من حلمه المبكر بالسفر والترحال بدأت هواجس الرحالة الإماراتي عبدالرحيم عبيد تكبر لتأخذ مكانها حيز التنفيذ، فبدافع الفضول وشغف الاكتشاف بدأ يعد عدته كيفما استطاع ليجوب العالم وبقلبه الوطن. ويبدأ رحلاته المتلاحقة متعرفاً ومعرفاً، فحل ضيفاً خفيفاً مثيراً للفضول على بلدان عديدة بين آسيا وإفريقيا وأوروبا متلمساً ثقافاتها وعاداتها وأنماط حياتها وطبيعتها مكتشفاً تفاصيلها وأسرارها وجمالياتها والطرز السائدة فيها من معمارية وفنية واتجاهات فكرية،

ومانحاً أهلها فرصة المعرفة فيما يخص ثقافة وحضارة بلده الإمارات. وأينما يذهب كان يصادف ذكرى طيبة للمغفور له باذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله عبر مشاريعه المتعددة والمتنوعة التي كانت تقدم لتلك البلدان بدوافع إنسانية عظيمة.

واستكمالاً لرصدنا رحلات الرحالة الإماراتي نتابع رحلته الأخيرة إلى شمال القارة الإفريقية في السنغال ومالي وبوركينا فاسو وبعض الدول العربية، والتي تسبق رحلته التي يحضر لها إلى أميركا اللاتينية، وبالطبع فإن الغاية لهذه المغامرات الكبيرة الممتعة والتي تتخللها مشاق متعددة رسائل حضارية يتبناها الرحالة عبيد والدافع الرئيسي فيها ربما الفضول ورغبة الاستكشاف،

يقول عبيد: توقي كبير للتعرف على ثقافات تلك البلدان التي تأخذ مكانها في برامج رحلاتي، أهوى السفر والرحلات البرية ففيها مجال أكبر للمعرفة وتمنحنا صورة أكثر وضوحاً عن فضاءات نسمع عنها، وكذلك نتعرف على مناطق وبلدان لن تتميز فيما بينها بالطبيعة والتضاريس وأنماط الحياة،

فالاستكشاف وحب الاستطلاع دافعي إضافة لما أقوم به من دور تعريفي ببلدي وحضاراتها وما وصلت إليه من إنجازات وما قدمت من إبداعات وما تقدم للعالم، وكنت أينما حللت أوزع كتيبات تحتوي معلومات تاريخية وجغرافية واقتصادية وسياحية عن بلدي الإمارات كنت أحملها دائماً معي واحرص على نشرها أو توزيعها بشكل واسع.

معظم المناطق الإفريقية التي زرتها صحراوية وطبيعتها الجغرافية صعبة وأمطارها محدودة جداً بينما آسيا ممطرة لدرجة كبيرة وفيها طبيعة متنوعة جداً، أما أوروبا فتمتاز بطبيعتها الأخاذة كفنلندا وسويسرا وإيطاليا وفرنسا، وفي إفريقيا تتميز السنغال بخضرتها النسبية ففيها مناطق زراعية وثروات متعددة أبرزها الثروة الحيوانية.

في بلدان تمتد على مساحات شاسعة من الصحراء والبوادي وبعض الأراضي الخضراء لابد وأن يكون لها تاريخ وحضارات وبالتالي تباين في ثقافات تلك البلدان، تلك الثقافات غنية إلى حد ما إلا أنها متشابهة إلى حد كبير وبالطبع تختلف نوعاً ما عن ثقافات البلاد العربية في شمال إفريقيا. ويضيف بأن أهم المدن التي زارها في إفريقيا هي نواكشوط وداكار وروسو وهي منطقة خضراء في موريتانيا على نهر السنغال.

