استطاعت دبي بما تكتنز من سحر حضاري وما تتمتع من شهرة واسعة أن ترسي مكانتها في صدارة العالم المتقدم، وهي المدينة الآسرة بتاريخها العريق وحاضرها المزدهر، وأبدع أهلها في التوليف ما بين المعطى التاريخي ومفرزات الحضارة المعاصرة، لتظهر المدينة كأبرز الوجهات المقصودة في العالم، بجمالها ومكانتها الاقتصادية كأهم المراكز التجارية في العالم.

عبدالله بن جاسم المطيري مدير بيت الشيخ سعيد آل مكتوم عضو جمعية الإمارات للحفاظ على التراث العمراني وعضو جمعية الإمارات لهواة الطوابع إضافة إلى أنه الخبير في المسكوكات الإسلامية يقول وهو يستعرض لمحات من تاريخ المدينة، تعتبر دبي منذ نشأتها مركزاً تجارياً مهماً فموقعها جعلها ملتقى للقوافل منذ عصور غابرة وفيما بعد أصبحت مركزاً للاستيراد وإعادة التصدير

حيث تأتيها السفن محملة بالتمور من البصرة فيتم تخزينها في الإمارة ويعاد تصديرها إلى شبه القارة الهندية والسواحل الشرقية لافريقيا وبالمقابل يؤتى بالتوابل والحبوب والأقمشة والفاكهة من تلك البلدان إلى دبي ويتم إعادة تصديرها إلى بعض الدول الخليجية المجاورة والعراق وإيران. وفي هذه العلاقة مجال للتواصل والتماذج الحضاري.

ملاذ آمن

وهذه الاستراتيجية في اختيار النمط التجاري هذا، ساهمت في ازدهار الإمارة وتطور تجارتها، وتعود إلى النظرة المستقبلية والسياسة الحكيمة لأسرة آل مكتوم، فعندما تولى الشيخ مكتوم بن حشر الحكم استطاع بحكمته جذب التجار من سكان لنجة على الساحل الشرقي للخليج والتجار الهنود الذين كانوا مقيمين فيها،

إلى إمارة دبي، حيث كان التجار يتذمرون من الضرائب المفروضة عليهم من قبل الحكومة القاجارية ووجدوا منفذهم الوحيد في حل الخلاف القائم بينهم كتجار وبين الحكومة القاجارية في التوجه إلى دبي بكل تجارتهم، ما يعني خلاصهم من تلك القيود المفروضة عليهم علماً أن دبي منحت التجار في تلك الآونة كل ما يحتاجون إليه وأعفتهم من الضرائب دون مقابل إضافة لحمايتهم من قطاع الطرق.

فكان حكم الشيخ مكتوم بن حشر ضمانة لهؤلاء التجار في العيش الآمن ما دفعهم لنقل تجارتهم إلى دبي وبعد فترة من النشاط التجاري المتزايد انتقلت التجارة في دبي من التجارة الجزئية المحلية إلى تجارة أكثر تنوعاً وأوسع انتشاراً باتجاه العالمية،

وبدأت اتصالاتها مع مختلف الدول الإقليمية للارتقاء بتجارتها، وكان يقصد دبي كبار تجار اللؤلؤ في العالم من أوروبا والهند من أجل الحصول على اللؤلؤ ومن أبرزهم التجار الفرنسيون، فأصبحت دبي بمثابة السوق المركزي لمنطقة الخليج العربي والدول المجاورة كفارس وزنجبار وممباسة.

ويضيف المطيري قائلاً: بعد وفاة الشيخ مكتوم بن حشر في العام 1906 تولى الحكم من بعده بطي بن سهيل وفي عهده زادت حركة التجارة والاقتصاد وهو أول حاكم يفتح قناة اتصال مع الفرنسيين عن طريق وسيط أرسله إلى جيبوتي للقاء بعض التجار الفرنسيين هناك

وهذا اللقاء مهد لارتقاء وازدهار التجارة فيما بعد حيث انتعشت تجارة اللؤلؤ بعد ان كان التاجر الهندي يشتري اللؤلؤ بأموال بخسة. وفي العام 1909 تم إنشاء أول وكالة بريد لتأمين سهولة الاتصال وكان البريد في ذلك الوقت يحتاج إلى جهد كبير فيقطع مسافات ومدناً متعددة بالتراتب ودخل الكيبل ويلس (الهاتف) في تلك الفترة.

