منذ القدم اعتبرت دبي من المراكز التجارية النشيطة في منطقة الخليج، فهي تقع على شاطئ ميناء طبيعي، ويمثل الخور الذي يمتد عشرة أميال أفضل الموانئ الطبيعية في جنوب الخليج. وقد ازدهرت التجارة التبادلية والمقايضة بين البضائع المنتجة محلياً وبضائع الهند وبلاد فارس.

وشكل الخور جزءاً مهماً من الحياة اليومية لسكان دبي القديمة، وخاصة لغواصي اللؤلؤ والتجار وصيادي السمك والبدو الذين كانوا يفدون إلى قرى الساحل موسمياً لمزاولة الغوص وصيد السمك، كما وفر جواً ملائماً لكل هؤلاء مجتمعين للعمل والاستقرار.

وقد شهدت دبي توافدا كبيرا عليها من قبل الناس فاتسعت رقعتها الحيوية؛ وانقسمت إلى ثلاث مناطق رئيسة: ديرة على الضفة الشرقية للخور، وهي المنطقة الأكبر والمركز التجاري الرئيس، وبر دبي والشندغة على الضفة الغربية للخور. وكان يفصل بين الشندغة وبر دبي حاجز رملي يدعى الغبيبة. وتقع منطقة الشندغة على شريط طويل من اليابسة يفصل البحر عن الخور، وكانت الشندغة أصغر منطقة من المناطق الثلاث.

حتى منتصف القرن الماضي كانت طرق دبي عبارة عن ممرات ترابية ضيقة. ولم يكن ثمة جسور على الخور تربط بين شطري دبي، وكان على الناس أن يتحملوا رحلة مضنية للانتقال من ضفة إلى ضفة وذلك بالدوران حول نهاية الخور. وكان يمكنهم أيضاً التنقل بواسطة العبرة، وهي عبارة عن قارب صغير يسير بالتجديف ينقل الناس من ضفة إلى أخرى، واستخدم الناس (عبرة) خاصة تنقلهم إلى السفن الراسية بعيداً عن سواحل الخور.

أسواق دبي تعج بالبضائع

منذ نشأتها كانت أسواق دبي تعج بالبضائع القادمة من كل أنحاء العالم في القرن الماضي بسبب نشاط تجارها الملحوظ في ذلك الوقت وإلى اليوم، ولقد وصفت السوق في ذلك الوقت بأنها منطقة تجارية تعجُّ بالنشاط والحيوية. وتقع في منطقة ديرة، وتتكون من 350 محلاً تجارياً وبذلك عُد أكبر سوق في المنطقة، ويصل بين هذه المحلات ممرات مسقوفة، حيث يجلس التجار مع بضائعهم في محلات على شكل كوى.

وكانوا يستخدمون المصابيح الزيتية لإضاءة مخازنهم أو محلاتهم. وعند الإغلاق يستخدمون هذه المصابيح لإنارة طريق العودة إلى البيوت، ولم يتسن لكثير من أصحاب الحرف امتلاك محلات لمزاولة أعمالهم، ذلك لأن أي بقعة خالية قد تصلح لممارسة أعمالهم..

واعتاد الناس أن تعرفهم بأسمائهم وكانت رسالة المنادي تنتقل عبر التجار والناس حتى تصل الشخص المقصود ليأتي للاتفاق مع زبونه. واعتاد الكثير من المارة التوقف لقضاء الصلاة أو الاستراحة في السوق، والتعرف على الصناع والتجار وشراء بعض الحاجيات من هناك.

وتتميز السوق بتمركزها في وسط المدينة ووقوعها قرب شاطئ البحر لتسهيل عمليات النقل، وكان السكان يستوردون الفحم النباتي من داخل عمان ليستخدم في أغراض الطهي وصنع القهوة. ولم تكن هناك شبكات توزيع للمياه، فاعتمد السكان على المياه الجوفية،

وكانوا يستخرجون الماء من الآبار بطرق يدوية بدائية، تنقل في أوعية وتحمل على ظهور الحمير لتنقل إلى البيوت للاستخدامات البيتية، وبالرغم من أن نقل الماء كان عملاً مضنياً، فقد اعتاد الناس على تناقل الأخبار أثناء تجمعهم عند مورد الماء بانتظار دورهم لملء أوعيتهم، ويرددون أثناء ذلك الأغاني والأهازيج مما يجعله أقل عناءً.