رحلات تتطلب تجهيزات خاصة

أجمع معلومات عن تلك الشعوب التي سأمر عليها من عادات وتقاليد كذلك معرفة لقوانينها إضافة لعلاقات البلدان المتجاورة، وجمع معلومات كما هو مطلوب منك عند عبور المراكز الحدودية أنت وسيارتك من أوراق ثبوتية وغير ذلك. كذلك لابد من معرفة الأحوال الجوية فيها وطبيعة تلك الأحوال متقلبة أم مستقرة، إلخ

إضافة للطبيعة الجغرافية وأطوال المسافات التي سأقطعها ومواقع المدن والبلدات وحتى القرى، ومصادر المعلومات لتلك متعددة أحصل عليها من وسائل الاتصال كالإنترنت، وكذلك من المكتبات وسفارات تلك الدول. هذه الرحلات تحتاج إلى تجهيزات ومستلزمات غير عادية كالخرائط ونوع السيارة واحتياطي من الوقود والأغذية ومستلزمات أخرى،

وفي هذا الإطار يقول: «من خلال وسائل الاتصال أجمع المعلومات والخرائط المتعددة والواضحة والدقيقة، وفيما يخص السيارة، وبما أنني سأقطع بها كل هذه المسافات الطويلة تحتاج إلى تجهيزات خاصة كالدفع الرباعي وأنوار خاصة وخزان وقود احتياطي،

ومن الضروريات الأخرى الكاميرا وبعض الأدوية ومفكرة إضافة للأطعمة المعلبة التي يمكنني تحضيرها وتناولها وقتما أشاء وتحت أي ظرف.ويضيف بأن الطبيعة الجغرافية والطقس عموماً ودرجات الحرارة كانت تفاجئه بالتبدل السريع في بعض الأحيان، غير أن الطرقات في بعض الأماكن خطرة ووعرة وتتحول إلى صحراوية أو جبلية، فالمسافات المقطوعة طويلة.

ويسرد لنا رحلته الأخيرة تلك والتي استمرت ما يقارب أربعة أشهر في إفريقيا ويقول: على ساحل البحر المتوسط بدأت الرحلة من جمهورية مصر، حيث عبرت إلى مصر من ميناء سفاجا ومررت بالغردقة تلك المدينة الرائدة في مجال السياحة المصرية ومنها إلى السويس ثم انعطفت غرباً إلى القاهرة وشمالاً إلى الاسكندرية

وبعد أن مكثت في الاسكندرية لبعض الوقت اتجهت إلى مرسى مطروح إلى أن وصلت إلى السلوم وانطلقت منها بعد فترة قصيرة إلى أن وصلت إلى الحدود الليبية وبدأت رحلتي في ليبيا من مساعد وتبعتها طبرق سيراً موازياً للساحل إلى أن وصلت بنغازي وبعد مكوثي في بنغازي ليوم عاودت الانطلاق إلى اجادبيا بعد الجبل الأخضر وصولاً إلى طرابلس العاصمة وفيها قابلت سفير دولة الإمارات في ليبيا ورحب بي خير ترحيب وأثنى على رحلتي.

ثم غادرت ليبيا التي قابلت فيها العديد من الناس متجهاً إلى الجمهورية التونسية ابتداء من جاردان على الحدود الليبية واتجهت إلى ولاية صفاقس ومنها إلى العاصمة تونس وفيها ذهبت إلى أماكن متعددة وقابلت بعد ذلك القائم بالأعمال في سفارة دولة الإمارات.

ومن تونس اتجهت إلى إيطاليا عبر ميناء جنوا حيث كانت الطريق إلى المغرب عبر الجزائر مغلقة ومن ايطاليا اتجهت إلى النمسا وألمانيا وفرنسا وإسبانيا ومنها إلى المملكة المغربية وفي المغرب كانت وجهتي جنوباً باتجاه موريتانيا لأمر في عدة مدن مغربية مثل أغادير وتيزينيت وطرفاية وبوجدور والقويرة ومنها اتجهت إلى موريتانيا وفي منطقة الحدود الفاصلة واجهت طريقاً محفوفة بالأخطار حيث صادفت لغماً أرضياً ونجونا منه باعجوبة

حيث ضللنا الطريق أنا والمرشد مرتين فالطريق الصحيح لوجهتنا يبتعد مسافة معينة من المركز للحدود الموريتانية ولكنا بعدنا حوالي أربعة أضعاف المسافة تحاشياً للغم الذي كان يبعد عنا حوالي خمسة أقدام وألغاماً أخرى متوقعة، وبعد هذه الطريق وصلنا إلى نواكشوط لنستقر فيها فترة قصيرة.

