الجرأة والتحدي والرغبة في تغيير واقعها هي العوامل التي دفعت سميرة أحمد لاقتحام عالم الفن، ففي أواخر السبعينات تركت الدراسة عندما اكتفى أهلها بتعليمها الابتدائي فقط، حيث لم يكن لتعليم البنات أهمية في ذلك الوقت، ورغم امتثالها للأوامر التي جعلتها حبيسة جدران المنزل يقتلها الفراغ والملل، إلا أنها كانت تشعر بأن لديها طاقات كافية يمكن استغلالها في أشياء ومفيدة،
لكنها لم تكن تعرف كيف توجه تلك الطاقة، وكان المتنفس الوحيد للخروج من المنزل هو زيارة صديقتها. وذات مساء استمعت إلى أصوات غريبة في مكان مجاور لبيت صديقتها، وعندما سألتها ما الذي يحدث؟ أجابتها بأن هذا المكان هو جمعية دبي للفنون الشعبية والمسرح في منطقة المنامة بدبي، فطلبت سميرة من صديقتها الذهاب إلى المسرح لتتعرف عن قرب عما يحدث.
وعندما شاهدهما المخرج رحب بهما، وسألهما إن كانت إحداها ترغب في العمل كممثلة، فأجابت سميرة على الفور بالموافقة وكانت جرأة منها غير محسوبة بالمرة، ووافقت دون أن تفكر في أبعاد المغامرة التي أقدمت عليها، ولم يكن عمل المرأة في التمثيل أمرا مقبولا من المجتمع،
وكان العنصر النسائي قليلا جدا في ذلك الوقت، واستمرت سميرة في أداء البروفات، فكانت تخرج من بيتها في نفس الموعد لزيارة صديقتها، ثم تنطلق إلى المسرح للتدرب على دورها في المسرحية، حتى جاء يوم العرض، وقررت سميرة أن تتحدى وتواصل ما بدأته، وبالفعل مثلت دورها بنجاح يوم العرض، إلا أن ما كان ينتظرها في البيت جعلها لا تبرحه ثانية إلا بعد عامين كاملين، فقد شاع الخبر في الفريج، وعند عودتها إلى المنزل نالت «علقه ساخنة» من أمها وأخيها الأكبر.
خادم سرور ينقذ الصبية
وكانت مسرحيه (ولد صقر طايح في نعمه) بداية الانطلاق لفنانه الإمارات الجميلة سميرة أحمد، والتي قررت في نفسها أن تعود ثانيه إلى الفن الذي وجدت فيه تحقيقا لذاتها، وإثباتا لوجودها وكيانها، وقررت أن تكسر القيود وأن تتحدى بثوره الشباب كل المعوقات التي تحول بينها وبين تواجدها بشكل مؤثر في الحياة، وشعرت بانجراف كبير لخشبه المسرح التي استمدت منها قوتها لتحقيق طموحها في أن يكون لها مكان مميز،
وكانت ترغب في أن تحين الفرصة للهروب من الواقع الذي يفرض عليها حصارا أبديا لا معنى له، ولعب المغفور له خادم سرور المعصم دوراً مؤثرا في عودتها ثانيه للتمثيل، حيث كان رئيسا لجمعيه دبي للفنون الشعبية والمسرح، بجانب كونه ضابط شرطه، وشخصية مؤثر تحظى باحترام أهل الامارات، فاقنع والدتها وأخاها بإفساح المجال أمامها للعمل ممثلة مسرحيه، وقد تعهد لهم أنها في أمان وتحت مسؤوليته.
ومنذ ذلك الوقت تيقنت سميرة أحمد أن التمثيل قدر لا مفر منه، وتنقلت بين المسرح والتلفزيون والإذاعة، ثم عملت مذيعه ربط برامج للتلفزيون والإذاعة في دبي في أوائل الثمانينات، ولم تكتف بكونها ممثلة موهوبة بل نالت دورات عديدة في المسرح بشكل أكاديمي.
وحققت سميرة أحمد نجاحات متتالية ونالت العديد من الجوائز المحلية والعربية، وقد واجهت الفنانة القديرة صعوبات جمة في مشوارها الفني حيث كان العنصر النسائي في الفن يعاني من الندرة، وصعوبات أخرى على مستوى حياتها العائلية وكيفيه رعاية أطفالها الذين كانوا في سن يستوجب تواجد الأم معهم بشكل دائم، وهي في قمة النشاط الفني والعطاء، وكان عليها التنسيق جيدا بين هذين الجانبين حتى لا يطغى أحدهما على الآخر.
