مغرم بالطبيعة منذ صغره، تجذرت في وجدانه مناظر الوديان والشلالات المنحدرة من سفوح الجبال، وخالطت أحلامه الصغيرة رؤية الأشياء من الأعلى فطار وقضى سنوات طفولته الأولى متأملاً في المشهد الطبيعي الذي يحاصره لأن والده كان لديه اهتمامات بالتقاط الصور، فقد أخذ هذا الاهتمام عن والده وكانت الكاميرا أول هدية يتلقاها في حياته، ومع كل هذه الاهتمامات والتطلعات، بدأت فكرة رؤية بلدان العالم تداعب أحلامه، وكبر عشقه للطيران كبوابة تتيح له زيارة المدن والعواصم العالمية.
وعندما أنهى الثانوية العامة والتحق بكلية التجارة، حرص على الالتحاق بمعهد للطيران في الوقت نفسه، ليحصل في النهاية على رخصة «طيار خاص»، ويحقق أمنيته المبكرة في رؤية المشهد الطبيعي من الأعلى وعلى الجانب الآخر حصل على بكالوريوس التجارة ليتدرج في مناصبه المهذبة ويصبح مديراً للتسويق في إحدى المؤسسات،
غير ان اهتماماته السياحية ظلت على حالها فتنقل بين البلدان والمدن كلما وجد الفرصة مواتية ذلك هو طارق الصيداوي المولود في منطقة الباحة بالجنوب الغربي من السعودية، يروى الصيداوي قائلا: كان الوالد بحكم عمله مقيما مع الأسرة في السعودية،
حيث ولدت لتتفتح عيناي على مشاهد طبيعية تفوق الوصف من فرط جمالها، فهي منطقة تشمل مختلف التضاريس، فيها السهول الخضراء والوديان والجبال الشاهقة، وطقسها معتدل طوال السنة، وتذكرني منطقة الباحة بمنطقة صلالة في عمان، وأكثر شيء يلفت الانتباه هو منظر شلالات المياه التي تنساب من بين الصخور في منظر طبيعي يأسر العقول،
وعلى أغصان الأشجار الكثيفة تتجمع الطيور والعصافير، وكنا كأطفال عاشقين للطيور نستمتع بشقشقتها محاولين اصطياد بعضها، وكثير ما كنا نخرج مع عائلاتنا إلى سفوح الجبال القريبة لنلهو ونلعب الكرة، غير انني كنت أميل أحيانا للجلوس متأملا.
كنت التقط الصور بكاميرا والدي، وعندما لاحظ اهتمامي الكبير بالتصوير والأرشفة، أهداني كاميرا كأول هدية يقدمها لي، والحق انني اعتبر نفسي محظوظاً بقضاء سنوات الطفولة بين أجواء طبيعية خلابة في الباحة، لدرجة ان التغيير عندنا أصبح الذهاب إلى المدن والأسواق التجارية، في حين ان الناس كانوا يأتون إلى الباحة للسياحة والاستجمام، ومن هنا بدأت أحلامي تكبر بأن أتعلم الطيران لأجوب العالم وأكتشف مناطق أخرى.
وفي أول رحلة مع الأسرة إلى القاهرة طلب من والده أن يدخل قمرة القيادة ليشاهد الطيارين وهم يتحكمون في قيادة الطائرة، غير أن هذا الاختراق لم يكن كافياً لأن يشفي طموحاته، وفي القاهرة وشوارعها انبهر بالحركة الكثيفة والمتاجر الكبيرة، كان صغيراً تستهويه الألعاب ومشدوداً لهالة لم يرها من قبل،
فقد كانت منطقة الباحة صغيرة بالكاد يوجد فيها محل بقالة صغير، وانتهت الرحلة دون أن يعلق بذهنه منها سوى فرحته بدخول المطارات وركوب الطائرات والجلوس قرب النافذة، إلى أن أنهى مرحلة الثانوية لينتقل إلى القاهرة بغرض الدراسة، وعلى الرغم من حبه وعشقه للطيران، إلا أنه فضل أن يدرس كلية أساسية إلى جانب معهد الطيران بإمبابة.
