في غضون السنوات الأخيرة ظهر في الإمارات بعض الفنانات الشابات اللاتي قدّمن مجموعة من الأعمال الفنية ضمن مفهوم الفنون الجديدة التي تعتمد على الفيديو آرت والتنصيبات والفنون النظامية في سياق الفن المفاهيمي، وقد عمدن إلى كتابة مجموعة من النصوص التعريفية التي تبرز المفهوم أو الفكرة الموازية للنص البصري الذي قاموا بإنتاجه.
وقد برزت ابتسام عبدالعزيز عبر مشاركاتها الدائمة والمشاريع الفنية التي قدمتها في المعارض في المتاحف والصالات المحلية والبناليهات الدولية كبينالي الشارقة للفنون، وبينالي سنغافورة ومعرض (نفس) في برلين ومعرض لغات الصحراء في بون والعديد من المشاركات ضمن أنشطة جمعية الإمارات للفنون التشكيلية.
نشأت وترعرت في ظل أسرة لها علاقة وثيقة بالفن وتهتم بشكل كبير بالدقة والخط والموسيقى والتصوير، تقول: كان لدى والدي غرفة اسمها غرفة السينما، وكان لدينا أجهزة كاميرا موجودة حتى الآن، وأتذكر أنني قد ضربت في المدرسة لأنني رسمت عوضاً عن صديقتي، ثم تنتقد محدودية المنهج الفني الذي كان يركز على موضوعات محددة ومناسبات رسمية لا تفسح المجال أمام الطفل لتنمية مخيلته ومدركاته.
تستعيد تلك الأيام وتفاصيلها والأشياء العالقة في تقويم العمر، تقول: كنت أشعر بالاختلاف عن جيلي، وكان لدي ميول للعزلة هادئة، والدي دائم السفر وكان يجلب ألعاباً مختلفة لها علاقة تناسب مزاجي الخاص، كما كنت أحب رسوم الكرتون التي كنت أرسمها وألونها، وكنت أحب القراءة وأتذكر أنني في طفولتي قرأت العديد من القصص وقرأت قصة عن فان غوغ، وكان في منزلنا ثمة وقت محدد للنوم لا يمكن تجاوزه فكنت أغلق الضوء وأجلب كاشفا صغيرا للقراءة ثم أتابع القراءة.
درست الفنانة عبدالعزيز في جامعة العين وحصلت على بكالوريوس في الرياضيات البحتة وكانت قد حضرت ورشة للرسم في كلية التربية الفنية لم تشجعها على دراسة الفنون، فاختارت الرياضيات التي قالت عنها انها تشبع المخيلية وهي اقرب إلى شخصيتي، وذكرت أنها أثناء فترة الدراسة شاركت بالعديد من ورش العمل والرسم في السكن الطلابي، حتى أنها نالت جائزة على إحدى الرسوم التي شاركت فيها، وتلقت ثناء ودعماً من المدرس المسؤول بعد أن طلب رؤيتها.
بعد التخرج ذهبت إلى جمعية الإمارات للفنون التشكيلية وكان لدي مجموعة من الأعمال الفنية، ودخلت في ورش المرسم الحر التابع لمسرح الشباب والفنون، ورش معهد الشارقة للفنون، وتعلمنا أساسيات الظل والنور والمنظور، واشتركت في الورش الأخرى في الرسم والإشراف والإنتاج،
وتجاوزتها واتجهت إلى جانب آخر في القراءة والاطلاع على الوسط الثقافي، وتابعت المعارض الكبرى وأنشطة متحف الشارقة للفنون والرواق، وبعد الاطلاع والتدقيق في النتاجات الفنية والوسط الفني ومراجعة ما قمت بتنفيذه شعرت بأن ما أقدمه لا يعبر عني وليس هو ما أريده فبدأ عمل (الاحتمالات الأربعة) يتبلور في ذهني وشرعت بتنفيذه.