ورغم فرحه النجاح الفني الذي حققته سميرة أحمد إلا أنها تشعر بالحزن تجاه مشكله تشعر بها مع زملائها الفنانين وهي عدم الاعتراف بالفنان الإماراتي بعد تلك السنوات الطويلة من العمل، فلابد مع كل عمل درامي اماراتي من وجود نجم من دول الخليج، رغم أنها تعتبر التعاون بين الفنانين الخليجيين في الدراما شيء جميل وجيد، إلا أنها تتمنى أن يعطى الفنان الإماراتي حقه على الساحة الفنية في بلده، وأن تكون هناك أعمال فنيه إماراتية مئه في المئة.
تنوع في الأدوار
وأجمل ما يميز فنانة الأمارات سميرة أحمد التنوع والتضاد الحاد في أدوارها، فهي (أم محمد) المرأة القاسية القلب في مسلسل حكم البشر، وهي الكومديانة والجادة في دور فاخره في مسلسل «عمى ألوان»، و«حاير طاير»، و«جواهر وجمره غضب»،
وأم عزوز المرأة العمياء ذات النكتة الحاضرة في «الوريث»، وغيرها من الشخصيات التي لعبتها باقتدار وتفرد، فمن يتابع أعمالها الفنية يتأكد أن تلك الأدوار لا تستطيع فنانة أخرى أن تؤديها بنفس الإتقان، ولن تستطيع غيرها تجسيدها بهذا الشكل وكأنها أدوار كتبت بعناية لسميرة أحمد وحدها دون غيرها.
وقد كرمت الفنانة القديرة سميرة أحمد من صحاب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي في أيام الشارقة المسرحية، وكان هذا التكريم الأول الذي نالته محليا، وقد شكل لها شعورا بالسعادة غير الاعتيادية، وتتويجا لسنوات طويلة من التحدي والصعوبات التي لاقتها في عالم الفن،
وكان التكريم الثاني من وزارة الثقافة التي كرمت الفنانين الذين نالوا جوائز عن فنهم من قبل في المهرجانات العربية، وكانت سميرة أحمد حصلت على جائزة في مهرجان الأردن المسرحي، وهي أول جائزة تنالها الامارات على المستوى العربي عن مسرحية مقهى بوحمدة من اخراج وتأليف الدكتور جواد الأسدي، ومشاركة الفنان أحمد الجسمي.
وكما نالت سميرة أحمد عدة جوائز محليه منها جائزة عن مسرحية ليلة زفاف، ومسرحية (لحظات منسية)، على سبيل المثال لا الحصر وحصل مسلسل عمى ألوان على جائزة في مهرجان القاهرة منذ ست سنوات تقريبا. وتعد الفنانة سميرة أحمد من الجيل الثاني للفنانات الإماراتيات، ورغم خروجها إلى عالم الفن مبكرا في زمن لا يعترف فيه أهل الامارات بتواجد الفتاة في هذا المجال الذي يعتبر عيبا وخروجا على العادات والتقاليد،
إلا أن تلك الفنانة الرائعة أعطت لهذا المجتمع نموذجا ومثالا يجب أن يحتذى به من قبل الجميع، فأصبحت نموذجاً جميلاً ورائعاً للفنانة الخليجية الملتزمة والتي تؤدي دورها بإتقان، مع احترامها لنفسها ولجمهورها، وهي بجانب طموحها الفني لم تترك بيتها
بل تواجدت بقوة في حياة أبنائها ورغم عملها في مجال الفن الذي يعد أكثر انفتاحا من المجتمعات الأخرى إلا أنها في تربيتها لأولادها مزجت بين التربية الحديثة، والقديمة أيضا لإيمانها بضرورتها، فهي صديقة لهم تعلمهم الالتزام بالحفاظ على القيم والعادات والتقاليد والعقيدة والدين.
ورغم كونها فنانة لها ثقلها على الساحة الفنية، إلا أنها تشعر بأن هذا يثقل كاهل أولادها ويزعجهم، فهم يدفعون ثمن شهرة أمهم، وعليهم أن يتصرفوا بحذر في كل خطوة يسيرونها، وذلك لأنهم محاسبون عن كل تصرفاتهم من قبل الآخرين.
معطاءة على الخشبة وفي البيت
تقول عنها زميلتها وصديقتها الفنانة مريم سلطان، مهما قلت عنها فلن أوفيها حقها، فصداقتنا ممتدة من عام 1979 م وحتى الآن، وكثيرا ما نشتكي لبعضنا من متاعب المهنة التي نحبها كثيرا، وتمتلك سميرة طاقات كبيرة وجبارة في الفن، وأعتقد أنه مازال لديها الكثير لتقدمه،
وهي شخصيه معطاءة إلى أقصى الحدود، بعيدة عن الأنانية، وتساعد كل من يلجأ إليها طالبا مشورتها في الفن، وأجمل ما يميزها أنها سريعة التسامح فهي تغضب أحيانا إلا أنها تعود ثانيه لحالتها الطبيعية في اقل من خمس دقائق. وهي فنانة ذات شخصيه خاصة، تستطيع أن تسلط الأضواء على نفسها من خلال إتقانها للدور الذي تؤديه، وهي في نظري متفوقة دائما بجهدها واجتهادها وسعيها المستمر لتطوير نفسها.
