفزيون الشارقة من أهم محطات الدراما في حياة ابراهيم سالم، وأيضا مسلسل حاير طاير، كما يقدم لإذاعة الشارقة سوالف وعلوم وهي دراما يومية تعالج كل يوم حالة اجتماعية.

لم يكتف بالموهبة ولم يأخذ حقه

تقول عنه الفنانة مريم سلطان اعتبره ابني، فقد بدأ معنا وهو طفل صغير وكبر وسطنا، ومازلت أتذكر شكله عندما كان يأتي إلى المسرح وكان عمره لا يتجاوز الخامسة عشرة وهو يضع في أذنيه السماعات ويستمع إلى الموسيقى ويغني ويرقص، كذلك عايشت عن قرب مراحل تطوره الفني، شاهدت عن قرب كيف كان يأتي إلى المسرح ليرى ويتعلم،

وخلال سنوات طويلة مضت تأكدت من كونه فنانا يمتاز بحسن الخلق والصبر والمثابرة، فقد كافح واجتهد ودرس وتعلم، ولم يكتف فقط بالموهبة التي منحها له الله سبحانه وتعالى، لكنه أراد أن يصقل تلك الموهبة بالدراسة الأكاديمية حتى يلم بكل العلوم التي تؤهله لأن يكون ممثلا أكاديميا،

وهو متميز بشكل مهم كمخرج مسرحي استطاع أن يقدم اعمالا شبابية يقدمها فنانون من الشباب والتي تمتاز بالحركة الكثيرة على خشبة المسرح، وهو كممثل اقل ما يقال عنه انه غول ينفرد بأداء لا مثيل له، كذلك هو فنان مثقف دائم القراءة في شتى مجالات الفنون، ويقرأ كثيرا اعمالا لمؤلفين عالميين، وهو يسعى دائما لتطوير نفسه وتنمية مهاراته ليتمكن من أدواته، ومن وجهة نظري هو فنان لم يأخذ حظه حتى الآن في الدراما التلفزيونية رغم انه كالنسر الذي يحلق في السماء بقوة ويمتلك مقومات جسمانية وصوتية تؤهله لذلك.

نجم المهرجانات الفنية

وتضيف الفنانة مريم سلطان: يعجبني اداؤه بشكل كبير فهو يتقمص الدور ويجسد الشخصية بكل ابعادها فهو ممثل يمتلك إحساسا عاليا، ويمتاز بالجرأة وسرعة البديهة، ويستطيع أداء كل الأدوار بنفس القوة وهو من الفنانين الذين شقوا طريقهم بنجاح وثقة رغم صعوبة الطريق الذي اختاروا السير فيه، إلا انه استطاع الاستمرار بتفوق وقدم أنواعا مختلفة من ألوان الفن، وهو نجم يشق طريقه باقتدار خلال المهرجانات الفنية.

يقدم فناً يرتقي بالإنسان

المسرحي السوداني الدكتور يوسف عيدابي يطلق لقب الغول على ابراهيم سالم ويؤكد أنه ومنذ الشباب وهو ممتلئ بموهبة حباه الله بها، وتمكن منها بالعلم، وهو مكسب حقيقي لمسرح الإمارات وهو أثر ويؤثر على الحركة المسرحية، بما لا يمكن تجاوزه اسما وثراء إبداعيا، وقد عمل ويعمل في مجال التمثيل والإخراج وفي الحراك المسرحي دون كلل أو ملل، ونجوميته تنطلق من هذا الكيان الجمعي قبل الأنا ليتحول في ذاكرة المشهد المسرحي، وهو موهبة كبيرة،

وغول حقيقي عندما يواجه الجمهور على خشبة المسرح، فأقل وصف له بأنه يأكل الأخضر واليابس ليؤكد أن الفن لابد وأن يغير في الناس، حفظه الله لمسرح الأمارات وأدامه على سجيته وطبيعته واجتهاده الدائم واطلاعه المستمر على العلوم والمعرفة، فهو بحق شاب خلوق ومثقف عفوي، يقدم فنا يرتقي بالإنسان.