خمس سنوات قضاها طارق الصيداوي في القاهرة، يدرس في كلية التجارة وفي معهد الطيران، وعن تجربته في القاهرة يقول: على الرغم من أنني كنت متواجداً في القاهرة للدراسة، إلا أنني أحببت مصر، واعتبر نفسي واحداً من مواطنيها، فهي بلد جميل، وشعبها طيب وصاحب نكتة لا تنتهي، دخلت جميع مسارحها وسينماتها،
وأدعي أنني جبت مصر من أقصاها إلى أدناها بحكم طلعاتي الجوية أثناء التدريب، ولكن تظل المناطق الشعبية مثل الحسين والسيدة زينب وغيرها، هي المناطق التي أرتاح فيها، وأشعر بنبض الشارع المصري الأصيل في أزقتها وحواريها، وكوني قضيت في القاهرة خمس سنوات متواصلة،
فأنا أعرف كل شيء فيها، وأعرف كيف أتعامل مع البائعين والسائقين، وبحكم إقامة والدي هناك، فأنا أزورها أكثر من مرة في العام الواحد، وفي كل مرة أشعر بمتغيرات جديدة سواء على المستوى المعيشي أو الخدمات الجديدة التي تضاف إلى المنشآت، وأحرص في كل زيارة على أن أذهب إلى الأماكن التي درست فيها مثل الجامعة ومنطقة مطار إمبابة كما أنني أحرص على تأجير طائرة لأمارس هوايتي المفضلة بالطيران مع أصحابي أو مع العائلة.
سويسرا حديقة طبيعية
والآن يعمل الصيداوي في الإمارات متخذاً منها نقطة انطلاق سنوية إلى مدن وعواصم العالم، يقول: إذا كنت محظوظاً بقضاء سنوات الطفولة بمنطقة الباحة بالسعودية، فأعتبر نفسي محظوظاً أيضاً بإقامتي في الإمارات، فهي ليست مجرد مكان للعمل كما يتصورها البعض، وإنما تعني لي شخصياً لوحة في غاية الجمال، خصوصاً وأنني زرت عواصم كثيرة،
وأقارن دائماً بين الخدمات السياحية المقدمة هنا وهناك، فأجدها تحتل مكانة مرموقة بين البلدان، ومن الإمارات تحديداً بدأت رحلاتي السياحية تتكرر، وبدأتها برحلة إلى سويسرا بدعوة من أصدقائي الذين كانوا يدرسون معي في معهد الطيران بإمبابة، وشدني في سويسرا طبيعتها الخلابة ومساحات الخضرة والزهور المنتشرة في كل مكان، وسويسرا بلد مشهود له بالنظام والنظافة، وشعبها متعاون مع الغرباء بشكل ملفت للنظر،
كما أنها تمتاز بخدمات سياحية وبنى تحتية في غاية الروعة، ومع أنها بلد صغير إلا أنها تتمتع بطبيعة بكر لم تمتد إليها يد بشر لتتدخل في إضفاء لمسات جمالية عليها، كما أنها تمتاز بمنتجعات سياحية مقامة في المناطق الجبلية المكسوة بالخضرة،
إضافة إلى مراكزها التجارية الراقية، واستمتعت شخصياً بزيارة بحيرة جينيف ومحيطها، وهي منطقة آسرة تدعو لأن يظل المرء في أجوائها أطول فترة ممكنة، وعودة إلى اهتمام الناس هناك بالنظافة فقد حدث أن ألقيت بعقب سيجارة في الشارع، وجاء أحد الأشخاص ليلومني على فعلي، فقلت له إنني لم أجد مكاناً مخصصاً لإطفاء السجائر، فأشار لي بأن لا أحد يدخن وهو يمشي في الشارع، فانتبهت إلى هذه الحقيقة التي لم تكن قانوناً يطبقه الناس، بل كانت عادة وتقليداً يلتزمون به.
