في مزاد كريستي للفنون الذي أقيم منذ أيام في دبي، وصل سعر إحدى لوحات الفنان الإماراتي عبد القادر الريس إلى 971 ألف درهم.. وهو من أعلى الأرقام التي بيعت فيها اللوحات في المحافل الفنية العربية، ومن أعلى الأسعار التي يحققها فنان عربي. تلك إشارة إلى المستوى الذي وصل إليه الريس في أعماله الفنية، وتلك بادرة خير قد تعم على الفنانين.

ولم يتشكل سوق عربي للفن بعد يقدّر قيمة أعمالهم. لكن دبي على وشك أن تصبح سوقاً فنياً في الشرق الأوسط، بعد أن نجحت في استقطاب أعمال أهم الفنانين العرب. وبين آخر لوحة حققت هذا السعر وأول لوحة باعها الريس عام 1968 ب30 ديناراً كويتياً، أي ما يعادل 400 درهم إماراتي في ذلك الوقت. وبين هذا الزمن وذاك، ثمة أزمان أطلت على العديد من الخبرات الحياتية والفنية، مرت بمحطات عديدة ، نحاول الوقوف على بعضها، عبر سيرة الريس وتجربته الثرية بمعناها الوجداني والجمالي.

استكشاف الموهبة

أكثر الانطباعات التي يحملها الريس عن طفولته، هي لحظات السباحة في خور دبي، لحظات الطفولة العامرة بالمشاكسة والمرح وأجواء المنافسة في العبور من بر دبي إلى ديرة، هناك حيث لم يكن إلا بضع نخيلات تتمايل في حواري دبي.

يتذكر عشقه لتلك الشجرة الكريمة وافتتانه بها، الذي يماثل افتتانه بالعمارة القديمة وبهندستها البديعة وشبابيكها التي تطل على أزمان متعددة وأبوابها القديمة التي أطل منها على أول أعماله وأهم ما أنتج من لوحات احتفظ بها في بيته الخاص.

من تلك البيئة وتلك المشاهدات تكونت رؤيته الفنية وشغفه الجمالي بتصوير تلك المفردات التي تجمع في جماليتها النبض الإنساني وحرارة الألوان المختزنة لأنفاس بشرية ماثلة في الروح والأوردة. بعد وفاة والده انتقل للعيش مع عائلة أخته في الكويت ولم يكن قد تجاوز التاسعة من عمره بعد، حيث يعتبر نفسه محظوظاً بالانتقال إلى الكويت،

هناك تعرف على الكثير من الفنانين وتلقى العديد من دروس الفن في طفولته، ساهمت في صقل وتطوير موهبته ، وقد تعرف باكراً على موهبته واكتشف أن طريقه في الحياة هو طريق الفن وحده، ومنذ تلك الأيام شق طريقه في هذه العوالم. درس الابتدائية في مدرسة (سيف الدولة الحمداني)، في إحدى المناطق الراقية في الكويت، وفي الصف الرابع عرض له أول عمل ( زيتي) في معرض الربيع في صالة مدرسة (المباركية)، وقد فرح فرحاً كبيراً بهذه المشاركة.

وفي المرحلة المتوسطة يتذكر كيف أعطاه مدرس التربية الفنية ألوان الباستيل الرخيصة للرسم ولم يكن قد تعرف على إمكانياته بعد وحين رأى العمل المنجز، تبين المهارة التي يمتلكها والقدرة على التلوين، فأولاه اهتماما خاصاً. ثم درس له الأستاذ (نصرالدين) الذي كان يرسم بورتريهات للصحف والذي عمل فيما بعد في مجلة العربي، وقد استفاد الريس كثيراً من مهارات مدرسه ونفذ العديد من البورتريهات بمهارات عالية.

بداية الإنطلاقة

عام 1965 دخل الريس في ناد صيفي لتعليم فن الرسم، ويعبر الريس تلك السنة بأنها بداية انطلاقته الفنية، فقد تعرف على أقرانه من الموهوبين ودخل في منافسة (جمالية) معهم وقد حاز المركز الأول في تلك الدورة، وفي نهاية الموسم أقيم معرض جماعي في مدرسة المباركية، ويعتبر الريس أن تلك الأيام هي من أجمل أيام حياته ،

إذ التقى العديد من الفنانين الكبار في (المرسم الحر) من أمثال النحات سامي محمد الذي يعدّه الرّيس من أهم الفنانين في العالم العربي إن لم يكن أهمهم على الإطلاق، وقد ذكر الريس أن سامي محمد كان يعمل أكثر من 12 ساعة يوميا وبشكل متواصل، فيما كان الريس يتنقل بين الرسم والاطلاع على الكتب والكتالوجات الفنية،

يقول: عندما رأيت أعمال الفنانين الكبار لأول مرة أصابتني الدهشة وتأثرت في تلك المرحلة مابين عامي 1965 ـ 1966 بأعمال روفائيل ورامبرانت، وعندما شاركت عام 66 بأحد المعارض أخبروني أن تلك الأعمال قد انقضى زمنها. بعدها تعرفت على نتاج ديغا، ومونيه وتأثرت بالمدرسة التعبيرية والانطباعية، وفي تخوم 1968 تبلورت تجربتي الفنية وأصبح لي أسلوبي الخاص.