ويؤكد الدكتور جبيب غلوم أن سميرة أحمد فنانة بدأت واستمرت في عطائها الفني دون توقف رغم ما قد تمر به الفنانة الإماراتية من ظروف قد تجعلها ترفض الاستمرار، إلا أن إيمانها بهذا الدور الذي تلعبه رغم الضغوطات الاجتماعية التي عانت منها في البداية، جعلها تستمر بتحدي وثبات وتقاوم كافه الصعوبات حتى تحقق ما تصبو إليه،
وهي فنانة ذات كاريزما خاصة، لها تواجد وحضور وثقل قلما يتوفر لأي ممثل، كما أنها تمتلك سمة جميلة وهي قدرتها على الصراحة والمواجهة، وهذا يعني الكثير في مجال الفن، فعندما يعرض عليها عمل ما فهي تقول رأيها صراحة، أما بالرفض والقبول، وهذا يجعل القائمين على العمل من مؤلف ومخرج ومنتج يحترمونها لعدم المماطلة وتضييع الوقت.
ويواصل الدكتور غلوم أقدر فيها ثقتها الكبيرة في كمخرج، فهي لا تتواني على الموافقة على الأدوار التي أقدمها لها للمشاركة معي في أعمال مسرحيه، كذلك هي من الفنانين الذي أسعد بالتحاور معهم وأثق كثيرا في تقييمها للعمل الإبداعي، وكثيرا تقترح أفكارا جديدة تسعى إلى تطوير العمل الإبداعي بشكل أفضل،
وأهم ميزة فيها كفنانه أنها استطاعت وبنجاح التوفيق بين عملها وبيتها وهي معادله صعبه التحقيق، ورغم ذلك فقد نجحت سميرة في هذا الموضوع، واستطاعت أن تمنح بيتها الوقت الكامل وفي نفس الوقت تتواجد في الوسط الفني وتختار أدوارها بعناية.
المحافظة على النجومية
ويشير الفنان محمد الجناحي إلى أن نجومية سميرة أحمد جاءت بعد سنوات طويلة من العمل بحب وعطاء في مجال المسرح والتلفزيون والإذاعة، وهي نجمة كبيرة على المستوى المحلي والعربي أيضا، وفنانة تحترم نفسها وفنها وجمهورها، وقد تعامل معها الجناحي خلال أكثر من 15 سنة في مسلسلات إذاعية، حيث قامت ببطولة جميع أعماله التي ألفها للإذاعة، كذلك كتب لها أكثر من عمل دراما تلفزيونيه، وتعامل معها كثيرا في المسرح.
ويقول عنها هي من الفنانات النادرات بل تكاد تكون الوحيدة التي تهتم بالنص، وتراها تكتب على يمين الصفحة ملاحظاتها وقد تضيف على النص أو على السيناريو وتتناقش فيه مع المؤلف والمخرج، وغالبا يأخذون برأيها، حيث لها قدرة فائقة على تفحص النص بعيون ناقدة.
وهي شديدة الاجتهاد ودقيقة جدا في عملها ولا تكتفي بقراءة النص وتقمص الشخصية، بل تدرس وتحلل جيدا تلك الشخصية، وهذا بالفعل أوصلها إلى النجومية والمحافظة عليها في نفس الوقت وهي حقا واحدة من أهم نجمات الخليج.
كذلك يقول عنها الفنان أحمد الجسمي والذي شاركها بطولة معظم أعمالها الفنية وأضاف سميرة أحمد هي رمز للممثلة المحافظة،
فهي زميلة درب طويل وزميلة منذ الصغر، وهذا مصدر فخر واعتزاز لي، فقد نلنا سويا جائزة أفضل تمثيل، إخراج عن مسرحيه مقهى بوحمدة في قرطاج، وكان هذا المهرجان الأول الذي تشارك فيه الإمارات وكانت فرحتنا لا تعادلها فرحة أخرى في ذلك الوقت.
كما تمتلك سميرة أحمد موهبة تفوق الحد، واستطاعت بذكاء أن تستغل تلك الموهبة، وتطور فيها، وهي نجمة تهتم كثيرا بثقافتها المسرحية، وتسعي دائما إلي تطوير نفسها ولا تكتفي أبدا إلى ما وصلت إليه باعتبارها قد تربعت على القمة.
وقد تقبل سميرة أحمد عملا مسرحيا يعجبها دون النظر إلى مردوده المادي، فالعمل الفني وقيمته يغريها أكثر من نتائجه المادية. والفنانة المخضرمة سميرة أحمد تمتلك كاريزما خاصة في المسرح والتلفزيون، ولديها قبول مقنع لدى الآخرين، وتمتاز بحضورها القوي على خشبه المسرح، وهي بحق رمز جيد للفنانة الإماراتية.
إيمان قنديل