أعمال مفاهيمية
كان بداية لسلسلة من الأعمال المفاهيمية التي جسدت علاقتي بالبيئة التي أعيش ضمنها والوعي الفني الذي أحاول امتلاكه، وتضيف أن هناك فرقا بين الفن والإرث فلماذا لا نواكب هذا المستوى الحضاري، وترى أن الفرشاة والكانفاس ما هما إلا خامات وأدوات لتنفيذ العمل الفني وكذلك الفيديو والكاميرا ديجيتال هي أدوات تصلح بدورها لأن تكون خامة للعمل الفني،
فالهاجس الشخصي والجهد المتواصل والرؤية الخاصة هي التي تحدد أهمية الفنان، مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة الاطلاع على التاريخ الفني ومعرفة تفاصيل الغرب، فالعديد من الأسئلة التي نطرحها ربما تكون قد طرحت من قبل وبالتالي من الضرورة الاطلاع على النتاجات الأخرى لتجاوز المفاهيم السابقة،
وتقول: نحن في الإمارات لم نقف عند مرحلة محددة، وعند شكل معين فاللوحة تحضرني في صورة محددة بينما الفن المفاهيمي يبعث على التساؤل، وأنا لدي فضول ودافع للمعرفة أن أرى الأشياء الغامضة حتى أحاول تحليلها ومعرفتها معرفة عميقة، وعن أعمالها تقول:
مشكلتي أن أعمالي لا تأتي فرادى ففي نهاية عام 2003 عملت دفعة واحدة أربعة أعمال وكانت سلسلة متكاملة في فترة زمنية واحدة (الرقم والزمن)، (المثلثات العشرة ) و(خارج نطاق الخدمة)، (خط)، وتضيف أنها تتخيل أعمالها أشخاصا وبشرا، فعمل المثلثات العشرة أتخيله رجلا صارما وعمل الأيادي أتخيله إنسانا بسيطا قريبا للناس وكل عمل له شخصية وروح تربطني به علاقة كبيرة،
في (خارج نطاق العمل) هناك فوضى مدروسة لها علاقة بالزمن وعمل «لاين» استفز الناس، الفكرة الرئيسية جاءت من رؤيتي لقطار يسير في منطقة جليدية، منها أرفقت صورة العمل مع صوت القطار وهي مقاربة للعمل من ناحية الفكرة، ثم عملت على موضوع البورتريه رجال ونساء
وفي إطار معرضها الشخصي القادم تقول بأنها تعمل على ستة أعمال دفعة واحدة وعن الجانب المفاهيمي للأعمال والمشاريع الفنية التي قدمتها ابتسام خلال مشاركاتها المتنوعة والتي أشفعتها بنصوص نقدية موازية شملت سلسلة الأعمال، تقول:
الاحتمالات الأربعة
عمل تحرر من استخدام الدرجات اللونية ذات المزج اللوني الموحي بالجمال، فلا تهدف هذه النوعية من الأعمال إلى إدراك الانسجام والتناسق اللوني، بل هناك ثبات وتكرار في ذات الوقت وفق نظام يتعامل مع الألوان والأشكال والأرقام، ينتمي إلى أسلوب الفن النظامي..فمجموعة الخطوط والمربعات بألوانها وأرقامها هي بحد ذاتها نظام إدراكي رياضي للألوان والأشكال الذاتية.
الرؤيا والوهم
يعتمد على مفهوم الرؤيا والوهم هذا المفهوم الذي تكون فيه عملية النظر تقتضي الإلمام بقواعد الرؤية ومن ثم الانتقال إلى البعد عن سطح الصورة باتجاه قوة جذب الوهم. عبارة عن فيديو لأداء مسرحي في غرفة طبيب العيون، أثناء عمل اختبار فحص النظر. أثناء ذلك تكون هناك محادثة مع الطبيب، تحوي كلمات Right, Left, Up, Down.
الرقم والزمن
سلسلة من الصور التوثيقية لأناس تعمد إلى تقديم صورة تلقائية عن التعبير الزمني والداخلي لهؤلاء الأشخاص، رغبة في إظهار درجة الواقعية والمصداقية في أرشفة وتحديد هذه الأرقام بالعناصر المرئية في الصورة. عبرت هذه الأرقام عن الطبيعة الفيزيائية والذهنية للكائن البشري في إدراك العلاقة الخاصة بين الجسد والمعايير المختلفة للزمن والمرتبطة بالرقم الذي عبر عن التاريخ الزمني للحياة البشرية،
ارتبط عمل (الرقم والزمن) بفن الجسد، سواء بجسد الفنان أو المشاهد. فهذا العمل يجعل المشاهد يتعامل بجسده في تنفيذه وأداء بعض الحركات بيده، بدلاً من أن يقف أمام العمل، فمن خلال هذا العمل تم لفت انتباه المشاهد إلى أن جزءا كان غائبا أو مشغولا عنه، فكل جزء من جسده كاليد مثلا يريد أن يصل برسالة من ذكريات الطفولة، تعبر عن رموز كثيرة كالموت والحياة.
