من بين المظاهر المدهشة التي تستقبل زائر الإمارات أثناء تجواله الذي لا يهدأ، تلك المشاهد المتنوعة المحملة بعبق الماضي العريق والتي يراها أينما حل لتبدو من الملامح الواضحة التي تنفرد بها هذه الرقعة من العالم، فتأخذ هذا القادم التواق لما هو متفرد وجميل في فسحة تتخلل أروقة الخيال وتضاريس الذاكرة التاريخية المكتسبة لديه. وتتركه في حال من المقاربات بين ذاكرة القراءات وحقيقة اللحظة ناهيك عن حالة الذهول على حافة الفصل بين الخيالي والموجود.

وتلك الصور البانورامية على طول الساحل الإماراتي بخاصة في خور دبي ويتصدرها الحضور النشط للسفن الخشبية التقليدية الخاصة بالمنطقة، تلك السفن التي ما زالت تمخر عباب البحر منذ أن عانقت مياهه يابسة هذه الأرض وهذا المجتمع الذي أدرك حميمية العلاقة كخيار للحياة والازدهار. إنما لا ندري إلى متى ستبقى تنعشنا تلك مشاهد السفن بجمالياتها وجبروتها، خاصة وأن صناعتها باتت محدودة وأصبح عمل الحرفيين يفتقر لمن توارثوا مهنة صناعاتها على ترميم ما تبقى منها.

تعددت هذه السفن تبعاً لاستخداماتها وتطورت بمرور الزمن لتأخذ أشكالاً وأحجاماً متنوعة، فمنها ما كان يستخدم للغوص ونقل البضائع كالسفن الكبيرة والتي كان يطلق عليها البوم وكذلك الجالبون للغاية ذاتها إنما كانت خفيفة وهي شراعية، ومنها ما كانت تقوم بالأسفار في البحار والمحيطات وكان يطلق عليها التبلة وهي خفيفة الوزن. أما ما كانت للتنقل بين الموانئ على السواحل الإماراتية والقريبة منها فكانت تدعى بالشوعي، وهناك أيضاً الماشورة وهي التي تنقل البضائع ما بين البوم والميناء.

كانت صناعة هذه السفن في البداية متعلقة بوسائل العيش بينما أصبحت في القرن الماضي محدودة لتتحول إلى إحدى الحرف التقليدية بعد تراجع الحاجة إليها مع تطور وسائل النقل البحرية، وفيما يخص المادة الرئيسية في صناعتها وهي الأخشاب

فكان يستورد نوع منها يدعى الساج من شبه القارة الهندية ويتمتع بمواصفات خاصة عبر تحمله للرطوبة والمؤثرات الخارجية الأخرى إضافة لديمومته. وكان صناعها يتمتعون بالمهارة والدقة والذوق الرفيع والرغبة في الإبداع ما أرسى نمطاً من السفن يمتاز بالأصالة، ولهذا تراها تتميز عن سواها من السفن التي استخدمها شعوب أخرى.

قصدنا منطقة (مشيرف) على ساحل عجمان بغية الوقوف على هذه الصناعة، وكانت المفاجأة كبيرة بتوقف هذه الحرفة التقليدية باستخدام مادة الخشب منذ ما يقارب العقد ونصف العقد من الزمن والتحول إلى تقنية أخرى في صناعة هذه السفن عبر مادة صناعية من اللدائن تدعى الفايبرغلاس باستخدام قوالب خشبية،

وهذا ما يؤكد الخطورة على هذه الصناعة التقليدية التي استمرت مئات السنين. ويعتمد الصناعيون في عملهم على تقليد السفن الخشبية بالتصميم والحجم من خلال تقنية تمليها المادة الجديدة. والبعض منهم يحور في التصميم ما يبعد المنتج في النهاية عن شكله التقليدي اللطيف مما يسهم زمنياً في اندثاره.

من الملاحظ أن طلباً كبيراً عليها ولأغراض متعددة من التجار والصيادين والشركات السياحية في السوق الإماراتية والخليجية والغاية هي الحصول على السفن التقليدية الإماراتية التي تجوب مياه البحر القريبة والبعيدة. فلماذا يقف غلاء مادة الأخشاب وكلفة الصيانة حائلاً دون استمرار صناعتها خاصة وأنها مادة تراثية ترتبط بجذور هذه المنطقة؟!.

قصي بدر