مسرحي مبادر على الصعيد الوطني

ويقول عنه الفنان عمر غباش رئيس جمعية المسرحيين انه زميل درب طويل، فنحن صديقان منذ أيام المدرسة الثانوية، وشاركنا سويا في مسابقات المسرح المدرسي، ثم حضرنا كمراقبين وشاهدين الدورة التدريبية الأولى للمسرحيين والتي أدارتها وزارة الإعلام والثقافة، واستفدنا من وجودنا بشكل فعلي وعملي.

وذهب ابراهيم إلى الكويت وذهبت أنا إلى أميركا لدراسة المسرح، ورغم ذلك حرصنا ايضا على التواصل، حيث كنا نلتقي دائما في الإجازات الصيفية، وشاركنا في أعمال وأنشطة مسرحية مثل المهزلة الأرضية ليوسف إدريس، كذلك اشتركنا بعد التخرج مباشرة في اول ورشة تدريبية أقامها مسرح الشباب القومي وكنا ضمن المحاضرين، وكان إبراهيم يلقي محاضرات في الإلقاء والصوت، وتدريبات في الخيال والتخيل والارتجال، وشارك معنا في تلك الفترة جمال مطر.

ويضيف غباش كذلك شاركته كمؤلف في مسرحية الإمبراطور جونس وهي من تمثيله وإخراجه، وهي مسرحية من تأليف الكاتب الأميركي أودين اويل، وشاركنا في مهرجان المسرح التجريبي الدولي الثاني في القاهرة في التسعينات، وكانت تجربة جيدة قربتنا من بعض كثيرا كفنانين،

وعملنا معا في مهرجان المسرح المحلي وشاركنا في فكرة إنشاء مهرجان المسرح المحلي، وكان معنا الفنان عبدالله صالح، واستمرينا في تنظيم هذا المهرجان والذي كان بديلا لأيام الشارقة المسرحية عندما توقف المهرجان، وشاركنا في لجان التحكيم، وعملنا كثيرا في المسلسلات التي أنتجت من خلال إذاعة ابوظبي فترة ازدهار الإنتاج الدرامي في ذاك الوقت،

وفي الدراما التلفزيونية، وشاركنا في اللجان المنظمة لأيام الشارقة المسرحية، وشاركنا في المهرجان بمسرحية قريبا من ساحه الإعدام وهي من تمثيلي وإخراج إبراهيم سالم ومن تأليف المؤلف السوري وليد خلاصي، كذلك اشتركت مع ابراهيم سالم في تنظيم مهرجان الطفل الذي لقي نجاحا كبيرا، واشتركنا من 12 سنة تقريبا ومع مجموعة من الفنانين في تأسيس جمعية المسرحيين،

وكنا مجموعة صغيرة لاتتجاوز 9 فنانين في ذلك الوقت، ووضعنا مشروع اللائحة المنظمة لجمعية المسرحيين والتي أخذت على عاتقها تنمية المواهب من الشباب وإعداد جيل من الشباب الملم بالآداب والثقافة والفنون المسرحية والمشاركة في المناسبات الوطنية من خلال الأنشطة الفنية،

والتعاون والتنسيق مع الهيئات الفنية والفرق المسرحية داخل وخارج الدولة بما يخدم الحركة المسرحية وإقامة المنتديات والمهرجانات المسرحية ـ نقل التجارب المسرحية إلى خارج الدولة، الدفاع عن حقوق الأعضاء الأدبية والمادية، وإقامة وحضور المهرجانات خارج الدولة، توطيد العلاقات بين المسرحيين، العمل على توثيق الحركة المسرحية، إعداد الدوريات والنشرات التي تساهم في نشر الثقافة المسرحية،

تقديم المساعدة والعون للفرق المسرحية في الدولة، وتنظيم مسابقات في التأليف المسرحي سنويا، وتقدم جائزة الجهد المسرحي المتميز وتمنح للمتميزين على الساحة المسرحية سواء افراد أو مؤسسات، كذلك تقدم مسابقات في مجال البحوث المسرحية، والذي اقصده هنا أن إبراهيم سالم شارك في وجود جمعية المسرحيين ذات التأثير القوي على الساحة المسرحية في الإمارات.