ريف فرنسا أجمل من مدنها
ذهبت إليها بالقطار من سويسرا إلى فرنسا، وهي بلد جميل يهتم بالجوانب السياحية ويركز على تقديم الخدمات الراقية للسياح، ومعروف أن فرنسا تشتهر ببرج إيفل والشانزليزيه والمراكز التجارية، وقد زرت هذه الأماكن أكثر من مرة وانبهرت بها،
إلا أن الريف الفرنسي يظل الأجمل والأنقى من وجهة نظري، وأنصح بزيارته لكل من يريد الذهاب إلى فرنسا كسائح، لكن تظل اللغة هي المشكلة الحقيقية التي تواجه الكثيرين، فقد وجدت صعوبات في التواصل مع الناس، ولربما خلف هذا الأمر عندي انطباعاً سيئاً عن مدى تعاون الفرنسيين مع الغرباء، وأصبحت أراهم غير جادين في إعطاء المعلومة الصحيحة للسائل الغريب مقارنة بما لمسته مع الشعب السويسري.
مطاعم تركيا تفتح الشهية
في تركيا لم أشعر بأنني بعيد عن الأجواء العربية، فهي بلد يشبه إلى حد كبير البلدان العربية من حيث المباني ذات الطراز المعماري الشرقي، وخصوصاً المساجد العملاقة التي تشتهر بها ويصعب عليك أن تراها في أي مكان آخر، وتمتاز هذه المساجد بزخارف في غاية الروعة إضافة إلى طريقة بنائها بشكل هندسي ومعماري يبهر الناظر،
وتشتهر تركيا أيضاً بمطاعمها الشرقية التي تقدم أفضل الوجبات وألذها على المستوى العالمي، وتمتاز هذه المطاعم بالنظافة الشديدة وحرصهم على تقديم الطعام بصورة تفتح الشهية، كما أن شعبها قريب في سلوكياته من الشعوب العربية للغالبية المسلمة فيها، أنت تشعر في شوارعها أنك تسير في شوارع أية مدينة عربية،
وأناسها طيبون يقدمون يد العون لكل من يسأل، والحق أنني لم أشعر بأي نوع من أنواع الاستغلال للسائحين عندهم، أما الخدمات السياحية المقدمة فهي جيدة للغاية، خصوصاً اهتمامهم بالنواحي الفندقية الراقية والمعاملة الجيدة. وحرصهم على توفير اللوحات الإرشادية التي تساعد السائح على التنقل بكل سهولة ويسر،
كما أنهم يقدمون خدمات أمنية شديدة تضفي الطمأنينة في نفوس السائحين، اما المراكز التجارية فيها فهي في غاية الجمال، خصوصاً «جراند بازار» وهو سوق ضخم يضم بين جنباته جميع محلات التحف والهدايا والملابس وغير ذلك، وهناك السوق الفرعوني وهو أشهر الأسواق وأضخمها على الإطلاق.
بريطانيا بلد عريق له جذوره التاريخية والحضارية، ويتجلى ذلك في قصوره القديمة التي تعود إلى فترات زمنية ضاربة في القدم، وقد زرت بعض هذه القصور المفتوحة أمام السائحين، وزرت أيضاً متاحفها الجميلة والتقطت الصور عند عين لندن، وزرت الهايدبارك،
وبالفعل كانت رحلة ممتعة لم يعكر صفوها شيء، وكون ان بريطانيا بلد يتمتع بعمق حضاري فأنت تستطيع أن تلمس بوضوح حجم الاهتمام بالقاعدة السياحية من حيث الخدمات المقدمة، وتلاحظ أيضاً أن شعبها عملي للغاية، بأحد الأمور على محمل الجدية وليس لديهم أوقات فراغ بالمرة، ويتعاملون بنهج المختصر المفيد.