لكل سلعة سوق

بعد وفاة الشيخ بطي وتولي الشيخ سعيد في العام 1912 الحكم أصبحت لكل سلعة سوق إثر انتعاش التجارة بشكل ملحوظ وأصبحت هناك مراكز لسلع معينة وتجارات معينة، وما تشهده دبي اليوم ما هو إلا امتداد لماض عريق، ففي منطقة الديرة وهي المركز التجاري للإمارة كانت توجد أسواق تخصصية منها سوق الأقمشة وسوق الأواني وسوق التوابل وسوق المناظر وسوق المطارح وسوق الذهب ولا يزال قائماً حتى اليوم.

وفي عهد الشيخ راشد الذي تولى الحكم في عام 1958 بدأت نهضة حضارية جديدة متمثلة في نقلة نوعية وضعت دبي بمصاف الدول المتقدمة، وتوافدت الشركات العالمية الكبرى للاستثمار في دبي، لقد جمع الشيخ راشد بين الحكم والتجارة، فكان يقدم التسهيلات للشركات العالمية كأساليب جذب كي تقوم بالاستثمار في الإمارة.

وفيما يخص النقد كانت الإمارات بشكل عام تستخدم الروبية الهندية إلى عام 1965 عندما كانت الحكومة الهندية بتخفيض العملة وهذا ما انعكس بالسلب على تجارة دبي والتجار، ولم تعط الإمارات الحق في العملة المستقلة ولا دول الخليج الأخرى فقامت باستخدام الريال الورق والأجزاء المعدنية من البحرين،

وفي عام 1966 قامت وحدة نقدية مستقلة بين دبي والإمارات الأخرى وقطر حيث صدر ريال قطر ودبي في ذلك التاريخ وكان الريال من الورق والدرهم من المعدن وكان الدرهم يعادل الفلس الحالي. حيث كانت دبي في حاجة كبيرة للنقد والسيولة في تلك الآونة من أجل النمو الاقتصادي. وظلت دبي وقطر تستخدمان هذا النقد حتى عام 1973 أي بعد قيام الدولة بعامين. حيث أصدرت دولة الاتحاد الدرهم الاتحادي الحالي.

الخدمات البريدية

أما بالنسبة للخدمات البريدية فقد توسعت تلك الخدمات في عهد الشيخ راشد وبدأ العمل فعالاً من أجل تطويرها ومرت بمراحل متعددة ففي البداية كان البريد يتبع للحكومة البريطانية في الهند وكانت تستخدم دبي الطوابع الهندية إلى أن استقلت الهند عام 1947، وفي عام 1948 الحق بريد دبي ببريد كراتشي في الباكستان لمدة عام ثم الحق بريد دبي بالبريد البريطاني في لندن عام 1949 وصدرت الطوابع البريطانية المرشحة بالعملة المحلية وهي الروبية آنذاك.

وفي عام 1961 قرر مجلس التطوير التابع للإمارات المتصالحة إصدار طوابع خاصة بالإمارات الأعضاء، ولم تستخدم إلا في دبي كون الإمارات المتصالحة لم يعد فيها مكاتب بريد وهي تحمل اسم الإمارات المتصالحة. وتتألف من 11 طابعا بينها سبع تحمل رسم سبع نخلات كرمز للإمارات السبع والأربعة الأخرى تحمل رسماً لسفينة شراعية، وفي عام 1963 الحق البريد بالحكومة المحلية في دبي وأصبحت دبي مسؤولة عن إدارة البريد وصدرت أول مجموعة في العام نفسه لحكومة دبي. وأما في عام 1972 فالحق بريد دبي بالبريد الاتحادي.

دولة الإتحاد

والمفصل التاريخي الأساسي في مسيرة دبي الحضارية يتمثل في قيام دولة الاتحاد، فبمادرة من الشيخ زايد والشيخ راشد لتكوين كيان اتحادي يضم إماراتي أبوظبي ودبي قرر الحاكمان الاجتماع في منطقة «السميح» وتم تبادل وجهات النظر بين الحاكمين وقررا قيام اتحاد يضم اماراتي دبي وأبوظبي مع توجيه الدعوة لبقية حكام الإمارات المجاورة.

