نادراً ما تُفصح الروح عن مكنوناتها مبكراً، ذلك أن عالم الطفولة دائماً ما يكون مزدحماً بأحلام تفتقد الاستقرار في أذهاننا، فتصبح مثل حصاة فرحة بترنحها عبر أمواج الحياة وأنهارها الصغيرة. لكن خالد بدر عبيد ولد من رحم الحياة شاعراً ممسكاً بشعلة أهازيج اللغة بكتاباتها وصورها النورانية..

ولم تكن ربات الشعر تتقافز فوق أنامل خالد فقط، بل تغلغلت في روحه ووشمتها بشاعرية الحياة. فهو المقيم دوماً في هدأة النفس واريحية الذات، حين تنصت إليه وهو يفكك ضفائر هويته الإنسانية، تكاد أن تسمع خفيف أغصانه وهي تحتك بأثير الذكريات، وصوته المقدود من قطيفة القصيد. كلماته قليلة، وصمته غزير، مزدحم بنفسه، يقرأ أوراد العزلة بنهم شديد، ليعلن عن اختبائه تحت عتبات البوح الدفين..

عبيد لا يحدق كثيراً في وجه محدثه، فتراه يسبح يعينيه إلى آفاق غير مرئية. لذلك صدقته حين قال: «أتمنى أن أكون دائماً قريباً من البحر» والصحراء والطبيعة، أحلم أن أطير، ومخيلتي هي زادي حالياً الذي أتغذى منه، لذلك أعتز كثيراً بأصدقاء فضاءات الروح ودهاليز الخيال».

بدايات

أول عناق له مع الشعر كان عبر قصيدة بعنوان «الحب السعيد» لم تنشر، لكنها، في رأينا، بمثابة بداية التعويذة التي قادته إلى صميم الرهافة التي يتمتع بها. أما أول قصائده المنشورة فكانت عن عملية فدائية عام 1979، حينها شعر خالد بالفرحة لنشر أسمه، لكن غامره أيضاً إحساس بالرهبة لتطلعه الدائم إلى كتابة الأفضل.

لم يقتصر وعي خالد بدر عبيد على رومانسية الشعر فحسب، بل إن حسه الإنساني زاد من أوجاعه بسبب الحياة المعاصرة وتجلياتها المدمرة من التلوث والزحام والنظرة السطحية لماهية الأدب.. من هنا تستطيع القول إن خالد لا تكفيه شفافية الشعر، بل يحلم بنقاء الحياة وصفائها.

ورغم الهدوء الذي يسم شخصيته إلا أنه يقول عن نفسه «مشكلتي أن غضبي متطرف وحارق، لأنه لا يأتيني إلا إذا بلغ السيل الزبى».

مشاعر متنوعة

وكلام خالد عن أصدقائه مليء بالرقة والحب، وتصنيفه لهم دليل على بحثه عن ثراء اختياراته، فماجد بن بشير صديق الحياة، وأحمد راشد ثاني صديق الشعر، وعمر غباش ينبوع الحيوية، وإبراهيم الهاشمي شريكه في عشق الفنون، ونجاة مكي آية في الإخلاص لفنها وربيبة الطموح.

وحين أردنا نبش ذكريات خالد وملامحه وتكوينه، وجدنا شهور الصيف تقف بالمرصاد في وجه تنكّبنا لأصدقاء الصبا والشباب، إما بسبب بالسفر، أو الانشغالات الحياتية، وإما لتقصير من كاتب السطور، لكن في نهاية الأمر وجدنا صديقين لا يخلو كلاهما من سرد حقيقي مفعم برائحة الحياة.

رغم ارتباك المواعيد للقاء الأديب والكاتب إبراهيم الهاشمي، إلا أن زيارته لنا في جريدة «البيان» كشفت عن معدنه الأصيل في الوفاء لصداقة خالد بدر عبيد، لقد وجدت الهاشمي وكأنه يريد سداد جزء من علاقة حميمية حان وقت البوح بها.

يقول الهاشمي: «عرفت خالد أيام الثانوية العامة، وتحديداً خلال فترة «الأزمنة العربية» حيث كانت بداية التعارف عبر كتابتنا في هذه المجلة، ثم توطدت العلاقة في منزل الراحل غانم غباش حيث تحاورنا في كثير من القضايا والهموم والهواجس الكتابية والأدبية، لكن في نهاية الأمر عملنا معاً في المجلة.

كنا نعيش الحياة بأقصى درجات الصعلكة الإيجابية، أذكر أن الكهرباء انقطعت ذات يوم في مقر المجلة، فقررنا أنا وخالد وأحمد راشد ثاني أن نكتب في هذه الظلمة قصيدة أتذكر منها جملة واحدة وهي «حبة رمل مثقوبة كان لدينا استعداد لتحدي أي شيء، فلم يكن لعنفواننا حدود.