بهر نجوماً عرباً كباراً

وابراهيم سالم فنان مغامر هكذا قال عنه الفنان المسرحي مرعي الحليان وأضاف هو فنان مغامر لديه عدة محاولات لكسر الكلاسيكيات في المسرح، فهو مخرج عبثي ويمتلك نظرة عبثية في التعامل مع الإبداع المسرحي وله مجموعة اعمال في ذلك المجال منها قريبا من ساحة الإعدام والزمزمية والمواطن عنتر والرحى والذي نال عليها جائزة المسرح العربي في الأردن عام 2003،

والنظرة العبثية في التناول تعني عدم التسليم بالمسلمات الكلاسيكية خاصة ونحن نعيش زمن الألفية الثالثة، وعلى الصعيد الإنساني هو إنسان خلوق ومتعاون، وشديد الحرص على عدم المساس بالثوابت التي على علاقة بالعادات والتقاليد خصوصا في مجال عمله في رقابة النصوص المسرحية في وزارة الثقافة.

ويضيف مرعي الحليان ان اهم ما يميز ابراهيم سالم انه قارئ جيد ويعد من الفنانين النادرين على الساحة الفنية الذين يرتبطون بصداقة عميقة مع الكتاب، ويعد مرجعية جميلة في اللغة العربية وآدابها وكثيرا نعود له في أعمالنا المسرحية، فهو بحق سيبويه المسرح، وأجمل الأدوار التي لعبها ابراهيم هي الأدوار التاريخية في مسلسلات الدراما والأعمال المسرحية،

وكنت انا من الناس الذين توقعوا له التفوق والتميز في هذا المجال عندما بدأت الدراما عندنا تنتج في الخارج بمشاركة مخرجين عرب، وفي زمن ازدهار الدراما الإماراتية حاليا، أعتقد أنه سيكون له شأن كبير لو تم الالتفات اليه، فهو فنان متمكن ويمتلك كل المقومات والعناصر من صوت وشكل وأداء بجانب كونه مسرحيا أكاديميا يمتلك مهارات هائلة.

وأتذكر انه عندما شارك في مسلسل مع الفنان عبد الرحمن آل رشي، أعجب هذا الفنان الكبير بإبراهيم وأدائه، كذلك في مسرحية الدم، قام الفنان نور الشريف من مكانه في مقاعد المتفرجين وصعد إلى المسرح ليهنئ إبراهيم سالم وحياه بحرارة وأثنى على أدائه الرائع، وعندما يحدث مثل ذلك الموقف من قامة من قامات الفن العربي مثل نور الشريف فهي شهادة ذات معنى من فنان كبير لفنان كان لايزال في بدايته الفنية.

وهو إنسان عصامي، ويعاب عليه انه منزو ولا يحاول فرض نفسه على الآخرين، ورغم مهاراته وقدراته الفنية العالية إلا أنني أعيب عليه أنه كسول، وتلك نقطة الخلاف الكبيرة بيني وبينه، فهو لايقدم على التواجد المسرحي بإرادته، ولابد أن يكون هناك من يسعى إلى استفزازه بشكل مستمر من أجل الإبداع.وهو إنسان جيد على المستوى الإنساني يسعى إلى مشاركة الجميع في أفراحهم وأتراحهم وحساس جدا ودمعته قريبة إلى درجة كبيرة جدا.

إيمان قنديل