ويعود الفضل إلى الشيخ راشد في جمع الحكام قبل هذا التاريخ للتمهيد والسعي لقيام الاتحاد وكان ذلك في الشهر السابع من عام 1965 حيث تم الاجتماع في دبي وفي هذه المناسبة صدر طابع بريدي يحمل صور الحكام التسعة. والاجتماع الثاني كان اجتماع السميح الثنائي ومنها بدأت الاتصالات والمشاورات وكان للشيخ راشد دور كبير في تقارب وجهات النظر بين الحكام وقد بدا ابتهاج الشيخ راشد بأشكال متعددة حيث أعفى عن الكثير من عليهم التزامات وديون.

بعد هذا الاجتماع تم عقد عدة اجتماعات دخلت بها خمس إمارات أخرى وكان معهم قطر والبحرين، وكانت الاجتماعات تدور في كل من أبوظبي ودبي وقطر والبحرين وكان لدبي نصيب الأسد بعدد الاجتماعات التي كانت تعقد. وتم تتويج تلك الاجتماعات بإعلان ميلاد دولة عربية وذلك من إمارة دبي في دار الضيافة بالجميرا وكانت ولادة دولة الإمارات العربية المتحدة.

وتم انتخاب الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيساً للدولة والشيخ راشد آل مكتوم نائباً للرئيس والشيخ مكتوم بن راشد رئيساً للوزراء في أول حكومة اتحادية وذلك في ديسمبر من عام 1971. وتم تعيين الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وزيراً للدفاع وكان في حينه أصغر وزير دفاع سناً في العالم.

علاقات اجتماعية متميزة

نعود إلى منتصف القرن الماضي لقراءة الواقع الاجتماعي آنذاك، فقد مرت المنطقة بمرحلة صعبة بعد كساد تجارة اللؤلؤ وظهور اللؤلؤ الياباني عام 1948. وأصبح البحث قائماً من أجل بدائل وكانت فترة عصيبة فقامت الشيخة حصة بنت المر زوجة الشيخ سعيد ووالدة الشيخ راشد بالتوجيه للبحث عن سبيل آخر كبديل عن اللؤلؤ ودعمتهم بالمال ووجهت بتحويل سفن الغوص وتجارة اللؤلؤ إلى سفن للتجارة العامة والنقل والأسفار. من أجل العودة للنهوض بالوضع العام في اتجاه الازدهار.

وكان يتضح لنا منذ القدم أن سيد العلاقات الاجتماعية في دبي هو التكافل الاجتماعي الطبيعي والقبلي رغم مشتقات الحياة في ذلك الوقت. وحتى عندما كانت تمر دبي بفترات من الفقر نتيجة الضغوط الاقتصادية لم يصيب أهلها الجوع بفضل هذا التكافل والعلاقات المتينة.

وأذكر أنه في أيام الصيد والغوص عندما كان يذهب الجميع في رحلات البحر يبقى عدد قليل من الرجال وربما أحياناً رجل أو اثنين لتحمل مسؤولية السكان من أهل المنطقة أو الحي لحماية الأهالي وتقديم كل ما يحتاجون له وتكون مسؤوليتهم كاملة عن كل شيء.

كان هناك ما يسمى بيت العود الكبير وهو يشبه بيت الحاكم يرتاده الناس أثناء الوجبات الثلاث وبشكل دائم عامر بالموائد.

وأذكر أنه عندما توفي والدي وأنا صغير، يأتي شقيق الحاكم إلى بيتنا المتواضع ويقف على الباب وينادي على أمي (يام عبيد) ويقول لها أبوهم ما مات أنا أبوهم.

فهذا نموذج لما كان سائداً من ترابط ومسؤولية وعلاقات اجتماعية متفردة ففي المناسبات المختلفة كانت المشاركات قائمة فلم يكن في تاريخ دبي فرق بين الحاكم والمحكوم. غير أن أماكن الرعاية الصحية كانت منتشرة ومنها المستوصفات وكان مستشفى ال مكتوم أول مستشفى في دبي شيدت في عام 1951، وكانت مفتوحة للجميع، وكانت الطبابة مؤمنة.