كما تعرف على فنانين من أمثال صباح يوسف، عيسى صقر، خليفة قطان، وقد كان العضو الوحيد غير الكويتي الذي انتسب إلى جمعية الفنون الكويتية. ويتذكر كيف فرح الأستاذ نصر الدين حين رسم له الريس بورتريه، وعلّق بصوت عالٍ: (ينصر دينك).

أول معرض فردي

بعد إنهاء الدراسة الثانوية ، يعود الريس إلى الإمارات، ليقيم أول معرض فردي له سنة 1974 في مكتبة بلدية دبي، وقد حقق المعرض نجاحاً كبيراً ، لم ينطلق منه إلى أنشطة أخرى كما يفترض ، فقد ألمت بالريس حالة من (الكف) الإبداعي لم يستطع بعدها أن يقترب من الألوان رغم محاولاته ومجاهداته، دون أن يعلم سبب توقفه الذي استمر مابين عام 1974 وحتى عام 1986 تقريباً، رغم أنه رسم قليلاً في 82 لكنه توقف فوراً.

في عام 1986 سافر إلى أميركا، وقد كان يتنقل عبر البر بين الولايات، يقول: في تلك الرحلات كانت المشاهد الطبيعية تسحرني وقد بدأت الرغبة في الرسم تعود من جديد، عندها اشتريت مجموعة من الألوان وبعض الكتب وعدت إلى الرسم بعد ذلك بذات الحماس والرغبة التي كنت عليها من قبل،

وقد استغرقني استعادة إمكاناتي حوالي سنتين من الممارسة والتدريب، عدت بعدها إلى العرض ، ثم أخذت تجربتي تتعمق وتتطور واتجهت حينها إلى رسم الأبواب القديمة المطلة على شجر النخيل وهي من أحب الأعمال على قلبي وقد رفضت بيعها في العديد من المعارض التي أقمتها.

جائزة الدولة التقديرية

جوائز عديدة حازها الريس، ولعل أهمها جائزة الإمارات التقديرية التي مثلت بالنسبة إليه حالة من الاعتراف من قبل الأهل والأحبة، ومن قبل رعاة العلم والثقافة، عبر مساهماته الإبداعية، ففي مرحلته الدراسية حاز العديد من شهادات التقدير والجوائز وحاز العديد من الجوائز الأولى والذهبية في معارض الفنانين العرب في الكويت ومعرض الربيع في أبوظبي،

وجائزة الدانة الذهبية في الكويت وجائزة لجنة التحكيم في كل من بينالي الشارقة وبينالي المحبة في سوريا، كما حاز جائزة السعفة الذهبية في معرض مجلس التعاون الخليجي في 1999.. جوائز ونجاحات ومكابدات مر بها الريس وهو ينتج أعماله الفنية، خارج الادعاءات والاستعراض، تجربة تطورت وتنامت، بجهد وإيمان، وآمال لها سمتها الخاصة وشفافيتها العالية خصوصاً في أعماله المائية بحساسياتها العالية التي انتقلت معه إلى تقنيات الزيت والاكرييك.

قدم الريس خلال تجربته العديد من الأساليب التي تنتظم حول مشاهداته في البلاد والتي تأبى أن تلتقط إلا الجوهري والأصيل فيها مازجاً بعمارته البديعة حرف الواو الذي نلمحه في أغلب أعماله.. وصولاً إلى التجريدية الحروفية واستخداماته لطائفة من الألوان الحارة التي تحاكي ألوان المنطقة في امتزاجها مع الروح.

مشاركته الأخيرة في مزاد كريستي ، حقق بالنسبة لوحة بعض الراحة ، يقول: كل فنان يطمح أن تصل أعماله إلى المحافل التخصصية الهامة، التي تضمن لأعماله الانتشار وتكريس اسمه واسم الدولة التي يمثلها، ويرى بأن هذه التظاهرة قد تمثل دعماً للفنانين بشكل عام. وبالنظر إلى واقع الحال، يشير إلى دور وزارة الثقافة والرياضة والشباب الجديدة في دعم وتفعيل الأنشطة الفنية، بسبب الاهتمام البالغ من جانب الدكتور أنور قرقاش، وعبد الرحمن العويس وسلطان المنصوري.

الحديث عن الفنانين هو حديث يفترق عن الأهمية إن لم يمازج بالعبارة رعشة اللون والهاجس الفني الذي يقف خلفه، وأعمال الريس تجذرت في تربة الإمارات وأفرعت تحت شمسها، وتجربته متوجة بالنجاحات في كافة مراحلها ، بدءاً من قدرته على صياغة الأعمال الفنية بحساسية وخصوصية وانتهاء بالجوائز العديدة واللوحة التي حققت سعراً من أعلى الأسعار التي يتمناها أو يطمح إليها فنان مهما بلغت شهرته.

إسماعيل الرفاعي