المثلثات العشرة
عشرة مثلثات ذات دلالات وأشكال وكتل لونية مختلفة، تتفق في مساحتها، ويربط فيما بينها داخليا بنظام حسابي، تميز ـ وعلى سبيل المثال ـ الرقم(1) عن الرقم (2) بعدد الخطوط الداخلية والمساحات اللونية بالمثلث نفسه، من هنا جاءت العلاقة الطردية في هيكل العمل، فكلما زاد الرقم زاد عدد الخطوط... والعكس صحيح.
يأتي النظام الأساسي للعمل، الذي تأسس على عمليات الجمع الحسابية، في شكل جدول حسابي الناتج عن جمع الأرقام الخمسة مقابل الخمسة، والذي ينتج عنه عدة مجموعات رقمية، تم ترتيبها وفرزها وفق نظام تكراري دوراني صارم.
خط
يبدو عمل ( خط) بأنه خط أفقي ذو بعد واحد، إلا أن البعد الثالث في العمل يبدو شبه غير واضح، إن ما يحدده البعد الثالث في مسافات وحجوم وأزمنة يظهر بشكل واقعي، يناقض عمل (خط) ما يدل عليه وضع الخط الأفقي في منتصف المساحة لانه يحدد أشياء كثيرة أبسطها أنه يقسم الصورة إلى قسمين كالأرض والسماء مثلاً.
سيرة ذاتية
العمل هو عبارة عن سيرة ذاتية، يشبه إلى حد كبير ما يفعله كتاب المذكرات، في الجمع بين أمور تحدث لهم يومياً في شكل قصص قصيرة، أو فصول مذكرات يومية، إنما مشاهد هذا العمل غائبة لا يدركها إلا الراوي (الفنان) فهو الذي يرصد يحلل ويشاهد، فثمة غموض متمثل في الأسباب والعلاقة بين سلسلة الأرقام والأحداث التي مرت على الراوي.
فكرة العمل تتجسد في تلك السلسلة الرقمية والتي أصبحت بمثابة قصة توثيقية تدون كافة التفاصيل لمرحلة تاريخية مررت بها منذ 2003 وحتى نهاية 2005، بحيث اختصرت هذه الأرقام واقعا يوميا على حد التعبير، فباتت وكأنها توثيق مقصود يشير إلى أحداث، أمكان، أزمنة، شخصيات وأفعال، فكانت مجموعة الأرقام الطويلة عبارة عن تقارير مطولة تعتمد على أسلوب التراكم في تكديس الحوادث اليومية وتكرارها وصولاً بالمتلقي إلى صورة منظمة بشكل انتقالي.
فالأرقام قائمة على مجموعة من الوقائع المأرشفة التي جمعتها عن أوراق البنك بحيث شكلت الواقع وعبرت عنه. إنما اختفت الأماكن والأشياء وبقيت عناصر الأرقام التي رمزت للبعد الزمني والإنساني، فالعمل يحمل طابع الخصوصية في أسلوب النسج القرائي الذي يخرج بانطباع عام مختلف في محاولة شبه تسجيلية ذات حقيقة ومصداقية.
يجمع هذا العمل بين بعدين، الأول هو البعد الاجتماعي والإنساني، وأما الآخر فهو البعد المتحجر الساخر، الذي يحول السيرة الحياتية إلى أرقام.. تواريخ... وأوقات متسلسلة، فمن خلال تتبع المتلقي لهذا العمل يكون قد أدرج ضمنه وتحول من الحالة الاجتماعية الإنسانية إلى الحالة التجارية الرقمية التي تتصل بالاهتمامات الشخصية والمادية، فهنا يقف المتلقي بالطبع أمام عمل يتمرد على موضوعات وممارسات حياتية يومية ليتم ادراجها ضمن سياق العمل.
إسماعيل الرفاعي