وأذكر أيام شهر رمضان الفضيل حيث كانت تفرش الموائد في بعض الأحيان في الأروقة الضيقة للأحياء حيث كانت تتصادم الأطباق المتبادلة بين المنازل قبل الإفطار، وقلما كان يفطر المرء في بيته كمبادرات مهمة للتواصل والتكافل.

كانت النساء تتناول إفطارها مجتمعة في المنازل وكان الرجال يتناولون إفطارهم من الموائد التي كانت تفرش على الرمال. منهم من يعرف بعض بعضا ومنهم من يتقابل للمرة الأولى مع عبارة الترحيب والأماني. وكانت مدارس تلاوة القرآن منتشرة وكانت البيوت الكبيرة تجمع الناس في لحظات من الخشوع أمام القارئ الشيخ حيث كان يتلو القرآن في أحد البيوت طوال شهر رمضان.

بواكير التعليم

كان في دبي نموذج من العمارة الخليجية بطابعها الإسلامي فهناك طرازان الحصون والقلاع و طراز العمارة التي تعلو واجهاتها الملاقط أو البراجيل إضافة للبيوت التقليدية المبنية من الطين والطوب اللبن وتلك المبنية من سعف النخيل، وحتى منتصف الستينيات كان السواد الأعظم من الناس يسكنون في بيوت من سعف النخيل.

وفيما يخص التعليم فقد ظهر مبكرا وإن كان بشكل غير نظامي حيث ظهرت مدارس الكتاتيب وحفظ القران وفي عام 1912 افتتحت أول مدرسة شبه نظامية هي المدرسة الأحمدية وأسسها المرحوم الشيخ أحمد بن دلموك من تجار اللؤلؤ وبعد وفاته تابعها ابنه محمد بن أحمد من كبار تجار اللؤلؤ. وبعد ذلك ظهرت مدرسة السالمية وأسسها سالم بن حمود وكذلك مدرسة السعادة والفلاح.

وقد ساهمت الكويت بفتح مدارس نظامية على مستوى التعليم الحديث وأرسلت بعثة تعليمية للإشراف على هذه المدارس وكفلت بنفقات التعليم سواء فيما يخص رواتب المعلمين أو الكتب والمواصلات وغيرها. وكانت مدرسة الشعب أول مدرسة أهلية وكنت أحد طلابها، غير أن قطر أرسلت معلمين وساهمت في إحداث بعض المدارس

ولذلك قامت دبي من مبدأ رد الجميل بإصدار طابع بريدي بمناسبة تكريم البعثات التعليمية لكل من الكويت ومصر وقطر، ويذكر أن التعليم بقي تابعا للحكومة الكويتية وكذلك الصحة حتى قيام دولة الإمارات. وقد بادر الشيخ راشد بإنشاء المكتبة العامة بدبي عام 1963 وزار كلا من مصر والسودان لإحضار بعثات تعليمية وكان أول المدرسين في المدرسة الصناعية من السودان.

وقام الشيخ راشد بمخاطبة وزراء الثقافة في بعض الدول العربية لدعم المكتبة العامة وإمدادها بالكتب. وكنا يوميا بعد المدرسة نذهب مساء إلى المطاوع في بيته في أجواء كنا نشعرها مرعبة، وكنا ندرس العلوم الدينية وأذكر أننا في كل خميس نتلو سورة من القرآن كنا حفظناها طوال الأسبوع، ومن المطاوعة أذكر الشيخ أحمد بن حمد الشيباني والشيخ محمد بوملحة والشيخ حسن سعيد والشيخ أحمد بن ظبوي، ومن المعلمات «المطاوعة» حمدة بنت حامد وفاطمة الكتومية.

كان يطلق على الحي اسم الفريج وكان الحي فقط لعائلة واحدة كبيرة، وأما الأحياء التي كانت موجودة من تلك المرحلة فهناك: الشندغة وهي من أشهر المناطق والجميرا وأم سقيم والبستكية وأم هرير وزعبيل وفريج البحارنة وهي في بر دبي. أما في الديرة فأذكر الراس وفريج الظفاية وفريج المرر والبراحة وبوهيل ومن اكثر المناطق حيوية الشندغة وكان فيها مقر الحاكم وفريج الرأس وكان يدعى فريج الحنة والرنة.

قصي بدر