ضد النمطية

ويواصل الهاشمي: زادت حميمية علاقتي بخالد أيام الجامعة حيث توحدت رؤانا، وشحذنا حماسنا من أجل أبجديات أحلامنا، فقررنا خوض انتخابات اتحاد الطلبة، وكانت المشكلة التي قابلتنا هي اننا لم نكن منظمين، وأفكارنا غير مبلورة، وهذا تحدٍ في حد ذاته، ومع ذلك عطلنا الانتخابات، دخلنا كحركة طليعية في مناوأة تيارات معينة في الجامعة، وما يحسب لخالد في هذه الفترة هدوؤه المفرط، والذي سميته «الكسل اللذيذ»..

رغم أن خالد ينتمي إلى التفكير الحر وضرب المسلمات الحياتية بكل شرقيتها ونمطيتها، لكنه يعيش هذه الثقافة بهدوء أعصاب وعقل أنيق، ويكمل الهاشمي: «اختلاف شخصيتي عن خالد لم يمنع أبداً تقارب أفكارنا في كل الأنشطة التي كنا نمارسها في الجامعة مثل إصدارنا مجلة كنا نكتبها ونخرجها وننفذها من الألف للياء، لكني كنت مسؤولاً عن ميزانية المجلة التي تتناسب مع طبعي الحاد لأن جلب الموارد المالية لمطبوعاتنا تحتاج إلى رجل صدامي لا يخشى شيئاً.

وعن الجوانب الإيجابية والسلبية في شخصية خالد بدر عبيد يقول الهاشمي: «خالد قارئ نهم، ويقرأ كل شيء يقع تحت يديه، عاطفي جداً، ويحب العزلة لكن ليس بصيغة الانطواء، بمعنى أنه يكون موجوداً معك وفي نفس الوقت مع نفسه.. باله طويل أكثر من اللازم وتشعر بأنه كائن قدري، لا يعرف الحروب والمشاحنات، لكن هذا لم يمنعه أن يكون قراره حاسماً وسريعاً عندما انسحب من انتخابات «اتحاد الكتاب» لعلمه أن الأمور تؤول إلى الأسوأ..

وأعتقد أن خالد الآن تعلم ألا يكون قدرياً. من عيوبه أيضاً أنه مقصر في حق نفسه، وعرض مشروعه الشعري للظلم لأنه كسول، ليس من ناحية إنتاجه، فالذين لا يعرفونه كثيرون ، انه غزير الإنتاج، لكنه غير ملهوف على نشر إنتاجه الذي يتراوح بين الشعر الشعبي والشعر الفصيح. وأعتقد أن سفر خالد إلى أميركا خصم كثيراً من طبيعته كشاعر لديه قدرة رائعة على تكثيف اللغة.

مقاومة النوم

ومن المواقف الطريفة التي يرويها الهاشمي انه قرر هو وخالد والمخرج محمد الدوسري إجراء مسابقة عن مقاومة النوم، ولم يمض يومان حتى انهار الثلاثة من التعب. ويختم الهاشمي: «خالد لم يفقد خصوصيته لدي، لقد أغنى علاقتنا بوضوحه وصراحته المعهودة فيما يخص الثقافة والحياة الشخصية. وأود أن أنتهز هذه الفرصة لأقول له: «يا خالد أنت كاتب كبير وشاعر رهيف، اهتم بنفسك أرجوك».

حلم تحقق

عمر غباش علاقته بخالد عائلية، لكنها بدأت على المستوى الشخصي أيام الثانوية ويقول: «بداية تعارفنا كان في معرض الكتاب، لكن اقترابي منه كان عبر حضور خالد لمسرح دبي الأهلي ليشاهد البروفات، وقد ساعدتنا ثقافته المسرحية في إثراء الرؤى المسرحية..

ولأنه «عديل» الفنان ناجي الحاي فقد كنا نجتمع في منزل الحاي لمشاهدة عروض فيديو لبعض المسرحيات والنقاش حول الحركة المسرحية العملية والعربية والعالمية. كما عملنا سوياً في الإذاعة حيث كان خالد مدير برامج وساعدني كثيراً في تبنيه لأفكاري».

جمعتني بخالد أحلام كثيرة بعضها تعطل مثل حلمنا بإحياء الفن الشعبي وإبراز كنوز المجتمع التراثية، لقد كنا نحارب من أجل الحفاظ على هوية ثقافتنا من تذويبات العصرنة.. لكن الحلم الوحيد الذي تحقق هو إصدار مجلة «كواليس» المسرحية، والتي ساهم خالد في إنجاحها بإدارته الفنية الإعلامية.. لذلك أناشد القائمين على الإعلام أن يستفيدوا من خبرة خالد في هذا المجال.. وعلى المستوى الشخصي أتمنى أن يعود خالد إلى الحركة المسرحية، فهو رافد رفيع المستوى لإثرائها.

أشد ما يعجبني في خالد عشقه اللامحدود للطبيعة ويبدو هذا واضحاً في قصائده، كما انه إنسان مثقف، واسع المدارك، هادئ الطباع، غير صدامي، لديه آراء جريئة وغير متوقعة لكل من يناقشه.. لكن عيبه الوحيد هو عدم امتلاكه لروح المقاتل، بمعنى انه ينأى بنفسه عن أي معارك كلامية.