طريق شاقة

بعد ذلك توجهت إلى السنغال عبر ولاية روسو لنعبر نهر السنغال الفاصل بين البلدين بواسطة عبارة فلا يوجد في تلك المنطقة أي جسر ومن النهر سلكت طريق سلوي وطوبا ومنها إلى دكار عبر جاهبل وكباس وبعد ذلك توجهت إلى مالي عبر كولخ وغاي إلى العاصمة ومن الطريق نفسه عدت إلى السنغال وفي السنغال تعرفت على مجموعة كبيرة من الناس حيث مكثت فيها لفترة وأصبح لدي فيها أصدقاء ومعارف، ومن السنغال توجهت إلى موريتانيا مرة أخرى ثم الجزائر تلتها تونس وليبيا.

وكانت هذه الطريق شاقة جداً ووعرة وخطرة فهي تمر عبر الصحراء الكبرى من موريتانيا إلى تندوف وهذا الطريق يمتد عبر عدة مدن من نواكشوط وشوم والرابونى. وفي طريقي انقطع الاسفلت وبدأت رحلة المشقة التي لن أنساها في طريقي إلى مدينة شوم والطريق صخري ووعر جداً

بسبب الأحجار والصخور التي تكسوه، وانطلقت فيما بعد من شوم الى زويرات عبر الكثبان الرملية ولا يوجد سبيل للسير في حينها إلا بتجاوز خط السكك الحديدية والمرور عبره يشكل خطورة على العجلات وجازفت فنجحت ثم وصلت إلى التي تكثر فيها مناجم الحديد.

من هذه المدينة اصطحبني دليل إلى تندوف في طريق رملي ولا يوجد في الطريق أية خدمات ولا حتى استراحات لنصل إلى الجمجوم، وكانت طريقنا إلى الحفيرة وأمامنا مسافة 40 كيلومتراً ولم يتبق من الوقود سوى ربع الخزان أي ما يعادل 80 إلى 90 كيلومترا وضللنا الطريق وبعدنا حوالي 70 كيلو عن منطقة الحفيرة فشارف الوقود على الانتهاء ليحل الظلام

ونحن تائهون وسط الصحراء حيث كنا ندور حول أنفسنا في نفس المنطقة ولا ندري بالاتجاه الصحيح وإذ بنا نمر على لغم أرضي مرة أخرى ولحسن الحظ عليه علامة تدل على انه لغم أرضي ثم وقع بصري على شيء أبيض بعيد ولم أكن متأكدا ما هو ان كان صخراً أو جملا ولله الحمد كانت خيمة لبعض الرعيان

فنزلنا عندهم وقدموا لنا الطعام وحليب الابل ومدونا بالوقود ووجهونا إلى طريق الحفيرة وكنا قد نمنا حتى الصباح، ثم واصلت السير إلى البير الحلو ومنه إلى الرابونى ولم يسمحوا لي بالمرور من جندوف فهي منطقة عسكرية مغلقة والمرور فيها محفوف بالمخاطر وعدت من نفس الطريق وبطريق العودة هطلت الأمطار

وكانت غزيرة حيث غرزت السيارة في الرمل من الساعة الثامنة ليلاً حتى الرابعة صباحاً لينقذني أحد المارة جزاه الله خيراً ثم وصلت إلى نواكشوط لأعود منها إلى دولة الإمارات بالطائرة، ومن خلال هذه الرحلة أحببت السنغال لدرجة كبيرة وأثرت في نفسي وقد أخبروني بأنه لا تحدث فيها أية مشاكل بين أهلها فلا شرطة فيها ولا محاكم، وأعجبتني مناظر الصحراء الشاسعة في موريتانيا وجبال قمقوم.

قصي بدر