كانت المحلات التجارية الرئيسة مبنية من الجبس والحجارة المرجانية. وتم استيراد الخشب من شرق أفريقيا ليستخدم دعامة لسقوف المباني. وكان يغلب على دبي القديمة زخم وافر من تقاليد الماضي التي طبعت الحياة بسمات التعايش والانسجام بين الناس وبيئتهم. وبميناء دبي الزاخر وسوقها المفعم بالحيوية والنشاط التجاري احتفظت دبي على الدوام بمستوى معيشة أفضل من مستويات المعيشة التي توفرت في مدن أخرى بالمنطقة في نفس الفترة.

التجول بين الأسواق القديمة التي أعيد ترميمها في دبي، هو إطلالة من موقع المعاصرة واللمسة الحضارية الراقية، على موقع الأصالة واللمسة الباقية في وجداننا وأذهاننا، هناك بين هبة النسيم وخور دبي وبين مشهد المواءمة السحري بين الأقواس الخشبية المعتقة والزخارف البديعة، مع الهندسة المعاصرة والغنى المعماري والمدني الذي تشهده دبي.

والتجول منذ أول خيط في الأقمشة الملونة والزاهية المعروضة في تلك الأسواق إلى مختلف البضائع المتنوعة والمتكدسة أمام واجهات المحال، هو تجول ليس في أسواق دبي وحسب، إنما في معظم الأسواق العربية التي تماثلت وطرزها المعمارية وروحها الخاصة، مع عراقة أسواق دبي وأهميتها وغناها.

ودبي لم تغفل عمارتها القديمة وهي تهندس عمارتها الحديثة، فقد تكاملت المرافق وتداخلت بهارمونيا تعكس التخطيط الدقيق والاستراتيجيا المتكاملة في رسم ملامح تطورها. فبعد عملية ترميم طويلة باتت الأسواق القديمة في دبي عامرة بمختلف البضائع،

تتنوع بين الذهب والحلي والأقمشة والمواد الغذائية ولوازم البيت والعطور والبخور والبهارات التي ينتشر عبقها في المكان ليعطي للسوق نكهته وفرادته. وأسواق دبي القديمة كحال الأسواق في كل مدينة، يحمل كل منها اسماً خاصاً بها وتخصصت في معظم الأحيان بنوع من التجارة والنشاط، وهي نوع من تقسيم العمل توصل إليه الأقدمون، وأشهر هذه الأسواق:

السوق الكبير

هو أقدم الأسواق في مدينة دبي حيث صنعت المعاملات التجارية الواسعة التي تم عقدها من خلال شهرة المدينة وصيتها الكبير ويعتبر توجها لشخصية المدينة من خلال التمازج بين الدور السكنية والتجارية في إطار من علاقات تخطيطية تستحق وتستوجب الدراسة والتحليل، وتتفاعل مع المباني مختلف العناصر المعمارية التي عرفتها من براجيل الهواء والزخارف الجميلة المختلفة والتشكيلات المتنوعة للفراغات المعمارية،

والمنطقة تتفاعل بين الخور والأسوار القديمة للمدينة لكي تمثل مجتمعا مدنيا يتميز باكتماله وتكامله. تم بناء السوق الكبيرة بر دبي على مراحل مختلفة واستكمل بناؤها بإنشاء خمسين محلاً تجارياً على ممر وسطي وعلى جانبيه الشرقي والغربي بوابات كبيرة محكمة، تفتح في الصباح وتغلق في المساء، تتكون المحلات التجارية من جزئين أمامي وهو في شكل رواق على الممر الرئيسي يهدف لاستقبال الزبائن ويوفر إمكانية للاستراحة، أما الثاني فمكان للتخزين.