انبهار بتموين تاورز
بهرتني ماليزيا بما رأيته من نظافة ونظام والتزام، فهي في هذه النواحي تضاهي البلدان الأوروبية، علاوة على أنها تتمتع بطبيعة ساحرة تأسر الألباب، وماليزيا كمؤسسات وشعب تقدم أجود الخدمات لزائريها، وزرت أعلى برجين في العالم وهما «توين تاورز» وانبهرت بهذا التصميم الهندسي الملفت للنظر،
كذلك زرت جنوب ماليزا المشهور بجباله الشاهقة التي تطل على سنغافورة، ومنطقة الجنوب غنية بالغابات والمناظر الطبيعية الجميلة، خصوصاً مشهد الشلالات والأنهار التي تجري في منظر ساحر، غير أن غلاء الأسعار في ماليزيا مقارنة ببقية دول شرق آسيا يجعلها أقل جذباً للسائحين،
رغم شهرتها بمراكزها التجارية الفخمة وتوفر جميع السلع فيها. زرت تايلاند وتنقلت بين جميع مدنها دون استثناء، وأعجبتني أسواقها ومعابدها التي تعبر عن حضارة منفردة من حيث المضمون والشكل، وعلى الرغم من ان التعامل مع أناسها سهل للغاية، إلا ان النواحي التنظيمية هي لقطة الضعف التي تعاني منها تايلاند،
وتحتاج إلى وقت لكي تلحق بالتقدم الذي حققته بعض دول آسيا في النواحي الخدمية السياحية، فقد رأيت في هونغ كونغ صورة راقية لبلد صغير للغاية، فنادقها فخمة وخدماتها السياحية قادرة على جذب السائحين، ويوجد فيها أكبر رجال الأعمال في العالم،
وهي تتمتع بسواحل وشواطئ بحرية خضراء تسر الناظرين، ويلفت الانتباه فيها نظافة شوارعها ومبانيها التي تأخذ أشكال الأبراج العالية، كما ان النظام لديهم في غاية الدقة بالنسبة لحركة الشوارع المرورية ونظام المواصلات، وفيها مطار فخم وضخم جدا، ويعتبر عنواناً مبهجاً وانا انصح المتزوجين حديثا بقضاء شهر العسل فيها لانها نموذج رائع للاستجمام والاستمتاع والهدوء.
دائما ابحث عن اختيارات جديدة لاكتشف اكبر عدد من البلدان، وتأتي اختياراتي عن طريق القراءة والاطلاع، أو عن طريق الأصدقاء الذين يحيون مدن العالم بحكم عملهم كطيارين، ومن البلدان التي ذهبت إليها صدفة دون ترتيب وأعجبتني مملكة البحرين، اما باقي سفراتي فقد كانت بترتيب مسبق، وانا من عاداتي أن ابحث عن طريق الانترنت عن كل المعلومات المتعلقة بالبلد الذي سأزوره، وأتعرف على طقسه وعملته.
والأسعار مقابل الخدمات المقدمة، واطلع على النصائح الإرشادية وأسعار الصرف لعملته. في المطارات أنسى نفسي، وينتابني الشعور نفسه الذي أحسست به لأول مرة اركب فيها طائرة، هو أنني مقبل على رحلة سأكتشف خلالها مدناً جديدة، وحتى الآن أحرص على أن يكون مقعدي مجاوراً للنافذة في الطائرة،
فانا لم أنس حجم المتعة التي أشعر بها وأنا أطل من الأعلى على مناظر طبيعية حتى وان بدت غير واضحة المعالم، أما البلدان التي أتمنى زيارتها فهي أميركا اللاتينية، وبالتحديد الأرجنتين والبرازيل، فلدي شعور راسخ بأن هذه البلدان مختلفة تماماً عن أوروبا وآسيا، وفيها ثقافات مغايرة لما رأيته حتى الآن.
عزالدين الأسواني