أسواق بر ديرة السوق الكبير

من أهم الأسواق التقليدية التجارية المعروفة والمنتشرة قديماً التي تم حصرها ضمن منطقة ديرة، تم تشييد (السوق الكبير) في بر ديرة حوالي عام 1850 وهو أقدم واهم الأسواق في بر ديرة، تكمن أهمية السوق الكبير باتصاله المباشر مع البناء الممتد على الخور،

حيث تقف اليوم ببنائه السفن الخشبية تحمل مختلف البضائع وتمتد رحلاتها البحرية إلى افريقيا وشبه القارة الهندية، لقد فرض الأمر أن يكون المكان ليس فقط للمعاملات التجارية والتبادلات ولكن كذلك لتوفير ما يلزم أطقم السفن التجارية.

تمتد السوق على امتداد سكة ضيقة حيث تم منع المركبات من الحركة داخلها وخلطت الدكاكين ذات تكرار المساحات الصغيرة لا تتجاوز 20 مترا مربعا وعلى الرغم من ذلك فلم تخلُ من بعض المساحات المعمارية التي تعطي المكان دورها.

تعلو بعض الدكاكين ذات طابق واحد فيما عدا بعض الدكاكين التي لها طابقٍ علوي ويمر الطريق عبر سوق مغطى باستخدام الكسوات الخشبية والدعون (سقف النخيل المشدود بالحبال) وتتوزع الدكاكين لبيع مختلف البضائع مثل السجاد والمنسوجات والأدوات المنزلية والبهارات والأعشاب الطبيعية.

سوق مرشد وهي من الأسواق المهمة في منطقة بر ديرة وتباع فيها الأعشاب الطبية وسوق للألبسة وسوق المعادن والصناديق إلى غير ذلك.

سوق البهارات والتوابل وهي خاصة ببيع البهارات والتوابل إضافة إلى الأعشاب الطبية المتوافرة في البلاد أو التي تجلب من الخارج.

سوق المناظر وهي سوق مخصصة لبيع المرايا بأحجامها المختلفة.

سوق الملابس ويباع فيها كافة أنواع الملابس النسائية والرجالية إلى جانب أدوات الزينة النسائية.

سوق التمر حيث يجلب التمر من المزارع البرية في الإمارات أو يجلب من البصرة التي كانت إلى وقت قريب أعظم سوق مصدرة للتمر.

سوق العطارين والأعشاب الطبية وهي خاصة بالعطور وأدوات الزينة النسائية إضافة للأعشاب الطبية المحلية أو التي تجلب من الخارج.

سوق الحبال والدهون وهي السوق التي خصصت لبيع الحبال سواء منها الخاصة بالسفن والمراكب الشراعية أو الخاصة بصناعة بيوت العريش، كما تباع الدهون، وهي عبارة عن سعف النخيل المشدودة بالحبال. سوق المعادن وتباع فيه الأدوات المعدنية والنحاسية من الأدوات المنزلية وغيرها.

سوق الذهب ويباع فيها الحلي والمجوهرات الكريمة.

سوق المطارح والمطارح جمع مطرح وهو الفراش الذي يتخذ للنوم ويباع في هذه السوق جميع الفرش والتكات والمخدات من القطن.

سوق السمك حيث يجلب الصيادون الأسماك لبيعها ضمن الأسواق إلى جانب بيع الخضراوات وبعض المأكولات مثل الجامي والسمن البلدي.

وقد كان سوق السمك من أنشط الأسواق كونه يلبي الحاجة اليومية للأهالي، الذين شكل صيد السمك بالنسبة لهم مصدراً مهماً للرزق، وقد شاركت النساء بشكل كبير في عملية بيع السمك حيث عرفن بالقدرة على المساومة في عملية بيع السمك والخضار التي كانت تجلب إلى دبي من عمان كالليمون والتمر والموز والرمان والمانجو العماني. ومن الفجيرة ورأس الخيمة كانت تأتي الخضراوات الطازجة.

ودبي قديما لم تعرف الأسواق المتخصصة حيث كانت معظم البضائع والأدوات تباع جنباً إلى جنب تحت الأسقف المغلقة وفي غمار الحياة اليومية المشبعة بالحركة والحيوية، والنابضة بالأنفاس الإنسانية التي مازلنا نستشعرها في ردهات الأماكن القديمة وفي تجاويف حجارتها المزخرفة وأقواسها البديعة.

إسماعيل الرفاعي